trial

موسوعة الفرق

المبحث الثاني: إعراضهم عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


الطرق الصوفية تبث روح الكسل والخمول، والتواكل بين المسلمين، وعدم الجد في أمور الدين والدنيا، وعدم الأخذ بأسباب القوة في مواجهة أعداء الإسلام، حتى إنهم لم يعرف عنهم وقوف في وجه الأعداء، روى ابن صاعد عن الشافعي أنه قال: (أسس التصوف على الكسل) ((وقفات مع كتاب الطبقات "طبقات ود ضيف الله")) (ص: 35). ، وسكوت الصوفية عن الكفار وغيرهم وتعاونهم معهم أحياناً له علاقة باعتقادهم في التوكل والرضا، وبوحدة الوجود، واعتقادهم أن الفاعل واحد وهو الله تعالى، وأن أفعال العباد مجاز في حقهم ((أبو حامد الغزالي والتصوف)) تأليف عبد الرحمن دمشقية (ص: 349). .
وآيات الكتاب العزيز والسنة النبوية دلت على أهمية هذين الأصلين في الإسلام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التحريم: 9]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ [الصف: 10-11]، وقال تعالى: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً [التوبة: 36]، وقال تعالى: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ [التوبة: 41]، والآيات الدالة على مكانة الجهاد في الإسلام كثيرة جدا، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ فقال: ((إيمان بالله وجهاد في سبيله)).
كما جاءت نصوص الشريعة دالة على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104]، وقال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [آل عمران: 110]، والنصوص في هذا الباب كثيرة.
والطرقية عطلوا هذين الأصلين في حياتهم، وحاولوا صرف الناس عن الجهاد في سبيل الله، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومما يستدل به الطرقية ما يروونه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة تبوك: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) وهذا لا أصل له، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (11/197). .
وقد تقدمت نماذج من أقوال الطرقية في نهي مريديهم عن الإنكار على شيوخهم، أو أمرهم بمعروف، وهذا سرد لمواقف بعضه أعلامهم الكبار الذين أعرضوا عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
1- عاصر أئمة الصوفية الغزو التتري لبلاد المسلمين، وقد كانت علاقتهم بهم عارا وليس كرامة كما يزعمون، بل إن بعض طرق الصوفية تأثرت بالتتر، فمن شيوخ الطريقة القادرية صالح الأحمدي الذي عاصر التتار وكان يأوي إلى نائب التتار (قطلوشاه) ويقيم عنده، وقد قال لشيخ الإسلام ابن تيمية أمام الحاكم: (أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم) ((مجموع فتاوى)) (11/455)، و((البداية والنهاية)) (14/47-49)، و((الرفاعية)) عبد الرحمن الدمشقية (ص: 110-113). ، وقد بين الإمام الذهبي تأثر الرفاعية وغيرهم بالتتار، فقال: (قد كثر الزغل في أصحاب الشيخ أحمد وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذ التتار العراق) ((العبر)) للذهبي (4/233). ، ولا نجد لأئمة الصوفية سطراً واحداً عن هذا الأمر العظيم، بل سيأتي بيان مناصرة بعضهم لهم.
2- أبو حامد الغزالي عاصر الحروب الصليبية، الذين دخلوا بيت المقدس سنة 492هـ والغزالي توفي سنة 505هـ؛ فبقي ما يقارب 13 سنة صحيحاً معافى، ولم يذكر هذا الحدث الضخم، الذي نكب فيه المسلمون، وارتكب النصارى المجازر البشعة ذهب ضحيتها في بيت المقدس وحدها ما يزيد على سبعين ألف مسلم، وسارت خيول النصارى في دمائهم، وانتهكت أعراض المسلمات، حتى قال أحد الشعراء:


أحل الكفر بالإسلام ضيما




يطول عليه للدين النحيب


وكم من مسجد جعلوه ديراً




على محرابه نصب الصليب


دم الخنزير فيه لهم خلوف




وتحريف المصاحف فيه طيب

والصوفية يرون أن الفاعل هو الله – تعالى عما يقولون – والأغرب دفاع الصوفية المعاصرين عنه ومغالطتهم للحقائق ((أبو حامد الغزالي والتصوف)) تأليف عبد الرحمن دمشقية (ص: 349-356). ، قال زكي مبارك: (بينما كان بطرس الناسك يقضي ليله ونهاره في إعداد الخطب وتحبير الرسائل لحث أقطار أوروبا على امتلاك أقطار المسلمين، كان الغزالي (حجة الإسلام) غارقاً في خلوته، منكبا على أوراده، لا يعرف ما يجب عليه من الدعوة والجهاد) ((الأخلاق عند الغزالي)) تأليف زكي مبارك (ص: 17)، وانظر: ((مظاهر الانحرافات العقدية)) (2/907). ، وقد ناصر بعض الصوفية النصارى على المسلمين، بل كان بعض شيوخهم يحفظ خنازيرهم، كما سيأتي، ثم انقطع العقد فناصر الطرقية أعداء الدين في العصور المتأخرة.
3- في حوادث الاستعمار الغربي كثرت مناصرة النصارى على المسلمين كما سيأتي، فضلا عن أن يأمروهم بما يجب، قال نابليون: لقد كسبت صداقة مشايخ الطرق في مصر لكي آمن من شر الشعب المصري، وهو –أي نابليون- أهدى لكل شيخ طريقة سجادة مازالت الطرق تنتسب إليها إلى اليوم، وقال اللورد كرومر: لقد وضعت المشايخ في يدي، ووضعت مصر في جيبي ((السيد البدوي)) محمود أبو رية (ص: 161). .
ولأعداء الإسلام حيل عجيبة في الاستيلاء على هؤلاء الطرق فمثلاً في مصر أخذ الإنجليز محمد توفيق البكري إلى بريطانيا ليربى وينشأ على مبادئهم ليعود مستكملاً أداة الدعاية الإنجليزية، وكان هو والخديوي عباس تعلما في معهد واحد في بريطانيا، وبعده أخذوا مراد البكري بن عبد الحميد البكري، وطبعوه على غرارهم وزوجوه من بناتهم، ثم أعادوه ليتولى مشيخة الطرق الصوفية بمصر وظل بها إلى سنة 1947م ((السيد البدوي)) محمود أبو رية (ص: 196-197). .
يقول محمد شقفة: (إن المستعمرين لا يخشون انتشار هذا الإسلام المزعوم بل يشجعون ذيوعه، فهو أفيون مخدر رهيب) ((التصوف بين الحق والخلق)) (ص: 217). .
ومذهبهم التكيف مع الزمان، والدوران معه حيث دار، والخضوع للواقع سواء موافقا للإسلام أو مخالفا له، وأن ما يقع في هذا الكون كله أمر الله وإرادة الله، ولذا يقولون دع الخلق للخالق، ليس في الإمكان أبدع مما كان، لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع ((التصوف بين الحق والخلق)) شقفة (ص: 215). .

انظر أيضا: