موسوعة الفرق

المطلب الثالث: الأصول والأحكام


بناء على ما زعمه المتمهدي من الصلاحيات المخولة له في بيان أحكام الشريعة بصفته (خاتم الأولياء) فقد بين أصولاً وأحكاماً للشريعة بتعليم من الله تعالى وتحقيق من الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمونها أركان (الولاية المحمدية)، والهدف من ذلك هو التقرب إلى الله تعالى والفوز برؤيته في هذه الدنيا، والمتابعة الكاملة للرسول صلى الله عليه وسلم.
الأول: الأصول وهي سبعة: 1- الهجرة. 2- صحبة الصادقين. 3- الذكر الدائم. 4- ترك الدنيا. 5- التوكل. 6- العزلة. 7- رؤية الله تعالى.
الثاني: الأحكام، وهي ستة: 1- العشر. 2- التقسيم بالسوية. 3- النوبة. 4- الإجماع. 5- تحية الوضوء. 6- سلام الوداع انظر: ((حيات باك)) (ص:  234 ،235 ،236 ،244 ،245).
وفيما يلي شرح موجز لهذه الأصول والأحكام.
أولاً: الأصول السبعة:
1-الهجرة:
المقصود من الهجرة ترك الوطن الذي لا يتمكن فيه المهدوي أداء الشعائر الدينية، والدليل على فرضية الهجرة قوله تعالى: قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 97]
وكان المتمهدي قد أعلن أن ترك الهجرة نفاق انظر: ((حيات باك)) (ص: 236). - ((ختم الهدى سبل السواء)) (ص: 19).
وقد رأينا كيف أن المهدويين يتركون أهاليهم وأموالهم، ويرافقون المتمهدي في حله وترحاله، وأثناء وجوده في منطقة (ناكور) اعتنق حاكمها (ملك جي) المهدوية حيث ترك الجاه والمال وخرج مهاجراً مع المتمهدي، كما قبل المهدوية أناس آخرون من الوجهاء والعلماء، والعامة فقام فيهم المتمهدي وتلا قوله تعالى: فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ [آل عمران: 195] الآية.
وقال: (إن هذه الآية نزلت أصالة في شأن أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومن يتصف بهذه الصفات من جماعة المهدي يتشرف أيضاً بفضل هذه الآية) انظر: ((حيات باك)) (ص: 172).
والذين كانوا يرافقون المتمهدي في رحلاته كانوا يسمونهم (بالمهاجرين).
والدعاة المهدويون يقسمون الجهاد إلى قسمين: الأصغر، والأكبر، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر))
الأول: ما قام به الأولون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
الثاني: ما يقوم به الآخرون، وهم المهدويون.
فكانت الهجرة أيضاً هجرتان: صغرى، وكبرى، الصغرى للجهاد الأصغر، والكبرى للجهاد الأكبر، فلما كانت الأولى فريضة فتكون الأخيرة من باب أولى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يترقى دائماً من المرتبة الدنيا إلى المرتبة العليا.
فالهجرة الكبرى من أجل الجهاد الأكبر هي التي يقوم بها المهدويون، وهي تتأتى بهجرة شبر من الأرض لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد))
وعملاً بهذا الحديث فإن كل المهدويين –سواء أكانوا رجالاً أم نساءً، أغنياء أم فقراء، شبابا أم شيوخا –يموتون مهاجرين ومجاهدين، ويكون في الجنة برفقة أبيهم إبراهيم ونبيهم محمد – عليهما الصلاة والتسليم- انظر: ((ختم الهدى سبل السواء)) (ص: 19، 20، 108، 109).
2- صحبة الصادقين:
ويقصد بالصادقين: السلف الصالحين والمشائخ الكاملين في المهدوية، وفي مقدمتهم خلفاء المهدي وأصحابه. والدليل على فرضية صحبة الصادقين قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119] والأمر هنا للوجوب.
وقال المتمهدي في صحبة الصادقين: (وثقوا علاقاتكم مع جماعة ترشدكم إلى ذكر الله –تعالى – وإلى سبيله) انظر: ((ختم الهدى سبل السواء)) (ص: 20، 21).
3- الذكر الدائم:
المقصود بالذكر الدائم أن يشتغل المهدوي بذكر الله تعالى ليل نهار، ولا يغفل عن ذكره لحظة واحدة، والدليل على وجوب الذكر الدائم قوله تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء: 103]
وكان المتمهدي تلا الآية المذكورة بأمر من الله تعالى وأوجب (الذكر الدائم) للفوز برؤية الله تعالى في هذه الدنيا، وقال: (إن الله –سبحانه وتعالى- أنزل هذه الآية الكريمة في شأن الطائفة "المهدوية" وبيان صفاتهم. وقال أيضاً: إن المؤمن الكامل الإيمان هو الذي يشتغل بذكر الله تعالى ليل نهار، ولا يغفل عن ذكره لحظة واحدة) انظر: ((حيات باك)) (ص: 237، 238). ومن هنا جاءت فكرة النوبة الليلية لإحيائها بالذكر عند هذه الفرقة.
4- ترك الدنيا:
يقصد به خروج المهدوي من كل ما يملكه، وتصدقه على الفقراء، وذلك لأن الميل إلى الدنيا يسبب الغفلة عن ذات الله تعالى وصفاته وأحكامه، وحرم المهدي هذه الغفلة، والغافل هو الذي لا يخاف الله تعالى ويميل إلى الدنيا، ففرض المهدي على أتباعه ترك الدنيا بدليل قوله –تعالى-: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ [هود: 15-16]
وقال المهدي: (من يرد رؤية الله تعالى فليعمل صالحاً، والمراد بالعمل الصالح ترك الدنيا، ومن ترك الدنيا، ترك الأنانية) انظر: ((حيات باك)) (ص: 238، 239).
ويذكر الدعاة المهدويون كلاماً كثيراً في ذم الدنيا وطلبها. ويقولون: إن من لم يتمكن من ترك الدنيا في حياته كلها يقطع قبل الموت جميع علاقاته مع أشغال الدنيا ويهاجر إلى المسجد ويقضي بقية حياته في صحبة أحد المشائخ المهدويين انظر: ((ختم الهدى سبل السواء)) (ص: 17-18).
5- التوكل على الله:
من الأمور التي أوجبها المتمهدي على أتباعه (التوكل على الله)، وذلك بدليل قوله تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159] فيجب على كل واحد أن يتوكل على الله تعالى في كل شأن من شؤونه، واعتبر (التوكل) لازم ترك الدنيا.
وكان المهدويون في الدور الأول من أصحاب المهدي وأتباعه؟ قد حققوا معنى التوكل، ولهذا لم يكونوا يحملون معهم أي شيء من أسباب المعيشة في تنقلاتهم ورحلاتهم، وكان شعارهم (يوم جديد رزق جديد) انظر: ((حيات باك)) (ص: 239-240).
يقول المتمهدي: (يجب على المتوكل أن يأكل ما رزقه الله -تعالى- ولا يدخر شيئاً) انظر: ((حيات باك)) (ص: 248).
6- العزلة عن الخلق:
المقصود من العزلة الابتعاد عن هؤلاء الناس الذين مالت قلوبهم على غير الله -تعالى- واتخذوا الدين لعباً ولهواً. والعزلة لازم (صحبة الصادقين)؛ لأن صحبة الصادقين تلزم الابتعاد عن صحبة غير الصادقين.
وألزم المتمهدي أتباعه هذه العزلة بدليل قوله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً [المزمل: 8] ولما استأذن من المتمهدي أحد أتباعه في أن يقضي حياته كلها في العزلة عن الخلق، فقال: (أن تكون في مكان حيث لا تسمع أحداً، ولا يسمعك أحد).
فاستنبط المهدويون من كلام إمامهم أن المقصود من العزلة الابتعاد عن صحبة غير الصادقين الذين هم غير المشائخ المهدوية انظر: ((حيات باك)) (ص: 240-241).
7- الرؤية:
المقصود من الرؤية، رؤية الله -سبحانه وتعالى- في هذه الدنيا بعين الرأس، وهذه أعلى درجات الرؤية، وإن لم يكن يراه بعين الرأس فبعين القلب، أو في المنام وهو أدنى درجات الرؤية. وتعد الأصول الستة المذكورة بمثابة الإعداد للفوز بهذه الدرجة انظر: ((حيات باك)) (ص: 238).
ومسألة الرؤية من أهم المسائل التي شغلت بال المتمهدي طوال حياته المهدية يدافع عنها بقوة، ويؤكد على أن الرؤية فريضة لكل مسلم ويوصي أتباعه قبل وفاته بأن الرؤية أصل أصول دعوته انظر: ((حيات باك)) (ص: 213).
وقد جاء في مناظرة علماء (الفتن) للمتمهدي حول ادعاءاته لما وجه إليه السؤال:
- أنت تدعي أن الإنسان يرى الله تعالى بعين رأسه؟
- فرد عليهم قائلاً: قال الله تعالى: وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً [الإسراء: 72]
- قال العلماء: اتفق أهل السنة والجماعة على أن الرؤية تقع في الآخرة وليس في الدنيا.
- فقال المتمهدي: (إن وعد الله مطلق، وأنا أذهب إلى إطلاقه لا أقيده بالآخرة). وأضاف قائلاً: (لم يثبت عن أهل السنة أنهم أحالوا الرؤية في الدنيا، وكلاهم يحتاج إلى تفهم) انظر: ((حيات باك)) (ص: 166-167).
أثناء وجود المتمهدي في منطقة (فراه) احتج عليه بعض العلماء بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام: 103]
وقالوا: لا يمكن للعيون رؤيته تعالى في هذه الدنيا.
- فقال المتمهدي: معنى الآية؛ أن العيون المجردة لا تشاهد الله تعالى في الدنيا، ولكن العيون التي أعطاها الله تعالى قوة الإدراك تشاهده انظر: ((حيات باك)) (ص: 200).
ثانياً: الأعمال الستة:
وهي كالآتي:
1- العشر:
المقصود من العشر هو إخراج عشر ما يملكه المهدوي في سبيل الله سواء أكان كثيراً أم قليلاً، وسواء أكان من المكتسبات، أم من الموهوبات، أم من المزروعات.
يقول المهدويون: إن إخراج العشر في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم كان عملاً اختيارياً، وجاءت فرضيته عن طريق المهدي (السيد محمد الجونبوري) بدليل قوله –تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ [البقرة: 267]
وقال المتمهدي: (أخرجوا العشر مما رزقكم الله كثيراً كان أو قليلاً) انظر: ((حيات باك)) (ص: 242).
2- التسوية:
المقصود (بالسوية) تقسيم الأموال متساوية بين أصحاب المهدي، وكان المتمهدي – كما يزعم المهدويون – يقسم كل شيء يأتيه من الناس على السوية بين أصحابه حتى إذا جاءه شيء مطبوخ فلا يعطى منه لقمة للأطفال إلا بعد التقسيم على الجميع بالسوية. وأثناء وجوده في منطقة (فراه) أهدى أحد الناس قطوفاً من العنب فتناول أحد أصحابه عنبة، فناولها طفلاً له، ولكن المتمهدي أمر بإخراجها من فم الطفل؛ لأنها لم تقسم بالسوية. ويستدلون على هذا التقسيم بما جاء في الحديث في وصف المهدي: ((يقسم المال صحاحاً قيل: ما صحاحاً؟ قال: بالسوية بين الناس)) انظر: ((حيات باك)) (ص: 242-243).
3- النوبة:
قد تقدم في المصطلحات (المهدوية) أن المراد بالنوبة هي النوبة الليلية لإحيائها بالذكر، ويعمل بهذه النوبة في (الدوائر) – الخلوات المهدوية – حتى لا يمر جزء من أجزاء الليل بدون ذكر حيث يتوزع المرابطون في (الدائرة) إلى ثلاث مجموعات ويقسم الليل إلى ثلاثة أجزاء، وكل مجموعة تتولى إحياء جزء منها، ويستمر هذا العمل إلى صلاة الفجر.
وكان في زمن المهدي يتولى أحد أصحابه يدعى (إله داد حميد) إيقاظ كل مجموعة، وينادي كل فرد باسمه، وبعد مضي فترة من الزمن جاءه الإلهام؟ بأن ينبه الراقدين بالكلمات الآتية: (لا إله إلا الله محمد رسول الله، الله إلهنا، محمد نبينا، القرآن والمهدي إمامنا، آمنا وصدقنا). فلما عرض المذكور هذه الكلمات الإلهية؟ على المهدي استحسنها وأمر بإلقائها لإيقاظ أصحاب النوبة. ويستمر العمل على هذا حتى هذه الأيام انظر: ((حيات باك)) (ص: 243-244).
4- الإجماع:
المقصود من الإجماع (العمل الجماعي)، كان المتمهدي في رحلاته وتنقلاته إذا نزل في مكان، وأراد القيام فيه يندب أتباعه (للإجماع) –أي العمل الجماعي- فيقوم الجميع بإعداد (الدائرة) و(عبادت خانه) – أي بيت العبادة – وهو المسجد، وأماكن لنزول زوجات المتمهدي – وكان يغضب كثيراً على من لا يشترك في هذا (الإجماع) انظر: ((حيات باك)) (ص: 244).
5- تحية الوضوء:
دعا المتمهدي أتباعه أن يصلوا ركعتين بعد كل وضوء، ويدعوا خفية وهم ساجدون، بدليل قوله –تعالى-: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: 55] انظر: ((حيات باك)) (ص: 245).
6- سلام الوداع:
يذكر الدعاة المهدويون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان يقوم بعد صلاة العشاء، لينصرف إلى بيته يقف أصحابه حواليه صفوفاً، فيودعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (السلام عليكم). واتباعاً لهذه السنة كان المتمهدي إذا قام بعد صلاة العشاء لينصرف إلى بيته، كان الأصحاب والمهاجرون يقفون صفوفاً حواليه فيودعهم بقوله: (السلام عليكم) وما زال المهدويون يعملون بهذه البدعة إلى يومنا هذا ((حيات باك)) (ص: 246).
هذه الأعمال الستة ليست متساوية في الدرجة، بل بعضها أكثر أهمية من البعض، إذ أن بعضها أوجبه المتمهدي مثل العشر، والبعض الآخر رغب فيه وحبذه، ولهذا يسمونها (بالفروع) أيضاً.

انظر أيضا: