موسوعة الفرق

المطلب الرابع: أدلة نفاة الحسن والقبح العقليين والجواب عنها


استدل الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين بالتالي:
الدليل الأول: أن العبد مجبور على فعله، وإذا كان كذلك فلا يتصور الحسن والقبح العقليان حينئذ في فعله، لأن ما ليس بفعل اختياري لا يكون حسنا ولا قبيحا عقلا بالاتفاق من النفاة والمثبتين للحسن والقبح العقليين.
أما بيان كونه غير اختياري:
 فلأنه إن لم يتمكن من الترك فذاك هو الجبر.
وإن تمكن من الفعل والترك كان الفعل جائزا.
وحينئذ إما أن يفتقر ترجيح الفعل على الترك إلى مرجح أولا؛ فإن لم يفتقر كان اتفاقيا فلا يوصف بالحسن والقبح، وإن افتقر إلى مرجح فذلك المرجح إن كان من العبد، احتاج ذلك المرجح آخر فيلزم التسلسل وهو محال.
وإن كان المرجح من غير العبد، كان اضطراريا. وعلى التقارير كلها – أي امتناع الترك وكون الفعل اتفاقيا أو اضطراريا – لا يكون العبد مختارا في فعله، بل مجبور، فلا يتصف شيء من أفعاله بالحسن والقبح العقليين الجرجاني، ((شرح المواقف)) (8/ 185، 186). و((شرح المقاصد للتفتازاني)) (2/149).
وقد أجيب عن هذا الدليل: بأن فيه التسوية بين الحركة الضرورية والاختيارية من العبد وعدم التفريق بينهما، وهذا باطل، لأنه مخالف لما يقضي به الواقع والحس والشرع. فهذا الدليل في مقابلة ما تقضي به الضرورة فلا يلتفت إليه.
ثم إنه لو صح الدليل المذكور لزم منه أن يكون الله تعالى غير مختار في فعله، لأن التقسيم المذكور في هذا الدليل جاز في أفعاله تعالى. وهذا كاف لبطلان هذا الدليل.
كما أنه يلزم من هذا الدليل بطلان الحسن والقبح الشرعيين، وذلك لأن فعل العبد ضروري، أو اتفاقي، وما كان كذلك فإن الشرع لا يحسنه ولا يقبحه لأنه لا يرد بالتكليف به فضلا عن أن يجعله متعلق الحسن والقبح.
ثم إنه إذا كان المرجح من الله تعالى لم يلزم من ذلك أن يكون الفعل اضطراريا؛ فإن الله يحبب للعبد الفعل، فيفعله باختياره، كما قال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 7]
كذلك إذا زين للعاصي عصيانه، فإن معصية العبد باختياره، فالتحبيب للطاعة والتزيين للمعاصي لم يسلبا العبد اختياره حتى يكون فعله اضطراريا.
وإذا كان فعل العبد اضطراريا فإنه يلزم من ذلك بطلان الشرائع والتكاليف؛ لأن التكليف إنما يكون بالأفعال الاختيارية، إذ يستحيل أن يكلف المرتعش بحركة يده ابن القيم، ((مفتاح دار السعادة))، (2/ 25).
الدليل الثاني:
لو كان قبح الكذب بالذات أو لصفة لازمة للذات لكان كلما وجد الكذب وجد القبح؛ لأن ما بالذات وما هو بواسطة أمر لازم للذات يجب أن يكون ما دامت الذات واللازم باطلاً.
"فإن الكذب قد يحسن في بعض الأحيان كما إذا كان يترتب عليه عصمة دم نبي من ظالم، فالكذب حينئذ حسن بل واجب؛ لأنه رد للظلم بحيث لو تركه كان تركه قبيحا، وكذلك يحسن الكذب بل يجب إذا كان فيه إنجاء متوعد بالقتل ظلماً" الجرجاني، ((شرح المواقف)) (8/ 190).
وقد أجيب من هذا الدليل: بأن الكذب قبيح في جميع صوره، وأما الذي يحسن فالتعريض والتورية. ومن ثمت قيل: إن في المعارض لمندوحة عن الكذب، فالكذب ليس متعينا لردع الظالم، وإذا لم يتعين كان الإتيان به قبيحا لا حسنا.
ويجاب أيضا: بأن تخلف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع لا يخرجه عن كونه قبيحا لذاته، والله سبحانه حرم الميتة للمفسدة التي في تناولها، وهي ناشئة من ذاتها، ولكن يباح تناولها للمضطر فتخلف التحريم عنها عند الضرورة لا يوجب أن تكون ذاتها غير مقتضية للمفسدة التي حرمت لأجلها، فهكذا الكذب المتضمن نجاة نبي أو مسلم.
ثم إن هذا الدليل لا يرد على الجبائية القائلين بأن الحسن والقبح يرجعان إلى وجوه واعتبارات؛ إذ يكون الكذب حينئذ قبيحا باعتبار تعلقه بالمخبر عنه، لا على ما هو به، وحسنا باعتبار استلزامه لإنجاء مظلوم ابن القيم، ((مفتاح دار السعادة)) (2/36، 37).
الدليل الثالث:
وهو الذي اعتمد عليه الآمدي في نفي الحسن والقبح العقليين وفحواه: أن حسن الفعل لو كان أمرا زائدا على ذاته، لزم قيام المعنى الذي هو الحسن بالمعنى الذي هو الفعل، وقيام العرض بالعرض باطل.
وقد أجيب عن ذلك: أن كثيرا من المعاني يوصف بالمعاني، كما يقال: علم ضروري، وعلم كسبي، وإرادة جازمة، وحركة بطيئة، وحركة سريعة، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
ثم إنه لا يلزم من كون الحسن أمرا زائدا على ذات الشيء قيام المعنى بالمعنى، بل اللازم هو: وصف المعنى بالمعنى.
ويقوم أحد المعنيين بالآخر تبعا لقيام الآخر بالجوهر الذي هو المحل، والمعنيان جميعا قائمان بالمحل، وأحدهما تابع للآخر، وكلاهما تابع للمحل.
فلم يقم عرض بعرض، وإنما قام العرضان جميعا بالمحل، فالحركة والسرعة مثلا قائمتان بالمتحرك، والإرادة والجزم قائمان بالمريد.
فالمستحيل أن يقوم معنى بمعنى من غير أن يكون لهما حامل، فإذا كان لهما حامل، وأحدهما صفة للآخر، وكل منهما قام بالمحل، فلا استحالة في ذلك.
وأيضا لو صح الدليل المذكور، لزم أن لا يوصف الفعل بالحسن والقبح شرعا؛ إذ يلزم عليه أن يقوم المعنى بالمعنى، ولا خلاص عن هذا إلا بالتزام أن يكون الحسن والقبح الشرعيان عدميين، بخلاف الحسن والقبح العقليين، ولا سبيل إلى ذلك. فقد رتب الشارع الثواب والعقاب، والمدح والذم عليهما، ترتب المقتضى على مقتضيه، والأثر على مؤثره. وما كان كذلك لم يكن عدما محضا إذ العدم المحض لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ولا مدح ولا ذم ابن القيم، ((مفتاح دار السعادة)) (2/ 27، 28).
وهناك أدلة أخرى ضعيفة باعتراف النفاة، ولا بأس بذكر بعضها، وهو: من قال: لأكذبن غدا، وجاء الغد وكذب، فهذا الكذب: إما حسن فلا يكون الكذب قبيحا لذاته، وإما قبيح فهذا القبيح تركه حسن مع أن تركه يستلزم كذبه فيما قاله أمس، ومستلزم القبيح قبيح، فيلزم من هذا أن يكون الترك حسنا وقبيحا معا، وهو باطل.
فتعين ألا يكون قبح الكذب ذاتيا لانقلابه حسنا، وهو المطلوب.
والجواب عن ذلك هو: أنا لا نسلم أن مستلزم القبيح قبيح، فقد يكون الفعل حسنا لذاته مستلزما قبيحا، فيكون باعتبار ذاته حسنا، وباعتبار ما استلزمه قبيحا. فالكلام الواحد، باعتبار أنه مطابق للمخبر عنه حسن، ومن حيث استلزامه للقبيح الذي هو الكذب فيما قاله أمس يكون قبيحا، وإذا فهذا الدليل لا يصلح رداً على الجبائية القائلين بأن الحسن والقبح العقليين لوجوه اعتبارية تختلف بحسب الاعتبار.
وقد يجاب بالتزام قبح كلام هذا الحالف في الغد مطلقا؛ لأنه حينئذ يكون قبيحا. إما لذاته إن كان كذبا، أو لاستلزامه القبيح إن كان صدقا.
ويقال: إن الكلام الصادق إنما يحسن إذا لم يستلزم القبيح ابن القيم، ((مفتاح دار السعادة)) (2/37).
النتيجة
يظهر مما تقدم أن مذهب السلف في الحسن والقبح العقليين وسط بين مذهبي المعتزلة والأشاعرة. وبيان ذلك:
1- أنهم وإن كانوا يوافقون المعتزلة في القول بإدراك العقل للحسن والقبح في بعض الأفعال، إلا أنهم لا يوافقونهم على وجوب الفعل وحرمته بمعنى استحقاق الفاعل الثواب والعقاب قبل ورود الشرع؛ لقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: 15] ، ففارق بذلك مذهب السلف مذهب المعتزلة.
2- كما أنهم يوافقون الأشاعرة في أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بعد ورود الشرع، ولكن لا يوافقونهم على أن الأفعال في أنفسها سواء، وأن لا فرق بينها في نفس الأمر، بل الشرع هو الذي يحسنها أو يقبحها، ولو عكس الشارع الأمر جاز. كل هذا لا يوافق عليه السلف بل يذهبون إلى أن الحسن والقبح ثابتان للأفعال في أنفسهما, وأن الله سبحانه فطر العباد على استحسان الصدق والعدل والإحسان، ومقابلة المنعم بالشكر، كما فطرهم على استقباح أضداد هذه الأفعال، وبذا فارقوا مذهب الأشاعرة، فسلم مذهب السلف من الطعن الوارد على كل من المذهبين، ووافق الصواب من كل منهما.الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص 100

انظر أيضا: