موسوعة الفرق

المبحث الرابع: منشأ ضلال الأشاعرة في باب الصفات


ومنشأ فتنة الأشاعرة في هذا الباب وضلالهم بما ادعوه من التفويض، ظنهم أن آيات الصفات من المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله، وأنه لا يفهم معناه.
مستندين إلى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: 7]
وقد ترتب على إدخال آيات الصفات في المتشابه عند الأشاعرة، أن يكون بيان معانيها هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، للآية. وهذا منهم مبني على تعين الوقف التام عند قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ
وبهاتين المقدمتين الباطلتين تبلور مذهب التفويض، وهو الذي يسمونه طريقة السلف: فصار عبارة عن مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ، أي لا يفقهون من الكتاب إلا التلاوة المجردة.
ولا يعلم عن أحد من السلف، ولا من الأئمة أنه جعل أسماء الله وصفاته من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفي أن يعلم أحد معناه كالكلام الأعجمي، وكالحروف المقطعة في أوائل السور، بل نصوصهم صريحة في أنهم يقرون النصوص على ما دلت عليه، ويفهمون المراد منها، وينكرون تأويلات الجهمية والمعطلة، ويبطلونها. هذا هو المعروف عن السلف.
 وقد ذكر ابن جرير في تفسيره اختلاف السلف في تحديد الآيات المتشابهات على خمسة أقوال، ليس منها آيات الصفات:
فقال: "وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] ، وما المحكم من آي الكتاب وما المتشابه منه؟
فقال بعضهم: المحكمات من آي القرآن المعمول بهن وهن الناسخات, أو المثبتات الأحكام، والمتشابهات من آيه المتروك العمل بهن المنسوخات...
وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها: ما أشبه بعضه بعضاً في المعاني وإن اختلفت ألفاظه...
وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها: ما احتمل من التأويل أوجهاً...
وقال آخرون: معنى المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته، والمتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور بقصِّه باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وبقصِّه باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني...
وقال آخرون: بل المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء تأويله, وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك فإن ذلك لا يعلمه أحد...
فإذا كان المتشابه هو ما وصفنا فكل ما عداه فمحكم...
- ثم قال مرجحاً القول الأخير: وهذا القول... أشبه بتأويل الآية، وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسول الله فإنما أنزله عليه بياناً له ولأمته وهدى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل..." ((تفسير ابن جرير)) (3/172-175). ا هـ.
وساق أيضاً في تفسيره كثيراً من الآثار عن السلف، ولم يذكر أن أحداً منهم قال: أن من المتشابه أسماء الله وصفاته.
وقال ابن الجوزي في تفسير هذه الآية: "وفي المتشابه سبعة أقوال:
أحدها: أنه المنسوخ، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي في آخرين.
والثاني: أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل، كقيام الساعة، روي عن جابر بن عبدالله.
والثالث: أنه الحروف المقطعة، كقوله أَلَمْ ونحو ذلك، قاله ابن عباس.
والرابع: أنه ما اشتبهت معانيه، قاله مجاهد.
والخامس: أنه ما تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد.
والسادس: أنه ما احتمل من التأويل وجوهاً، وقال ابن الأنباري: المحكم ما لا يحتمل التأويلات، ولا يخفى على مميز، والمتشابه الذي تعتوره تأويلات.
والسابع: أنه القصص والأمثال ذكره القاضي أبو يعلى" ((زاد المسير)) (1/351). ا هـ.
وقد عقد أبو الحسن الأشعري فصلاً في حكاية أقاويل الناس في المحكم والمتشابه، ولم يذكر في أي منها أنها آيات الصفات ((مقالات الإسلاميين)) (1/293).
وعقد قبله الحارث المحاسبي في كتابه (فهم القرآن) فصلاً في المحكم والمتشابه, وذكر أقوال الناس، ولم يذكر منها أنها آيات الصفات ((العقل وفهم القرآن)) للمحاسبي (ص325-331).
وجميع كتب السُّنَّة التي نقلت آثار السلف في المعتقد، كـ (السنة) للخلال ولابن أبي عاصم ولعبدالله، و(الرد على الجهمية) للإمام أحمد, والدارمي, ولابن منده، وغيرها كثير، لم ينقل في أي منها أن أحداً من السلف جعل آيات الصفات من المتشابه.
وعلى هذا فإطلاق القول بأن معاني صفات الله تعالى من المتشابه، باطل، لم يقل به أحد من السلف.
قال ابن قتيبة: "ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه إلا الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأويله على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئاً من القرآن إلا لينفع به عباده ويدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة، وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه؟...
وبعد، فإنا لم نر المفسرين توقفوا عند شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه كله على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور" ((تأويل مشكل القرآن)) (ص98 – 100). ا هـ.
وقال الآلوسي: "ثم اعلم أن كثيراً من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء, واليد, والقدم, والنزول إلى السماء الدنيا, والضحك, والتعجب, وأمثالها من المتشابه، ومذهب السلف والأشعري رحمه الله تعالى من أعيانهم، كما أبانت عن حاله الإبانة – أي: أبان عن قوله في كتاب (الإبانة) -، أنها صفات ثابتة وراء العقل، ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه" ((روح المعاني)) (2/85). ا هـ.
وبعد هذا التقرير والتقعيد كان من المناسب أن نلحق هذا الفصل بما يؤكده ويزيده قوة ووضوحاً، ونبين ما يدل على أن السلف كانوا يجرون نصوص الصفات على ظاهرها المفهوم في لغة العرب، وأنها ثابتة على الوجه اللائق بالله تعالى من غير أن تستلزم التشبيه والتمثيل.الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم- ص 254

  • المطلب الأول: معنى المتشابه، وهل الصفات أو بعضها منه؟.
  • المطلب الثاني: منهج الأشاعرة في النفي في باب الصفات .
  • المطلب الثالث: أن الصفات ليست من المتشابه.
  • المطلب الرابع: أيهما الأصل العقل أم الشرع؟.
  • المطلب الخامس: نقد القاعدة الكلية للرازي.
  • المطلب السادس: فكرة التفريق بين العقائد والأحكام.
  • انظر أيضا: