موسوعة الفرق

المبحث السابع: رأي الأشاعرة في مرتكب الكبيرة


اتفق الأشاعرة على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر. أما الصغائر فقد ذكر شارح "المقاصد" اتفاق الأمة عن أن الله تعالى يعفو عنها مطلقاً شرح ((المقاصد))، (2/ 235)، ودعوى اتفاق الأمة غير صحيح، فخلاف الخوارج مشهور. ويفهم منه أن الأشاعرة مجمعون على ذلك، إلا أن شارح (جوهرة التوحيد) ذكر رأيين في هذه المسألة بعد أن ذكر الاتفاق على ترتيب التكفير على اجتناب الكبائر، فقال: ذهب أئمة الكلام إلى أنه لا يجب التكفير على القطع بل يجوز ويغلب على الظن ويقوى فيه الرجاء، لأنا لو قطعنا لمجتنب الكبائر بتكفير صغائره بالاجتناب، لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأنه لا تبعة فيه. وذلك نقض لعرى الشريعة، فقوله تعالى: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: 31] معناه إن شئنا حملاً له على قوله: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: 48]
وذهب جماعة من الفقهاء والمحدثين والمعتزلة إلى أن المكلف إذا اجتنب الكبائر كفرت صغائره قطعاً ولم يجز تعذيبه عليها، بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لقيام الأدلة السمعية على عدم وقوعه كقوله تعالى: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ... [النساء: 31] ، والنظم ظاهر في هذا الثاني وهو أشهر من الأول عندهم، ومبنى القولين جواز العقاب على الصغيرة وامتناعه والأول هو الحق اللقاني، عبدالسلام بن إبراهيم المالكي، ((إتحاف المريد بجوهرة التوحيد))،( ص: 158)، تعليق الشيخ محمد يوسف الشيخ، ط سنة 1379هـ - 1960م. وهذا الكلام يدل على انقسام القوم في غفران الصغيرة إلى رأيين.
أحدهما: القول بأنها تغفر قطعاً نظراً لوعد الله سبحانه وتعالى بذلك في كتابه حيث قال: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: 31] ، وهذا إيجاب منه تعالى على نفسه بغفران الصغائر إذا اجتنبت الكبائر فلابد وأن الصغائر تغفر لا محالة تفضلاً منه سبحانه. وهذا الرأي هو المذهب المشهور عن الأشاعرة كما ذكر ذلك شارح (المقاصد) الذي يعتبر كتابه من أشهر الكتب التي يعتمد عليها أصحابه.
أما الرأي الثاني فهو القول بأن الصغائر يجوز أن تغفر، ولا نقول بالقطع لأن في ذلك إغراءاً بفعلها، وهو دليل عقلي بحت ولا يخفى ما بين الرأيين من تقارب؛ إذ كلها تتفق على أن الصغائر تغفر إذا اجتنبت الكبائر تفضلا والخلاف في القطع بذلك أو عدمه. ولكن الرأي الذي يسنده الدليل هو القائل بأنها تغفر قطعاً إذا اجتنبت الكبائر لوضوح الأدلة على ذلك، ولا تخفى مؤاخذة صاحبها إن كانت تجره إلى فعل الكبيرة.
هذا بشأن حكم الصغيرة عند الأشاعرة أما حكم مرتكبي الكبائر، فالكلام  في ذلك ذو شقين أحدهما الكلام في صفته وتسميته في الدنيا، والثاني الكلام في حكمه الأخروي. فأما تسميته وحكمه الدنيوي فقد ذهبوا إلى القول بأن مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق، لأن ارتكاب الكبيرة لا يذهب إيمانه كما ذهب إليه المعتزلة وإنما يؤثر فيه بالنقصان، فيسلب منه كمال الإيمان، ويقيد بما اتصف به من معصية وفسق، فيقال مؤمن فاسق. وفي هذا يقول أبو بكر الباقلاني في (التمهيد): فإن قال قائل: فخبروني عن الفاسق الملي هل تسمونه مؤمناً بإيمانه الذي فيه، وهل تقولون إن فسقه لا يضادّ إيمانه؟ قيل له: أجل، فإن قال: فلم قلتم إن الفسق الذي ليس بجهل بالله لا يضاد الإيمان؟ قيل له: لأن الشيئين إنما يتضادان في محل واحد، وقد علمنا أن ما يوجد بالجوارح لا يجوز أن ينفى علماً وتصديقاً، يوجد بالقلب فثبت أنه غير مضاد للعلم بالله والتصديق له. والدليل على ذلك أنه قد يعزم على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم بقلبه من لا ينفي عزمه على ذلك معرفة النبي صلى الله عليه وسلم، وتصديقه له، وكذلك حكم القول في العزم على معصية الله عز وجل، وأنه غير مضاد لمعرفته والعلم به، والتصديق له هو الإيمان لا غير. فصح بذلك اجتماع الفسق الذي ليس بكفر مع الإيمان وأنهما غير متضادين.
فإن قال: ولم قلتم إنه يجب أن يسمى الفاسق الملي بما فيه من الإيمان مؤمناً؟ قيل له: لأن أهل اللغة إنما يشتقون هذا الاسم للمسمى به من وجود الإيمان به، فلما كان الإيمان موجوداً بالفاسق الذي وصفنا حاله، وجب أن يسمى مؤمناً كما أنه لما لم يضاد ما فيه من الإيمان فسقه الذي ليس بكفر وجب أن يسمى به فاسقاً. وأهل اللغة متفقون على أن اجتماع الوصفين المختلفين لا يوجب منع اشتقاق الأسماء منهما، ومن أحدهما، فوجب بذلك ما قلناه الباقلاني، أبو بكر محمد بن الطيب، كتاب ((التمهيد))، (ص: 349 – 350)، نشر المكتبة الشرقية، بيروت، سنة 1957م.
فمما تقدم يتبين لنا الرأي ودليله، وذلك الدليل الذي ساقة الباقلاني ذو شقين، أحدهما عقلي والآخر لغوي.
أما العقلي: فيقول إن الفسق لا يضاد الإيمان، لأن التضاد بين الشيئين لا يكون إلا إذا وجدا في محل واحد، والمعصية التي بها يكون الفسق محلها الجوارح، والإيمان عندهم محله القلب فقط. وما يوجد بالجوارح لا يجوز أن ينفي ما يوجد بالقلب، لأنه غير مضاد له، إذ قد يعص الله تعالى من هو مصدق بقلبه بالله ورسله، فصح بذلك اجتماع الفسق والإيمان.
وأما اللغوي: فهو أن أهل اللغة يشتقون تسمية الشيء من صفة توجد فيه، والإيمان الذي هو التصديق القلبي موجود في الفاسق الذي عصى الله تعالى بعمل قبيح صدر عن الجوارح غير مضاد للإيمان.
وهذان الدليلان – ما هو واضح – مبنيان على مذهبهم القائل بأن الإيمان هو التصديق القلبي بالله وملائكته وكتبه ورسله، الذي تقدم بيانه، وأن أعمال الجوارح إنما هي ثمرات ذلك التصديق القلبي، وليست ركناً فيه، ولا جزءاً في مفهومه. وهم موافقون للسلف في إطلاقهم هذه الصفة على مرتكب الذنب الكبير وقد تقدم استدلالهم على هذه التسمية بمثل قوله تعالى في شأن حاطب بن أبي بلتعة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء... [الممتحنة: 1] فقط خاطبه باسم الإيمان مع ما ارتكبه من عظيم الذنب بشأن الله ورسوله في قصته المشهورة ومثل قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: 9] فسماهم مؤمنين مع اقتتالهم، وغير ذلك من الآيات التي تطلق على فاعل الذنب الكبير اسم المؤمن، وذلك أيضاً دليل للأشاعرة لأنهم يرون نفس الرأي.
أما الحكم الأخروي لمرتكب الكبيرة، عند الأشاعرة، فإنهم أيضاً يوافقون السلف فيه. حيث فوضوا أمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه بعدله وإن شاء غفر له بفضله وذلك إذا مات المذنب من غير توبة، وعن سابق إصرار وفي ذلك يقول البغدادي من الأشاعرة: "... فأما أصحاب الذنوب من المسلمين إذا ماتوا قبل التوبة فمنهم من يغفر الله عز وجل له قبل تعذيب أهل العذاب، ومنهم من يعذبه في النار مدة ثم يغفر له ويرده إلى الجنة برحمته" البغدادي، أبو منصور عبدالقاهر بن طاهر، ((أصول الدين))، (ص: 242)، ط1 مطبعة الدولة، استانبول، سنة 1346هـ - 1928م.
ويقول الشيخ عبد السلام بن إبراهيم اللقاني في شرح (جوهرة التوحيد). "... فذهب أهل الحق إلى أنه لا يقطع له بعفو ولا عقاب، بل هو في مشيئة الله سبحانه وتعالى، وعلى تقدير وقوع العقاب عدلاً منه سبحانه وتعالى يقطع له بعدم الخلود في النار...." انظر: ((إتحاف المريد بجوهرة التوحيد))، تعليق الشيخ محمد يوسف الشيخ، (ص: 173)، ط سنة 1379هـ. ولا نعلم خلافاً للأشاعرة في هذه المسألة. ويتبين لنا مما تقدم أن معتقد القوم في مرتكب الكبيرة أنه لا يقطع عليه بحكم ما، بل يفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى، إن شاء غفر له ذنوبه ابتداء من غير سابق تعذيب فيدخله الجنة بفضله ورحمته، وإن شاء أدخله النار وعذبه بقدر جرمه ثم أخرجه منها وأدخله الجنة. وكل هذا يستندون فيه إلى أدلة شرعية منها ما يدل على إمكان غفران الذنوب، ومنها ما يدل على عدم تخليد المذنب المؤمن إذا هو أدخل النار لمعاقبته التي تتم بعدل من الله سبحانه وتعالى.
فمن النصوص التي استدلوا بها على غفران الذنوب ما عدا الشرك قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: 48] وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: 53] إلى غير ذلك مما استدلوا به على هذه المسألة مما ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه مما تقدم ذكره في بيان مذهب السلف، فلا داعي لتكراره.
ثم إنهم استدلوا على هذه المسألة أيضا بأن العقاب حقه تعالى فيحسن إسقاطه مع أن فيه نفعا للعبد من غير ضرر لأحد عبدالسلام بن إبراهيم اللقاني، ((إتحاف المريد بجوهرة التوحيد))، تعليق الشيخ محمد يوسف الشيخ، (ص: 172). أما دليلهم على أن من عذب من العصاة لا يخلد في النار فهو أيضاً عين ما استدل به السلف من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)) رواه الحاكم (4/279) من حديث أبي طلحة الأنصاري, وقال صحيح الإسناد, ورواه مسلم (27) من حديث عثمان رضي الله عنه بلفظ: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة). , قالوا: وليس ذلك استقامة الكلام: خاصاً بما قبل دخول النار بل قد يكون بعده. وهي مسألة انقطاع العذاب أو بدونه وهي مسألة العفو التام ((إتحاف المريد بجوهرة التوحيد))، تعليق الشيخ محمد يوسف الشيخ، (ص: 174). من أدلتهم أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) رواه الترمذي (2593), من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, وقال حديث حسن صحيح, وصححه الألباني, وقال في ((السلسلة)) (2450): صحيح على شرط الشيخين. , إلى غير ذلك من الأدلة.الإيمان بين السلف والمتكلمين لأحمد الغامدي - ص 170

انظر أيضا: