trial

موسوعة الفرق

المطلب الرابع: اضطراب المنهج الأشعري وتناقضه في بعض مسائل توحيد الألوهية


إن الاهتمام الكبير الذي أولاه الأشاعرة لمسألة إثبات وجود الله تعالى وزعمهم أنه هو الغاية خطأ كبير, وترتب عليه خلل, ويظهر في الأمور الآتية:
1- عدم التحقيق الدقيق لمسائل توحيد الألوهية، وحمل الآيات الواردة لتقريره على أنها لتقرير الربوبية تقصيراً وقلباً للحقائق الشرعية.
2- ظن كثير من المتأخرين من الأشعرية أن الشرك لا يتحقق وقوعه إلا إذا ظهر اعتقاد الإنسان تأثيراً لغير الله تعالى. وهذا تقصير في معرفة كل أنواع الشرك, وقد وقع كثير من الناس في هذه الأزمنة المتأخرة في بعض مظاهر الشرك, كالنذر لغير الله, والطلب من الأموات والأحياء ما لا يقدرون عليه – بل وصل الأمر ببعضهم إلى الاعتقاد بأن بعض الناس له تأثير في كثير من الأمور، فأطلقوا عليهم أوصافاً فيها بعض خصائص الربوبية كالغوث والقطب، ووصفوا بعضهم بأنهم يعلمون الغيب.
3- التقصير في معرفة بعض أنواع العبادة لدى كثير من المتأخرين – كالدعاء، ويطلقون عليه أنه عادة وليس بعبادة، مما دفعهم لأن يصرفوه لغير الله تعالى.
4- وظهر لهؤلاء المتأخرين تناقض غريب في مسألة الاستغاثة بغير الله, وطلب قضاء الحوائج من غيره، مع وصفهم لمن يدعونه بالغوث الأعظم!، والقول بأن الله قد أعطاه حق التصرف!، وقد مضى أن هذا الاعتقاد ظهر في كثير من المتأخرين, ولم يكن عند متقدميهم، وهذا كله مع تنصيصهم بأن المؤثر هو الله!!، ولما ألزموا قالوا: إن تأثير غيره مجازي فراراً من التناقض، ولكن مثل هذا الهروب لا يخفى على أحد، فأين الدليل على وجود مثل هذه الأوصاف – التي هي من خصائص الربوبية – في الخلق.
اضطرابه وتناقضه في بعض مسائل توحيد الربوبية:
إن الأشعرية يقرون بأنه لا خالق إلا الله، ولكنهم غلوا غلوًّا شديداً فقالوا: إنه لا فاعل على الحقيقة إلا الله، وأما أعمال غيره فمجازية!! ثم نفوا الحكمة التي تعود إلى الله تعالى، ونفوا التحسين والتقبيح العقلييين مطلقاً زعماً منهم أن إثبات ذلك ينافي المشيئة والاختيار، فالكلام إذاً في ثلاث مسائل لبيان اضطرابهم هنا.
المسألة الأولى: تتعلق بأفعال العباد.
وتناقضهم فيها يظهر في أمرين:
الأمر الأول: هو أنهم أثبتوا كسباً للعباد غير معقول، حيث أثبتوا للعبد قدرة تقارن الفعل ولا تؤثر فيه، فألزمهم الناس القول بالجبر، وأن المسألة إذا كانت مجرد مقارنة فلم لا يقال إن المقارن للعمل: الرؤية أوالسماع أو نحو ذلك وقد نص الرازي على الجبر في عدة مواضع من ((المطالب العالية)) (8/16 – 21 – 43– 66). .
الأمر الثاني: وهذا قد ظهر في كثير من المتأخرين، وهو إثبات تأثير للعباد في أمور لا قدرة لهم عليها، وهذا الإثبات إما أن يكون صريحاً ,كإثبات الغوث الأعظم وصفاً لبعض البشر، وإما أن يكون لازماً, كما في الاستغاثة بالميت أو بالحي فيما لا يمكنه الغوث منه، وهذا مع قولهم إنه لا مؤثر إلا الله!!.
المسألة الثانية: تتعلق بالحكمة.
فإنهم ذكروا بأن أفعال الله لا تخلوا عن الحكم ولكنها حكم، غير مقصودة فنفوا القصد، مع أنهم أثبتوا هذا القصد شرطاً لإثبات صفة العلم لله، لأن الفعل المتقن إن لم يكن بالقصد والاختيار فإنه لا يدل على علم فاعله، بخلاف الفعل المتقن المقصود، فنفيهم للقصد في الحكمة، وإثباتهم له في العلم تناقض واضح انظر ((المطالب العالية)) للرازي (3/117-118). . وكذلك: من نفى الحكمة واثبت التعليل والقياس فقد تناقض! وسيأتي إن شاء الله كذلك أن من نفاها يلزمه أن يقول بتجويز تصديق الله تعالى لمدعي النبوة الكاذب.
المسألة الثالثة: وهي تتعلق بالتحسين والتقبيح.
والمراد بها هنا استخدامها من جهة الاستدلال بقياس الأولى، فكل صفة نقص يتنزه عنها المخلوق فأولى أن يتنزه عنها الخالق كالكذب.
وقد حصل للأشاعرة اضطراب نتيجة لهذه المسألة في أمرين، الثاني منهما متفرع عن الأول.
فالأمر الأول: وهو هل يمتنع الكذب على الله في كلامه أو لا؟
اتفق الأشاعرة على أنه يمتنع عليه الكذب – وذكروا وجوهاً في بيان امتناع الكذب في كلامه، ومن هذه الأوجه كما قال الإيجي: "أنه نقص، والنقص على الله محال، وأيضاً فيلزم أن نكون أكمل منه في بعض الأوقات" ((المواقف في علم الكلام)) للإيجي (ص: 296).
وهذه الإجابة سديدة لكنها لا تتفق مع الأصل الذي قرروه، ولذلك اعترف الإيجي بمناقضة هذه الإجابة لأصل التحسين والتقبيح فقال: "واعلم أنه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي، فإن النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه!!، وإنما تختلف العبارة! ((المواقف في علم الكلام)) للإيجي (ص: 296). " ا هـ.
ثم إن لهم وجهين آخرين ذكروهما سيأتي ذكرهما في تناقضهم في صفة الكلام إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: وهو متفرع على الأمر الأول، وهو في إثبات النبوات:
لقد تقدم أن الأشاعرة قد أطالوا المقدمات ليصلوا إلى أهم المطالب عندهم وهو إثبات وجود الله تعالى وهذه المقدمات الطويلة تتعلق بتعريف العلم وأنواعه وطرق تحصيله واكتسابه، ثم الكلام عن الجواهر والأعراض وإثباتها بمقدمات طويلة. ثم بعد إثبات وجود الله يقيمون الأدلة على وحدانيته في الذات والصفات والأفعال. ثم بعد هذه المقدمات يأتون إلى مسألة تعد رابطة بين تلك المسائل العقلية وبين الشرع – ألا وهي إثبات النبوات، وطريق إثباتها: المعجزات فقط انظر: ((الأسس المنهجية)) (ص: 254). .
وقد ذكروا عن كيفية حصولها: أن المعجزة: "فعل الفاعل المختار يظهرها على من يريد تصديقه بمشيئته لما تعلق به مشيئته" ((المواقف)) للإيجي (ص: 341) وانظر: ((الإنصاف للباقلاني)) (ص: 93). .
وأما كيفية دلالتها فهي عندهم" إجراء الله عادته بخلق العلم بالصدق عقيبه، فإن إظهار المعجز على يد الكاذب وإن كان ممكناً عقلاً فمعلوم انتفاؤه عادة كسائر العاديات" ((المواقف)) للإيجي (ص: 341). ولهم تناقضان في هذا الأمر – وهما:
التناقض الأول: بعد الضجة الكبرى التي أقامها هؤلاء المتكلمون الأشاعرة في أنه لابد من القواطع العقلية في المسائل الاعتقادية، وحكموا على الأدلة النقلية كلها أو بعضها على أنها ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، إذا بهم يصلون إلى مسألة عظيمة ليتوصلوا بها إلى الشرع وهي إثبات النوبات فقالوا: إن طريق إثباتها  المعجزات فقط!! وأن دلالتها على النبوة عادية! أي ليست عقلية محضة، وهم يجوزون خرق العادة، وعليه فلا تكون المسألة قطعية على قولهم هذا. وقولهم: إن دلالتها وإن كانت عادية إلا أنها ضرورية انظر ((المواقف)) (ص: 341) و((شرح المقاصد)) (5/18). يستدعي عدم دقتهم في تحديد الأمور الضرورية كمسألة وجود الله تعالى إذ جعلوها من الأمور النظرية لا الضرورية! مع أنها ضرورية انظر: ((الأسس المنهجية)) (ص: 79-83). وسيأتي إلزامهم في العادة والضرورة في التناقض الثاني إن شاء الله.
التناقض الثاني: هو أنهم جعلوا دلالة المعجزة على صدق الرسول بمنزلة القول الصريح من الله بأن مدعي الرسالة صادق انظر: ((قواعد العقائد)) (ص: 215) و((شرح المقاصد)) (5/13-14). , وهذه الدلالة لا تتم إلا إذا قيل بامتناع الكذب على الله تعالى ولذلك قال الجويني: "فصل: امتناع الكذب على الله تعالى شرط في دلالة المعجزة" ((الإرشاد)) للجويني (ص: 278). ا هـ.
ووجه اشتراط امتناع الكذب، أنه لو لم يكن الكذب ممتنعاً عليه لجاز أن يصدق مدعى النبوة الكاذب. ولما قال الأشاعرة إن الكذب محال على الله بالشروع, وأنه جائز عليه الكذب عقلاً، ألزمهم الناس بأنه يلزم الدور في هذا الاستدلال، إذ كيف يصح الاستدلال بدليل ولما يثبت طريق إثباته!. فالدليل هنا: الدليل السمعي – وطريق إثباته: المعجزة، فظهر الدور انظر: ((الإرشاد)) للجويني (ص: 279) و((النبوات)) لشيخ الإسلام (ص: 71).
أجابوا بأن دلالة المعجزة المنزلة منزلة القول ليست إخباراً يتصور فيه الكذب والصدق, وإنما هي إنشاء، قال الجويني: "كأن المرسل قال: جعلته رسولاً، وأنشأت ذلك فيه آنفاً، ولم يقل ذلك مخبراً عما مضى" ((الإرشاد)) للجويني (ص: 279) وانظر: ((الاقتصاد في الاعتقاد)) للغزالي (ص: 89-90). ا هـ. وهذا غير كاف على أصل الأشعرية نفاة الحكمة، إذ أنهم جوزوا عليه كل فعل ممكن وإن كان خلاف الحكمة، ولا شك أن خلق المعجزات على يد الكاذب جائز، فيبقى الشك قائماً في صدق مدعي النبوة على أصلهم، أما أهل السنة والجماعة فينزهون الله تعالى عن مثل هذا الفعل لأنه خلاف حكمته انظر ((النبوات)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 70) و((نقض التأسيس)) (1/162). .
وأما زعمهم بأن دلالة المعجزة على صدق النبي ضرورية، فإنه يوجب عليهم أحد أمرين:
إما أن يقولوا: إن الله لا يمكنه أن يخلقها على يد الكاذب، وهذا تصريح بعجزه – وهم لا يسلمون بهذا, لأنه يمكنه فعل كل شيء ممكن – فيقال إذاً ما معنى قولكم إن دلالتها ضرورية؟ فلم يبق إلا الأمر الثاني وهو: أن الله يمكنه هذا الفعل ولكنه لا يفعله لحكمته – وهو الصواب – لكنه ينقض أصلهم من أساسه انظر: ((النبوات)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 71-72) و((نقض التأسيس)) (1/162). .
وأما زعمهم بأن انتفاء إظهار المعجزة على يد الكاذب معلوم عادة كسائر العاديات فيقال لهم: لم تأتوا بجديد إذ أصلكم ما زال قائماً, وهو تجويز الكذب. فكما أن دلالة المعجزة على الصدق من العاديات، فكذلك يجوز إظهارها على يد الكاذب، إذ لا مانع من خرق هذه العادة، لأنكم جوزتم أن يفعل الله كل شيء, ولم تثبتوا له حكمة يفعل لمقتضاها انظر: ((العلم الشامخ)) للمقبلي (ص: 248). .
والحق أن أدلة الأشاعرة من الضرورة والعادة دالة على إثبات الحكمة لله تعالى, إلا أنهم لم يصرحوا بها، بل إن الرازي الذي ينفي التحسين والتقبيح العقليين قد صرح بذلك فقال: "والعلم الضروري حاصل بأن الكذب على الله تعالى محال، لأنه صفة نقص، وشهادة الفطرة دالة على أن صفة النقص محال على الله – تعالى – وعند هذا يحصل الجزم واليقين بأن ظهور المعجزات يدل على صدق الأنبياء عليهم السلام" ((المطالب العالية)) للرازي (8/100). .
فظهر من العرض السابق أن الأشاعرة يلزمهم على أصلهم هذا: "سد باب النبوة وعدم الوثوق بالشرائع مع عدم التسليم" ((العلم الشامخ)) للمقبلي (ص: 245). .
ويلاحظ كذلك أن الأشاعرة بإنكارهم لتحسين العقل وتقبيحه مطلقاً لشبهات أوجبت لهم ذلك، يكونون قد ضعفوا جانب العقل – وهذا تفريط منهم – يقابله إفراط آخر منهم في تقديم العقل، وأشير هنا إلى أمرين مما رفعوا فيه مقام العقل مقاماً مبالغاً فيه، وهما:
1- إن الأشاعرة قد حكموا على الأدلة النقلية بأحكام مفادها تقديم العقل عليها في حالة التعارض – حسب زعمهم – وعدوا أخبار الآحاد من الظنون التي لا يجوز التمسك بها في المسائل العلمية، بل جعل بعضهم الأدلة النقلية كلها ظنية مما يترتب عنه عدم الأخذ بها في المسائل العلمية! فأين هذا من أصلهم القاضي بمنع تحسين العقل وتقبيحه؟!
2- والأمر الثاني هو أنهم قد نصوا على أن المسائل التي يتوقف عليها الشرع لا تثبت إلا بالعقل، ومنها: معرفة وجود الله – فقالوا: طريق إثباتها العقل فقط، ووجوب المعرفة لا يثبت إلا بالشرع، فألزموا بالدور، ولا يخرجهم من هذا إلا بأن يسلموا أن المعرفة فطرية، أو يقولوا بتحسين العقل وتقبيحه على مقتضى الفطرة، ولذلك هم قد صرحوا بأنه لا يعذر أحد في عدم معرفة الله، بل جعلوا المقر بوحدانيته التارك للنظر مع تمكنه منه آثماً!! وفي هذا إقرار بشيء من تحسين العقل وتقبيحه وإن جاهروا بإنكاره، وربما يكون هذا الأمر وغيره هو الذي جعل بعضهم يقر بأنواعه للحسن والقبح العقليين, ويحصر الخلاف في استحقاق العذاب والجزاء فقط. وقد يكون هذا هو الذي جعل السجزي يرى أن الأشاعرة يقولون بوجوب معرفة الله عقلاً, مع نفيهم لتحسين العقل وتقبيحه، فعده تناقضاً لهم فقال: "وقال الأشعري: "العقل لا يقتضي حسن شيء ولا قبحه، وإنما عرف القبيح والحسن بالسمع، ولولا السمع ما عرف قبح شيء ولا حسنه، ثم زعم أن معرفة الله سبحانه واجبة في العقل قبل ورود السمع، وأن تارك النظر فيها مع التمكن منه مستحق للعقوبة"، والنص إنما دل على ترك عقوبته لا أنه مستحق لها. فإن قال: إن معرفة الله وجبت ولم يعلم حسنها، واستحق تارك النظر فيها اللوم، كان متلاعباً، وإن قال: إنها حسنة، فقد أقر بأن العقل يقتضي معرفة الحسن والقبيح، وإنما ضاق به النفس لما قالت له المعتزلة: الظلم قبيح في العقل، وإذا أراد الله شيئاً ثم عذب عليه كان ظالماً، فركب الطريقة الشنعاء في أن لا حسن في العقل ولا تقبيح" ((الرد على من أنكر الحرف والصوت)) (ص: 139-140). .منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف -  2/632


انظر أيضا: