trial

موسوعة الفرق

المطلب الخامس: اضطراب المنهج الأشعري وتناقضه في توحيد الأسماء والصفات


ويمكن حصر التناقض والاضطراب في هذا النوع في مسألتين:
المسألة الأولى: في الإثبات:
التناقض الأول: أثبت الأشاعرة من الصفات الوجودية الثبوتية سبع صفات سموها صفات المعاني، ونفوا ما عداها من الصفات الخبرية الذاتية والفعلية، فألزمهم الناس إلزاماً قوياً وهو: إن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر، فإن كان لا يلزم من إثبات الصفات السبع أي محذور من المعاني الباطلة من الجسمية, أو حلول الحوادث أو التركيب، فكذلك لا يلزم من إثبات بقية الصفات تلك المحاذير – وهذا هو الصواب -. وإن كان يلزم من إثبات بقية الصفات تلك المحاذير، فقد لزم إثباتها من الصفات السبع كذلك، إذ الأصل واحد كما تقدم انظر ((التدمرية)) (ص: 31-32). . ولا شك أن الذي دفعهم إلى هذا التفريق هو ما توهموه من قياس الغائب على الشاهد – وسيأتي مزيد بيان لتناقضهم في السبب الموجب للتأويل إن شاء الله.
التناقض الثاني: إن طريقة إثباتهم لصفات المعاني طريقة غريبة أوقعتهم في بعض الإشكالات المتناقضة:
منها أنهم أثبتوا إرادة قديمة ذاتية – وهذا حق – ولكنهم نفوا تخصيصاً فعلياً فلزمهم أحد أمرين: إما أن يقولوا إن الحوادث كلها قديمة لقدم موجبها – وهم لا يقولون به-.، أو يقولوا إن كل حادث حدث بعد أن لم يكن لتخصيصه بالإرادة في وقته المعين، فيلزم إثبات الصفات الاختيارية، وهو الصواب.
ومنها: أنهم أثبتوا نوعين من الكلام، نفسي قديم أزلي وآخر لفظي مخلوق، ثم قالوا بأن الأسماء الحسنى – وهي كلام الله – غير مخلوقة فاضطربوا، وحاولوا تخريج هذا القول فلم يوفقوا.
ومنها: أنهم جوزوا عقلاً وقوع الكذب في كلام الله ومنعوا وقوعه بالدليل الشرعي فوقعوا في اضطرابين:
الأول منهما الدور: إذ هم قالوا إن امتناع الكذب عليه يثبت بالشرع, والشرع يثبت بالمعجزة، وهي لا تثبت إلا بالعلم بامتناع الكذب على الله، فحصل الدور!
والثاني: جواز إفحام الأنبياء، إذ يمكن على أصلهم إفحام الأنبياء بأنه لا يلزم من الإتيان بالمعجزة إثبات صدقهم!
ومنها أنهم أثبتوا تعدداً للكلام بحسب تعلقاته, أما هو في أصله فمعنى واحد، فألزموا بأمرين:
الأول: إذا كان التعدد في الكلام إنما هو بحسب التعلق فإذا كان طلب فعل سمى أمراً، وإذا كان طلب ترك سمي نهياً وهكذا... فلم لا يجوز أن يقال إن الصفات السبع التي أثبتموها حقيقتها صفة واحدة، وتعددها إنما هو بحسب التعلقات فقط، فمثلاً إذا تعلقت تلك الصفة بالممكن إيجاداً سميت قدرة، وبه تخصيصاً سميت إرادة، وإذا تعلقت بالموجود انكشافاً سميت سمعاً أو بصراً.. – وهكذا إلى بقية الصفات.
الثاني: وهو متفرع عن هذا الإلزام، وهو: إذا عادت حقيقة الصفات السبع إلى صفة واحدة، فلم لا يجوز رد هذه الصفة إلى الذات, فلا تثبت له أي صفة، فيقال عندئذ: إن الذات إذا تعلقت بإيجاد الممكن سميت قدرة، وإذا تعلقت بتخصيصه سميت إرادة – وهكذا.
ومنها في صفة العلم، فإنهم اشترطوا لإثباته قصد إتقان الفعل وإحكامِهِ، لأنه إذا لم يشترط كان حدوث الفعل اتفاقياً – وهو لا يدل على العلم، لذلك اشترطوه – وهذا كلام مستقيم، ولكنهم تناقضوا، فنفوا قصد الحكمة في أفعال الله وأحكامه، وأثبتوا حكمة في الجملة، أما أن تكون مقصودة فلا، فصارت الحكمة على أصلهم هذا اتفاقية لا مقصودة، وكل ما أوردوه من إشكالات في صفة الحكمة فإنها ترد عليهم في العلم والإرادة كذلك.
المسألة الثانية: في التنزيه:
وأما تناقضهم واضطرابهم فيه ففي عدة أشياء منها: أنهم اعتمدوا في نفي الصفات الفعلية كالغضب, والرضى, والنزول, والاستواء على أصل: نفي حلول الحوادث، ثم شرعوا في تأويلها، فثبت تناقضهم في أمرين:
الأول: إنه ما من شك في وجود المفعولات، فيلزم أحد أمرين، إما أن يقال: هي قديمة أزلية لأن الموجب لها وجود القدرة والإرادة، وهما صفتان أزليتان, ولا شك في صلاحيتهما للإيجاد أزلاً، وإما أن يقال إنه قد حدث تخصيص في وقت معين لإحداث الفعل، وهو أمر لازم – وهم يسلمون به – ولكنهم يقولون إن الذي حدث هو التعلق، ولكن ما زال الإشكال باقياً: وهو هل هذا التعلق أمر وجودي أو عدمي؟ - فإن كان الأول فقد أثبتوا فعلاً اختيارياً ولابد وإن سموه تمويهاً بحلول الحوادث، وإن كان الثاني فإن العدم ليس بشيء, فضلاً عن أن يوجد شيئاً, ولهذا السبب اضطربوا في معنى التعلق فمنهم من أثبته أمراً وجودياً، ومنهم من عده من النسب والإضافات, وأن الموجب لذلك الذات!!
الثاني: إن المعنى الذي فروا إليه يلزمهم فيه نظير ما فروا منه, بل أشد، فمثلاً تأويل الاستواء بالاستيلاء، فإن الاستيلاء دالٌّ على المغالبة كما قال أهل اللغة، فإنه قد جاء رجل إلى ابن الأعرابي فقال له: "ما معنى قول الله عز وجل الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] فقال: هو على عرشه كما أخبر عز وجل، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: اسكت: ما أنت وهذا، لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل استولى..." أخرجه عنه اللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (3/399 – برقم: 666). ويزداد قبح هذا التأويل بورود كلمة "ثم" الدالة على التراخي في قوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54] فقد لزمهم هنا ما هو أشد من المعنى الذي فروا منه.
وهكذا يلزم الأشعري في تأويل الغضب؛ فإن قال: "هو غليان دم القلب لطلب الانتقام، قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت (أيها الأشعري): هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضب المخلوق" ((التدمرية)) (ص: 32). . فظهر من هذا أن الذي فرَّ إليه الأشعري فيه من اللوازم نظير ما فرَّ منه مما توهم فيه الباطل.
ولذلك فإن الأشاعرة يلزمون هنا بما قد ذكروا من أن وجود بعض الاشتراك لا يوجب المماثلة، فكان يلزمهم ذلك في الصفات التي نفوها بزعم المشاركة والمشابهة، فمن أقوالهم في هذه المسألة قول الرازي فإنه قد قال: "فإن قيل المشاركة في صفات الكمال تقتضي المشاركة في الإلهية؟ قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا يقتضي المساواة في الإلهية، ولهذا المعنى قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]." ((أساس التقديس)) (ص: 86-87). ا هـ فظهر من هذا الاعتراف تناقضهم في التفريق بين المتماثلات.
ومما اعتمدوا عليه في التنزيه: نفي الجسمية، فنفوا صفات كثيرة ذاتية وفعلية واردة في الكتاب والسُنَّة مثل: العلو, والاستواء, واليدين.
فألزمهم الناس بالتناقض إذ هم قد أثبتوا أن الله قائم بنفسه، فما معنى القيام بالنفس؟ "وذكروا أن بعضهم أورد هذا على أبي إسحاق الإسفراييني ففرَّ إلى قوله: إنما أعني بقوله: قائم بنفسه: أنه غير قائم بغيره! وهذا عجب! فإنه إذا كان موجوداً، والموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره, فقوله: "غير قائم بغيره" إنما حاصله أنه قائم بنفسه، فحاصل جوابه إنما يعني بقوله: قائم بنفسه أنه قائم بنفسه!!" ((القائد على تصحيح العقائد)) للمعلمي (ص: 213).
فإذا كان لا يلزمهم من قولهم: إنه قائم بنفسه، إثبات الجسمية، فكذلك لا يلزم من إثبات العلو, والاستواء, واليدين ونحو ذلك من الصفات إثبات الجسمية – فإن كان يلزم في الثانية فقد لزم في الأولى، فيلزم الوقوع في التناقض.منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف -  2/642


انظر أيضا: