trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: الرد على عقيدة وحدة الوجود


لقد وجه إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء سؤال حول حديث ((كنت سمعه الذي يسمع به....)) الذي يستدل به الصوفية على موقفهم الخاطئ، وفيما يلي نص السؤال والجواب:
السؤال: ما معنى قوله تعالى في الحديث القدسي: ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها))   رواه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة. ؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه.. وبعد:
الجواب: إذا أدى المسلم ما فرض عليه ثم اجتهد في التقرب إلى الله تعالى بنوافل الطاعات واستمر على ذلك وسعه أحبه الله تعالى، وكان عونا له في كل ما يأتي ويذر، فإذا سمعه كان مسدداً من الله في سمعه فلا يستمع إلا الخير ولا يقبل إلا الحق وينزاح عنه الباطل، وإذا أبصر بعينه أو قلبه أبصر بنور من الله فكان في ذلك على هدى من الله وبصيرة نافذة بتأييد الله وتوفيقه، فيرى الحق حقاً والباطل باطلاً، وإذا بطش بشيء بطش بقوة من الله فكان بطشه من بطش الله نصرة للحق، وإذا مشى فكان مشيه في طاعة الله طلباً للعلم وجهاداً في سبيل الله، وبالجملة كان عمله بجوارحه الظاهرة والباطنة بهداية من الله وقوة منه سبحانه.
وبهذا يتبين أنه ليس في الحديث دليل على حلول الله في خلقه أو اتحاده بأحد منهم، ويرشد إلى ذلك ما جاء في آخر الحديث من قوله تعالى: ((ولئن استعاذ بي لأعيذنه)) وما جاء في بعض الروايات من قوله: "فبي يسمع وبي يبصر.. إلخ" فإن ذلك إرشاد إلى المراد في أول الحديث وتصريح بسائل ومسؤول ومستعيذ ومعيذ ومستعين ومعين، وهذا الحديث نظير الحديث القدسي الآخر، يقول الله تعالى: ((عبدي مرضت فلم تعدني.. الخ)) رواه مسلم (2569) من حديث أبي هريرة. فكل منهما يشرح آخره أوله، لكن أرباب الهوى يتبعون ما تشابه من النصوص ويعرضون عن المحكم منها فضلوا سواء السبيل".
هذا، وجاء في فتاوى ابن العثيمين:
"المثال التاسع: ذكر فضيلتكم قوله - تعالى - في الحديث القدسي ((ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه))   رواه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة
وهذا حديث صحيح خرجه البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم إن الله قال: ((من عادي لي ولياً فقد آذنته بالحرب)) وذكر تمام الحديث.
ولا ريب أنه لا يراد من الحديث أن يكون الله - تعالى وتقدس - عين سمع الولي، وبصره، ويده، ورجله، ولا يمكن أن يقال إن هذا ظاهر الحديث لمن تدبره تدبراً جيداً حتى يقال إنه يحتاج إلى التأويل بصرفه عن ظاهره، فإن في سياق الحديث ما يمنع القول بهذا، وذلك أن الله - تعالى - قال فيه: ((وما يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه)). وقال: ((ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)). فأثبت عبداً ومعبوداً. ومتقرباً ومتقرباً إليه. ومحباً ومحبوباً، وسائلاً ومسئولاً. ومعطياً ومعطى. ومستعيذاً ومستعاذاً به. ومعيذا ومعاذاً. فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين، كل واحد منهما غير الآخر. وعلى هذا فيمتنع أحدهما أن يكون وصفاً في الآخر، أو جزءاً من أجزائه، ولا يمكن لأحد أن يفهم هذا الفهم من مثل هذا السياق أبداً. اللهم إلا أن يكون بليد الفكر، أو معرضاً عن التدبر، أو ذا هوى أعماه.
ولا يفهم أحد من مثل هذا السياق - إذا تدبره وكان ذا فكر سليم - إلا أن المراد به تسديد الله - تعالى - للعبد إدراكاً وعملاً، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره بالله ولله وفي الله، وكذلك عمله بجوارحه فيتم له بذلك كمال الاستعانة والإخلاص، والمتابعة غاية التوفيق. وهذا ما فسره به السلف وهو تفسير مطابق للفظ متعين بالسياق، وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره ولله الحمد والمنة".
وجاء فيه أيضاً والشيخ يذكر ثلاثة أقسام للفناء:
"القسم الثاني: صوفي بدعي وهو: الفناء عن شهود السوي أي عن شهود ما سوى الله تعالى، وذلك أنه بما ورد على قلبه من التعلق بالله عز وجل وضعفه عن تحمل هذا الوارد ومقاومته، غاب عن قلبه كل ما سوى الله عز وجل ففني بهذه الغيبوبة عن شهود ما سواه، ففني بالمعبود عن العبادة وبالمذكور عن الذكر، حتى صار لا يدري أهو في عبادة وذكر أم لا، لأنه غائب عن ذلك بالمعبود والمذكور لقوة سيطرة الوارد على قلبه.
وهذا فناء يحصل لبعض أرباب السلوك، وهو فناء ناقص من وجوده:
الأول: أنه دليل على ضعف قلب الفاني، وأنه لم يستطع الجمع بين شهود المعبود والعبادة، والأمر والمأمور به، وأعتقد أنه إذا شاهد العبادة والأمر اشتغل به عن المعبود والآمر، بل إذا ذكر العبادة والذكر كان ذلك اشتغالاً عن المعبود والمذكور.
الثاني: أنه يصل بصاحبه إلى حال تشبه حال المجانين والسكارى حتى إنه ليصدر عنه من الشطحات القولية والفعلية المخالفة للشرع ما يعلم هو وغيره غلطه فيها، كقول بعضهم في هذه الحال: "سبحاني.. سبحاني أنا الله. ما في الجبة إلا الله أنصب خيمتي على جهنم" ونحو ذلك من الهذيان والشطح.
الثالث: أن هذا الفناء لم يقع من المخلصين الكمل من عباد الله، فلم يحصل للرسل، ولا للأنبياء، ولا للصديقين والشهداء. فهذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأى ليلة المعراج من آيات الله اليقينية ما لم يقع لأحد من البشر وفي هذه الحال كان، صلى الله عليه وسلم، على غاية من الثبات في قواه الظاهرة والباطنة كما قال الله تعالى عن قواه الظاهرة: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]. وقال عن قواه الباطنة: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11] وهاهم الخلفاء الراشدون أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم أفضل البشر بعد الأنبياء وسادات أوليائهم لم يقع لهم مثل هذا الفناء، وهاهم سائر الصحابة مع علو مقامهم وكمال أحوالهم لم يقع لهم مثل هذا الفناء.
وإنما حدث هذا في عصر التابعين فوقع منه من بعض العباد والنساك ما وقع، فكان منهم من يصرخ، ومنهم من يصعق، ومنهم من يموت وعرف هذا كثيراً في بعض مشايخ الصوفية.
ومن جعل هذا نهاية السالكين فقد ضل ضلالاً مبيناً، ومن جعله من لوازم السير إلى الله فقد أخطأ.
وحقيقته: أنه من العوارض التي تعرض لبعض السالكين لقوة الوارد على قلوبهم وضعفها عن مقاومته، وعن الجمع بين شهود العبادة والمعبود ونحو ذلك.
القسم الثالث: فناء إلحادي كفري وهو: الفناء عن وجود السوي، أي عن وجود ما سوى الله عز وجل، بحيث يرى أن الخالق عين المخلوق، وأن الموجود عين الموجد، وليس ثمة رب ومربوب، وخالق ومخلوق، وعابد ومعبود وآمر ومأمور، بل الكل شيء واحد وعين واحدة.
وهذا فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود كابن عربي، والتلمساني وابن سبعين، والقونوي ونحوهم... وهؤلاء أكفر من النصارى من وجهين:
أحدهما: أن هؤلاء جعلوا الرب الخالق عين المربوب المخلوق وأولئك النصارى جعلوا الرب متحداً بعبده الذي اصطفاه بعد أن كانا غير متحدين.
الثاني: أن هؤلاء جعلوا اتحاد الرب سارياً في كل شيء، في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ. وأولئك النصارى خصوه بمن عظموه كالمسيح، وتصور هذا القول كاف في رده، إذ مقتضاه: أن الرب والعبد شيء واحد، والآكل والمأكول شيء واحد، والناكح والمنكوح شيء واحد، والخصم والقاضي شيء واحد، والمشهود له وعليه والشاهد شيء واحد، وهذا غاية ما يكون من السفه والضلال.
قال الشيخ رحمه الله: ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتي ابنه ويدعي أنه الله رب العالمين: فقبح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطوءها الذي تفترشه.الديوبندية لأبي أسامة سيد طالب الرحمن- ص 43-48


انظر أيضا: