trial

موسوعة الفرق

المبحث الرابع: مناصرتهم لأعداء المسلمين عبر التاريخ


موالاة المؤمنين والبراءة من الكفار ومعاداتهم أصل عظيم من أصول الإسلام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: 51] ، قال ابن جرير الطبري في تفسيرها: (فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم) ((تفسير الطبري)) (4/617). ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ [الممتحنة: 1]، وقال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة: 55-56] ، قال ابن جرير الطبري: (لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين... وتدلونهم على عوراتهم فإنه من يفعل ذلك... فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر) ((تفسير الطبري)) (3/227). .
وموالاة الكفار وقع فيها الطرقية وتمثلت في مناصرة الكفار على المسلمين بالقتال، أو دلالتهم على عورات المسلمين، أو التجسس لهم، أو تخذيل المجاهدين، ومنها مودتهم ومحبتهم لهم، والركون إليهم، والاعتماد على معاونتهم ودعمهم المادي والمعنوي، وغير ذلك، وهذه أمثلة لموالاتهم للكفار:
1- أبو القاسم أحمد بن الحسين بن قسي، من أهل الأندلس، ثار سنة 537 هـ على أمير المؤمنين ابن تاشفين، وحاول مخالفة النصارى فقتله الناس سنة 546هـ ((الموسوعة الصوفية)) (ص: 322). .
2- ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لما ظهر المشركون التتار وأهل الكتاب في بلاد المسلمين كثر في عباد الصوفية من صار مع المشركين وأهل الكتاب وارتد عن الإسلام، إما باطنا وظاهرا وإما باطنا، ويحتجون بأن ما يفعلونه من الشرك والخروج عن الشريعة وموالاة المشركين وأهل الكتاب والدخول في دينهم ومجاهدة المسلمين معهم هو بأمر الرسول، فتارة تأتيهم شياطينهم بما يخيلون لهم أنه مكتوب من نور؛ وأن الرسول أمر بقتال المسلمين مع الكفار، لكون المسلمين قد عصوا.
حتى قال: (ولما جاء قازان وقد أسلم دمشق انكشفت أمور أخرى فظهر أن اليونسية كانوا قد ارتدوا وصاروا كفارا مع الكفار، وحضر عندي بعض شيوخهم واعترف بالردة عن الإسلام، وحدثني بفصول كثيرة، فقلت له: -لما ذكر لي احتجاجهم بما جاءهم من أمر الرسول- فهب أن المسلمين كأهل بغداد كانوا قد عصوا، وكان في بغداد بضعة عشر بغي، فالجيش الكفار المشركون الذين جاؤوا كانوا شرا من هؤلاء، فإن هؤلاء كن يزنين اختيارا، فأخذ أولئك المشركون عشرات الألوف من حرائر المسلمين وسراريهم بغير اختيارهم، وردوهم عن الإسلام إلى الكفر، وأظهروا الشرك وعبادة الأصنام، ودين النصارى وتعظيم الصليب، حتى بقي المسلمون مقهورين مع المشركين وأهل الكتاب، مع تضاعيف ما كان يفعل من المعاصي، فهل يأمر محمد بهذا؟ ويرضى بهذا؟ فتبين له، وقال: لا والله، وأخبرني عن ردة من ارتد من الشيوخ عن الإسلام؛ لما كانت شياطين المشركين تكرههم على الردة في الباطن؛ وتعذبهم إن لم يرتدوا، فقلت: كان هذا لضعف إيمانهم وتوحيدهم، والمادة التي يشدونها من جهة الرسول، وإلا فالشياطين لا سلطان لهم على قلوب الموحدين، وهذا وأمثاله ما كانوا يعتقدون أنهم شياطين، بل إنهم رجال من رجال الغيب الإنس وكلهم الله بتصريف الأمر، فبينت لهم أن رجال الغيب هم الجن كما قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: 6].
3- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان أيضا بالشام بعض أكابر الشيوخ ببعلبك – اليخ عثمان شيخ دير ناعس – يأتيه خفير الفرنج النصارى (من الصوفية) راكبا أسدا ويخلو به ويناجيه، ويقول: يا شيخ عثمان، وكلت بحفظ خنازيرهم، فيعذره عثمان وأتباعه في ذلك، ويرون أن الله أمره بهذا، كما أمر الخضر أن يفعل ما فعل، كما عذر ابن السركان وأمثاله خفراء المشركين التتار، والجواب لهذا كالجواب لذلك، يقال له: وكلك الله تعالى بهذا؟ الذي أنزل على لسان نبيه الدين أمر أن يوالي المسلمين، وأن لا يتخذ اليهود والنصارى أولياء، بل أمرك أن تبغضهم وتجاهدهم بما استطعت، هو أمرك أن تتوكل بحفظ خنازيرهم؟ فإن قال هذا ظهر كذبه، وإن قال: بل هو أمر القي في قلبي لم يكذب، وقيل له: فهذا من أمر الشيطان لا من أمر الرحمن الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله، ولكنه من الأمر الذي كونه وقدره، كشرك المشركين الذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ومن هؤلاء من يظن الرجال الذين يؤيد بهم الكفار من المشركين وأهل الكتاب هم أولياء الله، ولا يجب عليهم اتباع الرسول كالملائكة الموكلة ببني آدم المعقبات، فقلت لشيخ كان من شيوخهم: محمد أرسل إلى الثقلين الإنس والجن ولم يرسل إلى الملائكة، فكل إنسي أو جني خرج عن الإيمان به فهو عدو لله لا ولي لله بخلاف الملائكة، ثم يقال له: الملائكة لا يعاونون الكفار على المعاصي ولا على قتال المسلمين، وإنما يعاونهم على ذلك الشياطين، ولكن الملائكة قد تكون موكلة بخلقهم ورزقهم وكتابة أعمالهم، فإن ذلك ليس بمعصية فهذا الجواب بالفرق بينهم وبين الملائكة من هذين الوجهين) ((مجموع الفتاوى)) (13/220-221). .
أما مناصرة الطرق الصوفية للاستعمار النصراني الغربي، فكثيرة جدا، منها:
4- عمالة الطريقة التجانية للاستعمار الفرنسي ظاهرة باعتراف شيوخها، بل افتخارهم بذلك، ففي خطاب تلي باسم شيخ الطريقة محمد الكبير في الجزائر سنة 1350هـ سمى فيه أعداء فرنسا من المسلمين: (بالأراذل والأوباش الذين ينكرون الجميل)، وقال عن فرنسا: (حملت عنا ما يثقل كواهلنا من أعباء الملك والسيادة، وحملت الأمن والثروة والرخاء والسعادة)، بل يفتخر بأن جده: (امتنع أن يرى وجها لأكبر عدو لفرنسا)، وهذا العدو كبير المجاهدين في المغرب، ثم عدد أعمال أهل طريقته في سبيل فرنسا وهي:
أ- في سنة 1864م المعاونة على احتلال مدينة بسكرة.
ب- في سنة 1870م تزوج شيخ الطريقة النصرانية الكاثوليكية مدام أوريلي وكان أول مسلم جزائري يتزوج بأجنبية، وتزوجها على يد الكاردينال لا فيجري على حسب الطقوس النصرانية، ثم خلفه أخوه عليها، لذا لقبت عندهم بزوجة السيدين، والتي منحتها فرنسا وسام الشرف، لأنها أدارت الطريقة التانية كما تحب فرنسا.
ج- في سنة 1984م كتب شيخ الطريقة رسائل إلى أتباعه بالسمع والطاعة لفرنسا عند احتلال جيوشها لبلادهم.
د- في سنة 1906-1907م أقام جاسوس الحاكم الفرنسي للجزائر في زواية الطريقة لأداء مهمة سياسية، وكتب له شيخ الطريقة رسائل توصية إلى أتباعه.
ر- في الحرب العالمية الثانية استنكر شيخ الطريقة في رسائل لأتباعه حرب الخلافة العثمانية للمستعمر الفرنسي، ودفاعهم عن بلاد المسلمين.
و- في سنة 1913م ساعد مقدم الطريقة في السنغال على احتلال فرنسا لواحة شنقيط، بناء على طلب شيخه.
ي- في سنة 1916م كتب شيخ الطريقة 113 رسالة لأعيان مراكش لمعاونة فرنسا.
هـ- في سنة 1925م كتب شيخ الطريقة إلى الثوار في المغرب الأقصى بالخضوع لفرنسا ((مشتهى الخارف الجاني في رد زلقات التجاني الجاني)) للعلامة محمد الخضر الشنقيطي (ص: 616 – 621). . وموالاتهم للكفار ومناصرتهم لهم على المسلمين أكثر من أن تحصر، فأساس دينهم الحرب على الإسلام وأهله.
ويقول محمد شقفة: (وقد كان الفرنسيون يشجعون هذه الطرق حتى إنهم أدخلوا معهم الطريقة التجانية) ((التصوف بين الحق والخلق)) (ص: 217). ، أي إلى سوريا.
ويقول: (إن الحكومة الفرنسية في زمن الانتداب على سورية حاولت نشر هذه الطريقة (التجانية) واستأجرت بعض الشيوخ لهذه المهمة، فقدمت لهم المال لتنشئة جيل يميل إلى فرنسا، ولكن مجاهدي المغرب لفتوا انتباه المخلصين من أهل البلاد إلى خطر الطريقة التجانية، وأنها فرنسية تستر بأستار دينية، فهبت دمشق عن بكرة أبيها بتظاهرات صاخبة ووزعت المناشير في بيان ضلال وعمالة المأجورين لها) ((التصوف بين الحق والخلق)) (ص: 217). .
بل إن الاستعمار الغربي النصراني قام بتنشيط الدعوة إلى الطرق الصوفية، فيقول الرئيس الفرنسي موريس دولافوس: (لقد اضطر حكامنا الإداريون وجنودنا في إفريقيا إلى تنشيط دعوة الطرق الدينية الإسلامية لأنها كانت أطوع للسلطة الفرنسية وأكثر تفهماً وانتظاماً من الطرق الوثنية) ((الاستعمار الفرنسي في أفريقيا السوداء)) تقديم القليبي (ص: 53)، لا توجد معلومات للطبعة. .
5- مناصرة النصارى في المغرب لم تقتصر على التجانية بل الكناني الكبير من أشد الموالين لفرنسا، وكان يعادي من يعاديها من أهل بلده، وفي سنة 1952م نشرت جريدة آخر لحظة صورة أوريول (مسؤول فرنسي) وهو يمنح وسام الجيوت دونور في 6 مارس سنة 1952م للكناني في قصر الإليزيه، وهذا الكناني هو شيخ الكنانيين في مراكش.
وكان الغماري الكبير يتعاون مع الفرنسيين ويثبط المسلمين عن الجهاد، وكم لقي المجاهدون من الغماريين ورؤسائهم ((السيد البدوي)) تأليف محمود أبو رية (ص: 195-196). .
6- الطريقة الختمية مرتبطة بالاستعمار البريطاني، وقدم شيخ الطريقة الختمية مع الجيش البريطاني لاحتلال السودان ((الطرق الصوفية)) د. زكريا (ص: 45)، و((السيد البدوي)) محمود أبو رية (ص: 180). ، وكانت بريطانيا تدفع مخصصات شهرية لمحمد الختم الميرغني من شيوخ الطريقة الختمية، وكذلك الميرغني الإدريسي في عسير ((الطرق الصوفية)) د. زكريا بيومي (ص: 109). .
7- الطريقة الغنيمية في مصر التي أسستها بريطانيا من أجل محمد الغنيمي التفتازاني والذي هو من أكبر أعوان بريطانيا، لذا أنعمت عليه وأصبح شيخاً لهذه الطريقة ومدافعاً ومحامياً لمصالح بريطانيا ((السيد البدوي)) محمد أبو رية (ص: 196-197). .
8- تعاون شيخ الطريقة الكبرية مع الفرنسيين أثناء احتلال مصر سنة 1798م، ومع البريطانيين أيضاً، وكما تقدم أقام المولد بأموال نابليون وبحضوره.
9- في سنة 1919م قام بعض شيوخ الطرق الصوفية في مصر – منهم شيخ الطريقة السمانية – بجمع توقيعات تطالب ببقاء الإنجليز ((أصول التصوف)) د. زروق (ص: 88-89)، و((تاريخ الطرق الصوفية)) دي يونج (ص: 9-10، 119)، و((الطرق الصوفية في مصر)) د. زكريا (ص: 31). .
10- قال محمد شقفة: (أصحاب الطرق الصوفية في سورية كانوا لا يحركون ساكناً أمام الاستعمار الفرنسي، بل كانوا يهرجون للفرنسيين بإقامة حفلات الرقص والدجل باسم الدين، وقد كان الفرنسيون يشجعون هذه الطرق حتى إنهم أدخلوا معهم الطريقة التجانية) ((التصوف بين الحق والخلق)) (ص: 217). .
11- ذكرت مجلة البيان تعاون حزبي المعارضة السودانية حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي الديمقراطي، وهما في الأصل من الطرق الصوفية، فالأول يمثل الطريقة المهدية والثاني يمثل الطريقة الختمية، ووضعا أيديهما في يد الصليبي الحاقد: (جون قرنق) والهجوم على دولة السودان، ولا نشك في مدى معرفتهما بخطورة ما يفعلان، وهما اليوم مخلب قط في يد العدو الصليبي، يحاربان إخوانهم في الدين!! ((مجلة البيان)) العدد (111) ذو القعدة 1417هـ افتتاحية المجلة بعنوان (ماذا وراء التحالف المشبوه) (ص: 4). .
12- دعم الطرق الصوفية للأحزاب العلمانية والملحدة، فمثلاً من الطرق التي أنشئت في العصر الحاضر لأجل أغراض سياسية: الطريقة الحامدية الشاذلية، والخليلية فرع البيومية، وكذلك الدوياتية والحسينية الشاذلية كلها في مصر ومؤسسوها أعضاء في الأحزاب الإشتراكية ((الطرق الصوفية)) د. زكريا بيومي (ص: 68-69). ، واعتمد حزب الوفد في مصر – العريق في العلمانية – على بعض الطرق الصوفية لحشد التأييد الشعبي له، فمن هذه الطرق الطريقة البغدادية وشيخها سيد عفيفي البغدادي، والطريقة العفيفية وشيخها عبد العزيز عفيفي، وتولى مشيخة العفيفية بعد وفاة شيخها أحد أعضاء حزب الوفد ((دمعة على التوحيد)) (مجموعة مقالات) سيف السياسة بين نصرة الحق ومظاهرة الباطل، عبد العزيز مصطفى (ص: 207، 209-210). .
13- الطرق الصوفية أصبحت دهليز الكفر بعد افتضاح أمر الرافضة وعدم قبول الناس منهم، بينما يزعم الصوفية أنهم أهل السنة، وأنهم أهل الله، ولذا نفث كل صاحب ضلالة باطله من طريقهم، كما فعله فلاسفة الصوفية كابن عربي الزنديق والتلمساني وغيرهما، وارتبطت الرافضة بالطرق الصوفية، التي حملت كثيرا من بدعها مثل: عبادة القبور، وتحريف نصوص الشريعة، ودعوى الظاهر والباطن، وغير ذلك، وفي هذا العصر ولج الرافضة عن طريق الصوفية بكل وضوح... ووقائع مناصرة الطرقية للكفار  كثيرة، قال محمود أبو رية: (الكلام في أمر رجال الطرق الصوفية ومناصرتهم في كل زمن لأعداء الدين والمسلمين من المستعمرين في أقطار الأرض عامة، وشمال أفريقيا خاصة مما يحتاج إلى مؤلفات) ((السيد البدوي)) محمود أبو رية (ص: 19). .
وقبل الختام لقائل أن يقول: رأيت كثيراً ممن دخل الصوفية وأخذ الطريق امتنع عن بعض المحرمات، ونحن نقول: لا شك في ذلك، وما من شيء يخلو من فائدة حتى الخمر والميسر ولكن لعظم إثمهما حرما، فدرء المفاسد مقدم على جلب المنافع، وما يناله المريد من فساد في العقيدة وانحراف في التصور إن لم يقع في الشرك الأكبر فهو أضعاف مضاعفة على ما يستفيده، وأفضل للشخص ألف مرة أن يظل على معصية أو كبيرة إلى أن يلقى الله بها من أن يلقاه مشركاً؛ يصرف شيئاً من العبادة لغير الله كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة ونحوها ((وقفات مع كتاب الطبقات "طبقات ود ضيف")) (ص: 51-52). الطرق الصوفية نشأتها وعقائدها وآثارها لعبد الله بن دجين السهلي/ ص 151- 173

انظر أيضا: