موسوعة الفرق

المبحث الأول: قولهم في الإيمان


أما أبو الحسن الأشعري - إمام الطائفة - فقد اشتهر عنه القولان: موافقة السلف، وموافقة جهم. فقد نصر قول السلف في كتابيه: (مقالات الإسلاميين)، و(الإبانة). قال في حكاية ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: (ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق، ولا غير مخلوق... ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون الله سبحانه ينزلهم حيث شاء. ويقولون: أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. ويؤمنون بأن الله سبحانه يخرج قوما من الموحدين من النار، على ما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم).ثم قال: (هذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه. وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، واليه المصير).وقال في (الإبانة): فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم، وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا) ثم سرد جملة من الاعتقاد، ثم قال: (وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلّم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم). وقال: ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا.فهذا قوله الموافق لأهل السنة، وأما قوله الآخر، فقد سبقت حكايته في قول شيخ الإسلام: (وقد ذكر الأشعري في كتابه (الموجز) قول الصالحي هذا وغيره ثم قال: والذي أختاره في الأسماء قول الصالحي).وقول الصالحي -على ما حكاه الأشعري في المقالات- (أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ولا كفر بالله إلا الجهل به، وأن قول القائل: إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر، ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن الله سبحانه أكفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر. وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله... والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر. والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي).وقد نص شيخ الإسلام في مواضع من كتبه على أن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان، ومن ذلك قوله: وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان كالأشعري في أشهر قوليه، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبى حنيفة، كالماتريدي ونحوه، حيث جعلوه مجرد تصديق في القلب، يتساوى فيه العباد، وأنه إما أن يُعدم وإما أن يوجد، لا يتبعض، وأنه يمكن وجود الإيمان تاما في القلب مع وجود التكلم بالكفر والسب لله ورسوله طوعا من غير إكراه، وأن ما عُلم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في القلب وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن الذي في القلب، بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها، فإن هذا القول فيه خطأ من وجوه....وقوله: (والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب. ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم. ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه. والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم). وقال شيخ الإسلام: (وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان، مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من أنه يُستثنى في الإيمان، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه نصر مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، ولا يخلدون في النار، وتقبل فيهم الشفاعة ونحو ذلك. وهو دائما ينصر في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم قولَ أهل الحديث، لكنه لم يكن خبيرا بمآخذهم، فينصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم، فيقع في ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء، كما فعل في مسألة الإيمان، ونصر فيها قول جهم مع نصرِه للاستثناء، ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الاستثناء، كما سنذكر مأخذه في ذلك، واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك.ومن لم يقف إلا على كتب الكلام ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب، فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة، وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة، بل قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان الذي نصره أبو الحسن، وهو عندهم شر من قول المرجئة). وقال أيضاً: (وقال أبو عبدالله الصالحي: إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن له لوازم، فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب، وإن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر، كان ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته، وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة. وهذا أشهر قولي أبي الحسن الأشعري، وعليه أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي وأمثالهما، ولهذا عدَّهم أهل المقالات من المرجئة. والقول الآخر عنه كقول السلف وأهل الحديث: إن الإيمان قول وعمل، وهو اختيار طائفة من أصحابه، ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان. والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك، لا إلى الكمال والنقصان والحال).قلت: وممن عد الأشاعرة من المرجئة: ابن حزم.ونقل الشهرستاني عن الأشعري قوله: (الإيمان هو التصديق بالجنان. وأما القول باللسان والعمل بالأركان ففروعه، فمن صدق بالقلب، أي أقر بوحدانية الله تعالى، واعترف بالرسل تصديقا لهم فيما جاءوا به من عند الله تعالى بالقلب، صح إيمانه، حتى لو مات عليه في الحال كان مؤمنا ناجيا، ولا يخرج من الإيمان إلا بإنكار شيء من ذلك).الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير – 1/225
وقد ذهب جمهور الأشاعرة في هذه المسألة إلى القول بأن الإيمان الشرعي هو شيء واحد فقط لا تعدد فيه وهو التصديق القلبي، بالله تعالى، وبنبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وتصديقه فيما أخبر به عن الله عز وجل وصفاته، وأنبيائه، وغير ذلك، فالإيمان عندهم تصديق قلبي فقط، وهذا هو المذهب المشهور عندهم.
وبياناً له أورد ما ذكره صاحب (المواقف) في هذا المقام حيث قال: اعلم أن الإيمان في اللغة هو التصديق مطلقاً، قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: 17] أي بمصدق فيما حدثناك به، وقال عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)) رواه مسلم (8) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.   أي تصدق، ويقال: فلان يؤمن بكذا أي يصدقه، ويعترف به. وأما في الشرع، وهو متعلق ما ذكرنا من الأحكام – يعني الثواب على التفاصيل المذكورة – فهو عندنا – يعني أتباع أبي الحسن الأشعري – وعليه أكثير الأئمة كالقاضي والأستاذ ووافقهم على ذلك الصالحي وابن الراوندي من المعتزلة: التصديق للرسول فيما علم بمجيئه به ضرورة، تفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالا فيما علم إجمالاً، فهو في الشرع تصديق خاص انظر: ((المواقف بشرح الجرجاني)) (8/ 322)، ط مطبعة السعادة، مصر، سنة 1325هـ.
فالإيمان الشرعي هو بعينه الإيمان اللغوي، إلا أن الإيمان الشرعي خاص فيما أمرنا بالتصديق به من الأمور الشرعية، واللغوي عام.
وهناك قول آخر ذهب إلى الأخذ به إمام الحرمين الجويني وهو أن الإيمان مركب من أمرين: تصديق قلبي وإقرار لساني حيث قال: والمؤمن على التحقيق من انطوى عقداً على المعرفة بصدق من أخبر عن صانع العالم وصفاته، وأنبيائه. فإن اعترف بلسانه بما عرف بجنانه فهو مؤمن ظاهراً وباطناً، وإن لم يعترف بلسانه معانداً لم ينفعه علم قلبه، وكان في حكم الله من الكافرين، كفر جحود وعناد. وكذلك كان فرعون وكل معاند جحود، وكذلك عرف أحبار اليهود بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصادفوا نعته في التوراة، فجحدوا بغياً وحسداً، فأصبحوا من الكافرين. ومن أظهر كلمة الإيمان، وأضمر الكفر فهو المنافق الذي يتبوأ الدرك الأسفل من النار الجويني، إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك، ((العقيدة النظامية)) بتحقيق محمد زاهد الكوثري، (ص: 62)، ط مطبعة الأنوار، سنة 1367هـ.
فهذا أحد أقطاب الأشاعرة ينفرد عنهم بهذا الرأي، الذي يوافق فيه أبا حنيفة ومن ذهب مذهبه، في أن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، إلا في حال تعذر النطق باللسان فهو عندهم ركن يحتمل السقوط لعذر كالخرس ونحوه. وهذا الرأي أفردته بالبحث عند الكلام عن أبي حنيفة. ولكن الذي يهمنا هنا هو بيان المذهب المشهور عن الأشاعرة، والذي تبنته كتبهم المعتبرة وقررته، واستدلت له، وهو ما تقدم من أنه تصديق خاص. أما الإقرار اللساني والعمل بالجوارح فهم وإن لم يجعلوهما من الإيمان، إلا أنهم لم يهملوهما بل جعلوا لهما اعتبارهما في الوجود، فقد جعلوهما شرطا به يتحقق الإيمان، ويأثم تاركهما إثما كبيراً، لأنهما دليل على صدق الإيمان الباطن، ومدى تحققه. وفي بيان ذلك يقول عضد الدين الإيجيي بعد ذكر مذهبهم في الإيمان:... والتلفظ بكلمتي الشهادتين مع القدرة عليه شرط، فمن أخل به فهو كافر مخلد في النار، ولا تنفعه المعرفة القلبية من غير إذعان وقبول، فإن من الكفار من كان يعرف الحق يقيناً، وكان إنكاره عناداً واستكباراً، قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: 14] انظر: ((العقائد العضدية بشرح جلال الدين الدواني))، (2/285، 286)، ط المطبعة العثمانية، سنة 1316هـ.
فالعمل له عندهم مكانة كبيرة، فتاركه أو تارك شيء منه يكون مذنباً معرضاً للعقاب وهذا ما يجعلني أقول: إن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -، وما سبقه إليه ابن حزم الظاهري من عد طائفة الأشاعرة من جملة المرجئة المناصرة لمذهب جهم في الإيمان انظر: ((كتاب الإيمان)) لابن تيمية، (ص: 10)، ط المكتب الإسلامي، دمشق، وكتاب ((الفصل)) لابن حزم، (2/188). ، أمر لا يتناسب مع الواقع. والإنصاف يدفعنا إلى القول بأن القوم لم يقصروا كثيراً في اعتبار العمل إلى حد يبرز إلزاق هذا اللقب – الذي عرف بالذم والقبح عند أغلب الطوائف – بهم، وعدهم من جملة الجهمية المرجئة، إذ أن الخلاف في هذه المسألة بينهم وبين جماعة السلف خلاف لفظي، لأنه ينحصر في الشرطية التي قال بها الأشاعرة والشطرية التي قال بها السلف، والكل متفق على ضرورة الإتيان بالعمل والإقرار دون تفريط أو تقصير، والمقصر فيهما مؤاخذ على تقصيره ومعرض للعقاب، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، وأن الإيمان المنجي من التخليد في النار هو التصديق القلبي الجازم لقوله صلى الله عليه وسلم: ((  يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان )) رواه الترمذي (2593), من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, وقال حديث حسن صحيح, وصححه الألباني, وقال في ((السلسلة)) (2450): صحيح على شرط الشيخين. ,  شريطة أن لا يكون قد ترك العمل استحلالاً وجحوداً وعناداً. فإذا القوم يخرجون الإقرار والعمل عن الركنية في الإيمان، مع التشدد في الإتيان بهما كشرط لتحقق الإيمان وكماله, وكدليل ظاهري محسوس على وجود حقيقته في أعماق القلب.
وقد أوردوا أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه، فمما أوردوه كدليل على إخراج الإقرار عن الركنية قوله تعالى: أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ [المجادلة: 22]، وقوله تعالى: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14]، وقوله سبحانه: وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: 106] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم ثبت قـلبي على دينك )) (2). حيث نسب فيها وفي نظائرها الغير محصورة الإيمان إلى القلب، فدل ذلك على أنه فعل القلب وهو التصديق انظر: ((العقائد العضدية)) للإيجي (2/ 286).
ثم ذكر الإيجي بعد ذلك دليلهم على خروج العمل عن الإيمان حيث قال: "والعمل خارج عنه، لمجيئه مقروناً بالإيمان معطوفاً عليه في عدة مواضع من الكتاب، قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [الرعد: 29] فإن الجزء لا يعطف على كله، فلا يقال: جاءني القوم وأفرادهم ولا عندي العشرة وآحادها)) ((العقائد العضدية)) للإيجي (2/ 286).
غير أنهم قالوا إن الإيمان قد يطلق على العمل إطلاقا مجازيا انظر: ((غاية المرام في علم الكلام)) للآمدي، (ص: 311)، تحقيق حسن محمود عبداللطيف. وعلى ذلك جرى توجيههم للآيات والأحاديث التي ورد فيها إطلاق الإيمان على العمل ثم إنهم لما ذهبوا إلى القول بأن الإيمان هو التصديق، وكان ثمة التباس في أن التصديق هو المعرفة، فيوافقون بذلك الجهمية، أو أنه يختلف عنها فيكونون قد سلكوا طريقاً غير طريقهم، وقالوا بغير مذهبهم. ودفعاً لهذا التوهم في موافقة المعرفة للتصديق الذي قد يحمل بعض العلماء على إدخالهم في زمرة الجهمية القائلة بأن الإيمان هو المعرفة، كما فعله ابن تيمية وابن حزم – رحمهما الله -، فرقوا بين الأمرين بأن الأمرين المتطابقين ضدهما واحد، وضد المعرفة غير ضد التصديق، لأن ضد المعرفة النكارة وضد التصديق التكذيب، واختلاف الضدين دليل على اختلاف كل من المعرفة والتصديق، فبين المعنيين فرق شاسع، وأيضا فإن التصديق عبارة عن أمر كسبي للمصدق اختيار فيه، ولهذا يؤمر به ويثاب عليه، أما المعرفة فقد تحصل بلا كسب، وإذا فالمعرفة أعم من التصديق، فكل من صدق فقد عرف، وليس كل من عرف مصدقا. وفي هذا يقول التفتازاني في شرح المقاصد مفرقاً بين الأمرين:
"... فاقتصر بعضهم على أن ضد التصديق هو الإنكار والتكذيب، وضد المعرفة النكارة والجهالة، وإليه أشار الإمام الغزالي حيث فسر التصديق بالتسليم فإنه لا يكون من الإنكار والاستكبار، بخلاف العلم والمعرفة، وفصل بعضهم زيادة تفصيل فقال: التصديق عبارة عن ربط القلب على ما علم من إخبار المخبر، وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولهذا يؤمر به ويثاب عليه، بل يجعل رأس العبادات بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب، كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر" التفتازاني، سعد الدين، ((شرح المقاصد))، (2/ 251)، ط مطبعة الحاج محرم أفندي، بدون تاريخ.
فإذا الأشاعرة يدعون أن الإيمان الشرعي هو بعينه الإيمان اللغوي، ومن ضمن أدلتهم على أن الإيمان الشرعي هو الإيمان اللغوي وهو التصديق، أن الإيمان مبقى على أصله اللغوي لم ينقل إلى معنى شرعي آخر. وبيانه فيما قاله الباقلاني، حيث قال: "فإن قال قائل: خبرونا ما الإيمان عندكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب، فإن قال: وما الدليل على ما قلتم؟ قيل له: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن، وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق، لا يعرفون في لغتهم إيماناً غير ذلك ويدل على ذلك قوله تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: 17] أي ما أنت بمصدق لنا، ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، أي لا يصدق بذلك. فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة، لأن الله عز وجل ما غير اللسان العربي ولا قلبه، ولو فعل لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله ولغلب إظهاره وإشهاره على طيه وكتمانه، وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك، بل أقر أسماء الأشياء، والتخاطب بأسره على ما كان فيها، دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي. ومما يدل على ذلك ويبينه قول الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: 4] ، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: 3] فخبر أنه أنزل القرآن بلغة القوم، وسمى الأشياء بمسمياتهم، فلا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة، وسيما مع قولهم بالعموم وحصول التوقيت، على أن الخطاب نزل بلغتهم، فدل ما قلناه على أن الإيمان هو ما وصفناه، دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات" أبو بكر، محمد بن الطيب، ((التمهيد))، (ص: 346، 347)، المكتبة الشرقية، بيروت، سنة 1957م.
ومما تقدم يتلخص لنا ما يأتي:
1- أن الإيمان الشرعي: هو الإيمان المعروف في اللغة وهو التصديق المخصوص.
2- أن التصديق محله القلب فقط، بدليل الآيات التي تنسبه إليه دون غيره، وقد تقدم ذكرها – وذلك دليل على أن الإقرار والعمل لا دخل لهما في التصديق.
3- أن العمل خارج عن الإيمان ومغاير له، بدليل عطف العمل على الإيمان والعطف دليل على المغايرة.
4- أن القرآن الكريم ولغة العرب، والإجماع، تدل على بقاء الإيمان على أصله اللغوي.
5- أن الإقرار والعمل شرط في الإيمان، يلزم الإتيان بهما، ومن فرط فيهما فهو معرض للعقاب.
فهذه النقاط الخمس هي ملخص مذهب جمهور الأشاعرة في حقيقة الإيمان.الإيمان بين السلف والمتكلمين لأحمد الغامدي - ص 151
الإيمان عندهم مجرد المعرفة
قال أبو محمد: الأشعرية قالوا: إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم وإعلان التكذيب بها باللسان بلا تقية ولا حكاية والإقرار بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفرا.
ثم خشوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا: لكنه دليل على أن في قلبه كفرا.
فقلنا لهم: وتقطعون بصحة ما دل عليه هذا الدليل؟ فقالوا: لا.
وقالت الأشعرية: إن إبليس قد كفر ثم أعلن بعصيان الله تعالى في السجود لآدم عليه السلام، فإن إبليس من حينئذ لم يعرف أن الله تعالى حق ولا أنه خلقه من نار، ولا أنه خلق آدم من تراب وطين ولا عرف أن الله أمره بالسجود لآدم بعدها قط، ولا عرف بعد هذا قط أن الله كرم آدم.
ومن قولهم بأجمعهم إن إبليس لم يسأل الله قط أن ينظره إلى يوم البعث!
قلنا لهم: ويلكم؛ إن هذا تكذيب لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ورد للقرآن.
قالوا لنا: إن إبليس إنما قال كل ذلك هازئاً مستهزئاً بلا معرفة ولا اعتقاد، كان هذا أشنع كفر وأبرده بعد كفر الغالية من الرافضة.
وقالوا: إن إبليس لم يكفر بمعصيته الله في ترك السجود لآدم ولا بقوله عن آدم أنا خير منه، وإنما كفر بجحد لله تعالى كان في قلبه.
قال أبو محمد: هذا خلاف للقرآن وتكهن لا يعرف صحته إلا من حدثه به إبليس عن نفسه، على أن الشيخ غير ثقة فيما يحدث به.
وقالت الأشعرية أيضا: إن فرعون لم يعرف قط أن موسى أنما جاء بتلك الآيات من عند الله حقا، وأن اليهود والنصارى الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا قط أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا ولا عرفوا أنه مكتوب في التوراة والإنجيل، وأن من عرف ذلك منهم وكتمه وتمادى على إعلان الكفر ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ومن بني قريظة وغيرهم فإنهم كانوا مؤمنين عند الله عز وجل أولياء لله من أهل الجنة.
فقلنا لهم: ويلكم هذا تكذيب لله عز وجل إذ يقول يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ [الأعراف: 157] و يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ [البقرة: 146] فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام: 33] فقالوا لنا: معنى أنهم وجدوا خطأ مكتوبا عندهم لم يفهموا معناه ولا دروا ما هو، ونعم عرفوا صورته فقط ودروا أنه محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب كما يعرف الإنسان جاره فقط.
فكان هذا كفراً بارداً أو تحريفاً لكلام الله تعالى عن مواضعه ومكابرة سمجة وحماقة ودفعا للضرورة.
وقد تقصينا الرد على أهل هذه المقالة الملعونة في كتاب لنا اسمه: كتاب (اليقين في النقد على الملحدين المحتجين عن إبليس اللعين وسائر الكافرين).
وكان لشيخهم الأشعري في إعجاز القرآن قولان: أحدهما كما يقول المسلمون أنه معجز النظم، والآخر: إنما هو المعجز الذي لم يفارق الله عز وجل قط، والذي لم يزل غير مخلوق ولا نزل إلينا ولا سمعناه قط ولا يسمعه جبريل ولا محمد عليهما السلام قط، وأما الذي يقرأ في المصاحف ونسمعه فليس معجزا بل مقدور على مثله.
وهذا كفر صريح وخلاف لله تعالى ولجميع أهل الإسلام.
وقال كبيرهم وهو محمد بن الطيب الباقلاني: إن لله تعالى خمسة عشر صفة كلها قديمة لم تزل مع الله تعالى، وكلها غير الله وخلاف الله تعالى, كل واحدة منهن غير الأخرى منهن، وخلاف لسائرها وأن الله تعالى غيرهن وخلافهن "الفصل 4/206-207ط".
هذا والله أعظم من قول النصارى وأدخل في الكفر والشرك، لأن النصارى لم يجعلوا مع الله تعالى إلا اثنين هو ثالثهما. وهؤلاء جعلوا معه تعالى خمسة عشر هو السادس عشر لهم.موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص 53

انظر أيضا: