موسوعة الفرق

المطلب الثامن: الرد عليهم في نفيهم للصفات الاختيارية


ومسألة الصفات الاختيارية، أو الفعلية، هي التي يسميها المعتزلة والأشاعرة مسألة حلول الحوادث انظر: ((درء التعارض)) (2/10). ، وأهم ما يميزها بالنسبة للمذهب الأشعري إجماع متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم عليها، لأنها كانت الأساس الذي قام عليه المذهب الكلابي، ثم الأشعري. وهذا بخلاف الصفات الخبرية، أو العلو، فإن الخلاف فيها قائم بين المتقدمين والمتأخرين.
والصفات الاختيارية هي – كما يقول شيخ الإسلام – "الأمور التي يتصف بها الرب عز وجل، فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته، مثل كلامه، وسمعه, وبصره، وإرادته، ومحبته، ورضاه، ورحمته، وغضبه، وسخطه، ومثل خلقه، وإحسانه، وعدله، ومثل استوائه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة" ((مجموع الفتاوى)) (6/217). ....
مقدمات في بيان الخلاف حول الصفات الإختيارية ومنشئه:
ذكر شيخ الإسلام خلاصة أقوال الطوائف في هذه المسألة فقال: "وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به: فإن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم إلى البدعة وبقايا بعض الاعتزال فيهم.
وشاع النزاع في ذلك بين عامة المنتسبين إلى السنة من أصحاب أحمد وغيرهم. وقد ذكر أبو بكر عبدالعزيز في كتاب (الشافي) عن أصحاب أحمد في معنى أن القرآن غير مخلوق قولين، مبنيين على هذا الأصل:
أحدهما: أنه قديم، لا يتعلق بمشيئته وقدرته.
والثاني: أنه لم يزل متكلماً إذا شاء.
وكذلك ذكر أبو عبدالله بن حامد قولين.
وممن كان يوافق على نفي ما يقوم به من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته – كقول ابن كلاب – أبو الحسن التميمي وأتباعه – والقاضي أبو يعلى وأتباعه، كابن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهم، وإن كان في كلام القاضي ما يوافق هذا تارة، وهذا تارة.
وممن كان يخالفهم في ذلك أبو عبدالله بن حامد، وأبو بكر عبدالعزيز, وأبو عبدالله بن بطه، وأبو عبدالله بن منده، وأبو نصر السجزي، ويحيى ابن عمار السجستاني، وأبو إسماعيل الأنصاري وأمثالهم.
والنزاع في هذا الأصل بين أصحاب مالك، وبين أصحاب الشافعي، وبين أصحاب أبي حنيفة، وبين أهل الظاهر أيضاً: فداود بن علي صاحب المذهب وأئمتهم على إثبات ذلك، وأبو محمد بن حزم على المبالغة في إنكار ذلك.
وكذلك أهل الكلام: فالهشامية والكرامية على إثبات ذلك، والمعتزلة على نفي ذلك...
وكذلك المتفلسفة: فحكوا عن أساطينهم – الذين كانوا قبل أرسطو – أنهم كانوا يثبتون ذلك، وهو قول أبي البركات صاحب "المعتبر"، وغيره من متأخريهم، وأما أرسطو وأتباعه – كالفارابي وابن سينا – فينفون ذلك، وقد ذكر أبو عبدالله الرازي عن بعضهم أن إثبات ذلك يلزم جميع الطوائف وإن أنكروه، وقرر ذلك.
وكلام السلف والأئمة، ومن نقل مذهبهم، في هذا الأصل كثير، يوجد في كتب التفسير والأصول..." انظر: ((درء التعارض)) (2/18- 20)
ومن خلال هذا العرض المفصل لأقوال الطوائف في هذه المسألة يتبين أن الخلاف فيها ليس مع الأشاعرة فقط، كما أن القائلين بها ليسوا أهل السنة فقط، وإنما وافقهم عليها – ولو بشكل مجمل – كثير من أتباع الطوائف المختلفة.
ومنشأ الخلاف في هذه المسألة من جهتين:
الجهة الأولى: المضافات إلى الله وأنواعها، وقد ذكر شيخ الإسلام أن المضافات إلى الله في الكتاب والسنة ثلاثة أقسام:
أحدها: إضافة الصفة إلى الموصوف، مثل علم الله، وقدرة الله سواء كان إضافة إسمية مثل: استخيرك بعلمك، أو بصيغة الفعل مثل: عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة: 187] ، أو الخبر الذي هو جملة إسمية مثل: وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 282]
الثاني: إضافة المخلوقات، مثل: بيت الله، ناقة الله، رسول الله.
الثالث: ما فيه معنى الصفة والفعل، مثل قوله: وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] وقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] وقوله: فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ [البقرة: 90] وغيرها.
فالقسم الأول: لم يختلف أهل السنة والجماعة في أنه قديم وغير مخلوق، وقد خالفهم بعض أهل الكلام في ثبوت الصفات لا في أحكامها.
والقسم الثاني: لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.
أما القسم الثالث – وهو ما فيه معنى الصفة والفعل – فالناس فيه على قولين:
القول الأول: قول المعتزلة، والكلابية، والأشعرية، وغيرهم، أن هذا القسم لابد أن يلحق بأحد القسمين قبله، فيكون: إما قديماً قائماً به أزلياً، وإما مخلوقاً منفصلاً عنه. ثم هؤلاء فريقان:
فريق: يرى امتناع قيام الصفات به، وهؤلاء هم المعتزلة، قالوا: القرآن مخلوق، وليس لله مشيئة ولا حب ولا بغض.
وفريق:- وهم الصفاتية – الذين يرون قيام الصفات به، ويقولون: له مشيئة، وكلام قديم، واختلفوا في حبه وبغضه، وأسفه, ورحمته, وسخطه, ونحو ذلك, هل هو بمعنى المشيئة, أو صفات أخرى غير المشيئة؟ على قولين.
ثم هؤلاء اختلفوا في الاستواء, والنزول, والمجيء, وغير ذلك من أنواع الأفعال التي هي أنواع جنس الحركة على أحد قولين:
أ- إما أن يجعلوها من باب النسب, والإضافات المحضة، بمعنى أن الله خلق العرش بصفة النحت فصار مستوياً عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائياً إليهم... مثل قول الأشعري عن الاستواء إنه فعل فعله في العرش سماه استواء.
ب- أو يقول هذه أفعال محضة في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة.
القول الثاني: وهو قول الكرامية, وكثير من الحنبلية, وأكثر أهل الحديث, ومن اتبعهم من الفقهاء, والصوفية, وجمهور المسلمين, وأكثر كلام السلف يدل على هذا القول، وهو: أن هذه الصفات الفعلية ونحوها، المضافة إلى الله تعالى، قسم ثالث، ليست من المخلوقات المنفصلة عنه، وليست بمنزلة الذات والصفات القديمة الواجبة التي لا تتعلق بها مشيئته لا بأنواعها، ولا بأعيانها.
وقد يقول هؤلاء: إنه يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء، ولم يزل متكلماً بمعنى إنه لم يزل يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء، وكلامه منه ليس مخلوقاً، وكذلك يقولون: وإن كان له مشيئة قديمة فهو يريد إذا شاء، ويغضب ويمقت ويقر هؤلاء – أو أكثرهم – بما جاء من النصوص على ظاهره مثله قوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى [الأعراف: 54] إنه استوى عليه بعد أن لم يكن مستوياً عليه، وإنه يدنو إلى عباده ويقرب منهم، وينزل إلى سماء الدنيا ويجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائياً.
ثم هؤلاء اختلفوا: هل يقال: تحل الحوادث بذاته؟ فمنهم من يطلقه، ومنهم من لا يطلق ذلك, إما لعدم ورود الأثر به، أو لإيهام معنى فاسد... انظر فيما سبق ((مجموع الفتاوى)) (6/144-151).
وببيان هذه المسألة العظيمة، مسألة المضاف إلى الله تعالى يتبين كيف وقع كثير من الطوائف في الانحراف في هذا الباب انظر في مسألة المضافات إلى الله ((الجواب الصحيح)) (1/241-245)، و((درء التعارض)) (7/263-266)، و((شرح الأصفهانية)) (ص: 66-67)) – مخلوف، و((جواب أهل العلم والإيمان – مجموع الفتاوى)) (17/150-152)، و((مجموع الفتاوى)) (9/290-291).
الجهة الثانية: التي نشأ بسببها الخلاف في الصفات الفعلية أو الاختيارية هي: أن الخلق هل هو المخلوق أو غيره؟ وبيان ذلك أنه إذا كان من المتفق عليه بين جميع الطوائف أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض، كما اتفقوا على أن هذه المخلوقات وجدت مخلوقة منفصلة عنه. إلا أنهم اختلفوا في أنه تعالى لما خلقها هل قامت به صفة الخلق، أو أن الخلق هو نفس المخلوق من غير أن تقوم به صفة؟
وارتباط هذه المسألة بحلول الحوادث أو الصفات الاختيارية واضح جداً؛ لأن من المعلوم أن السموات والأرض أو غيرها من المخلوقات ليست مخلوقة منذ الأزل، بل هي حادثة، فحين خلقها الله لابد أن تكون قد تجددت له صفة لم تكن موجودة من قبل، فبخلقه السماء قامت به صفة الخلق لها لأن السماء لم تكن مخلوقة من قبل، ومعنى ذلك حسب تعبير أهل الكلام أن الله حلت به الحوادث التي لم تكن موجودة من قبل.
فالذين يقولون بنفي الصفات الاختيارية ومنع حلول الحوادث أجابوا عن ذلك بأن قالوا إن الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول، ومعنى ذلك أن صفة الخلق أو الفعل لا تقوم بالله تعالى, ويفسرون أفعاله المتعدية مثل قوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام: 1] وأمثاله أن ذلك وجد بقدرته, من غير أن يكون منه فعل قام بذاته، بل حاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة نسبة, وهي أمر عدمي لا وجودي، كما يقولون في كلامه واستوائه. وهذا قول الأشاعرة انظر: ((شرح حديث النزول – مجموع الفتاوى)) (5/378-379، 528-529).
أما جمهور أهل السنة فيفرقون بينها ويقولون: الخلق غير المخلوق, والفعل غير المفعول، فيثبتون صفة الخلق والفعل قائمة بالله، ويقولون بوجود المخلوق والمفعول المنفصل عن الله تعالى، ويقولون بإثبات الصفات الاختيارية التي تقوم بالله, وتتعلق بمشيئته.
وهذا مع أن النصوص المتواترة من الكتاب والسنة قد دلت عليه فقد دل عليه صريح المعقول، "فإنه قد ثبت بالأدلة السمعية والعقلية أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق، محدث، كان بعد أن لم يكن، وأن الله انفرد بالقدم والأزلية، وقد قال تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [السجدة: 4] ، فهو حين خلق السموات ابتداء: إما أن يحصل منه فعل يكون هو خلقاً للسموات والأرض، وأما أن لا يحصل منه فعل، بل وجدت المخلوقات بلا فعل، ومعلوم أنه إذا كان الخالق قبل خلقها، ومع خلقها سواء، وبعده سواء لم يجز تخصيص خلقها بوقت دون وقت بلا سبب يوجب التخصيص.
وأيضا: فحدوث المخلوق بلا سبب حادث ممتنع في بداية العقول، وإذا قيل الإرادة والقدرة خصصت: نسبة الإرادة القديمة إلى جميع الأوقات سواء، وأيضاً فلا تعقل إرادة تخصص أحد المتماثلين إلا بسبب يوجب التخصيص، وأيضاً فلابد عند وجود المراد من سبب يقتضي حدوثه، وإلا فلو كان مجرد ما تقدم من الإرادة والقدرة كافياً للزم وجوده قبل ذلك، لأنه مع الإرادة التامة, والقدرة التامة يجب وجود المقدور" ((مجموع الفتاوى)) (6/230-231).
وقد سبق تقرير هذا عند الكلام عن مسألة دليل حدوث الأجسام, والتسلسل, ومسألة حوادث لا أول لها.
والذين قالوا بأن الخلق هو المخلوق من الأشاعرة وغيرهم – عمدتهم في ذلك: أنه لو كان الخلق غير المخلوق: لكان إما قديماً, وإما حادثاً: فإن كان قديماً لزم قدوم المخلوق، وهو محال، وإن كان حادثاً لزم أن تقوم به الحوادث، ثم ذلك الخلق يفتقر إلى خلق آخر, ويلزم التسلسل وهو باطل.
فأجابهم الجمهور – كل طائفة بحسب أصلها-:
فطائفة قالت: الخلق قديم، وإن كان المخلوق حادثاً، وهذه مسألة التكوين التي قال بها الأحناف والماتريدية، وهؤلاء يقولون القول في الخلق كالقول في الإرادة، فإذا كنتم تسلمون أن الإرادة قديماً أزلية، والمراد حادث، فكذلك نحن نقول في الخلق.
وطائفة قالت: بل الخلق حادث في ذاته، ولا يفتقر إلى خلق آخر، بل يحدث بقدرته، وهؤلاء يقولون: إذا كان المخلوق يحصل بقدرته بعد أن لم يكن، والمخلوق منفصل فالمتصل به أولى. وهذا قول الكرامية والهشامية.
وطائفة قالت: هب أنه يفتقر إلى فعل قبله فلم قلتم إن ذلك ممتنع، وقولكم: هذا تسلسل، يقال: ليس هذا تسلسلاً في الفاعلين, والعلل الفاعلة، وإنما هو تسلسل في الآثار، وهو حصول شيء بعد شيء، والسلف على إثباته، فإنهم يقولون إن الله تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، وقد قال تعالى: قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: 109] فكلمات الله لا نهاية لها، وهذا تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل لأن نعيم الجنة لا نفاد له انظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/231-232)، و((منهاج السنة)) (2/306) – ط العروبة – المحققة. وقد سبق توضيح هذا في مسألة التسلسل، وأهل السنة يقولون: الخلق والتكوين حادث إذا أراد الله خلق شيء وتكوينه، والله تعالى ذكر وجود أفعاله شيئاً بعد شيء، فهو خلق السموات والأرض، ثم استوى على العرش، وكذا رضاه, ومحبته, وكلامه, وغيرها من الصفات المتعلقة بمشيئته وإرادته انظر: ((منهاج السنة)) – ط العروبة – المحققة (2/306-307)، وانظر في موضوع هل الخلق هو المخلوق أو غيره مع بيان الراجح: ((درء التعارض)) (1/238-239، 2/2464، 4/60، 9/579، 10/22)، و((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/380)، و((مجموع الفتاوى)) (6/148-149، 229-230، 16/376-377)، و((شرح حديث النزول – مجموع الفتاوى)) (5/528-536).
فهذه الطوائف الثلاث ردت على ما يقوله الأشاعرة من أن الخلق هو المخلوق، وقول الطائفة الثالثة هو قول أهل السنة الموافق للسمع والعقل.
الفرع الثاني: الأدلة على إثبات الصفات الاختيارية:
وهي أدلة كثيرة جداً من الكتاب, والسنة, وأقوال السلف، تدل على اتصاف الله تعالى بهذه الصفات. وقد أفرد لذلك شيخ الإسلام قرابة مجلد كامل من مجلدات (درء تعارض العقل والنقل) من بداية الجزء الثاني إلى (ص: 342). ، واشتمل ذلك على:
أ- أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى ((درء التعارض)) (2/115) وما بعدها، وانظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/222-224).
ب- وأدلة من الأحاديث الصحيحة ((درء التعارض)) (2/124) وما بعده.
ج- وأدلة من أقوال أئمة السلف وغيرها ((درء التعارض)) (2/20-115).
وهذه الأدلة صريحة في إثبات الصفات الاختيارية القائمة به "كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطي، والإتيان، والمجيء، والنزول، ونحو ذلك، بل والخلق، والإحياء، والإماتة، فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء، وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، فإن الفعل لابد له من فاعل، سواء كان متعديا إلى مفعول، أو لم يكن، والفاعل لابد له من فعل، سواء كان فعله مقتصراً عليه, أو متعدياً إلى غيره، والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله، إذ كان لابد له من الفاعل، وهذا معلوم سمعاً وعقلاً:
أما السمع فإن أهل العربية التي نزل بها القرآن، بل وغيرها من اللغات متفقون على أن الإنسان إذا قال: "قام فلان وقعد" وقال: "أكل فلان الطعام, وشرب الشراب"، فإنه لابد أن يكون في الفعل إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة، إذ كلتا الجملتين فعلية، وكلاهما فيه فعل وفاعل، والثانية امتازت بزيادة المفعول...
فقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الحديد: 4] تضمن فعلين: أولهما متعد إلى المفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى، فإذا كان الثاني – وهو قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى – فعلاً متعلقاً بالفاعل، فقوله خَلَقَ كذلك بلا نزاع بين أهل العربية....
وأما من جهة العقل: فمن جوز أن يقوم بذات الله تعالى فعل لازم له كالمجيء, والاستواء، ونحو ذلك، لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق, كالخلق, والبعث, والإماتة, والإحياء، كما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة، لم يمكنه أن يمنع قيام الصفة المتعلقة بالغير, كالعلم, والقدرة, والسمع, والبصر، ولهذا لم يقل أحد من العقلاء بإثبات أحد الضربين دون الآخر...
وإذا كان كذلك كان حدوث ما يحدثه الله تعالى من المخلوقات تابعاً لما يفعل من أفعاله الاختيارية القائمة بنفسه، وهذه سبب الحدوث، والله تعالى حي قيوم لم يزل موصوفاً بأنه يتكلم بما شاء، فعال لما يشاء، وهذا قد قاله العلماء الأكابر من أهل السنة والحديث، ونقوله عن السلف والأئمة, وهو قول طوائف كثيرة من أهل الكلام والفلسفة المتقدمين والمتأخرين، بل هو قول جمهور المتقدمين من الفلاسفة" ((درء التعارض)) (2/3-5). موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1209

انظر أيضا: