موسوعة الفرق

المسلك الثاني: مسلك التأويل


والمراد به: حمل اللفظ على خلاف ظاهره إلى معنى آخر مراد انظر: ((تحفة المريد)) (ص: 91). , فعلى هذا يجتمع التفويض, والتأويل عند الأشاعرة في صرف الظاهر، ويفترقان في أن التأويل يتم فيه تحديد المعنى المراد، وأما التفويض فلا يتم فيه هذا التحديد, وإنَّما يفوض علمه إلى الله تعالى، فعلى هذا فهو تأويل إجمالي، والأول تفصيلي.
ثم إن الأشاعرة وصفوا طريقة التأويل – وهي طريقة المتأخرين – بأنها أعلم وأحكم" لما فيها من مزيد الإيضاح, والردِّ على الخصوم وهي الأرجح، وأما طريقة السلف وهي التفويض فأسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى" ((تحفة المريد)) (ص: 91).
والموجب لتأويل النصوص عندهم هو أنها تشعر وتوهم إثبات الجهة, أو الجسمية, أو الصورة, أو الجوارح – فلذلك يوردون على أهل السُّنة إيرادين:
الأول: يبينون فيه أن تلك النصوص موهمة للتشبيه؛ فوجب تأويلها.
الثاني: وهو مسلك إلزام وهو كما قال الجويني: "ومما يجب الاعتناء به معارضة الحشوية بآيات يوافقون على تأويلها، حتى إذا سلكوا مسلك التأويل عورضوا بذلك السبيل فيما فيه التنازع" ((الإرشاد)) (ص: 150). ا هـ.
والجواب عن ذلك هو:
إن الإيراد الأول لا حاجة إلى الردِّ عليه هنا، إذ الموجب لهذا التأويل قد تقدمت الإجابة عليه, مع العلم بأنَّ النصوص التي أولوها هي إما نصٌّ, وإما ظاهر راجح – وكلاهما لا يحتمل التأويل باتفاق – ولكنهم يتكلفونه تكلفاً يصيره تحريفاً, لا تأويلاً سائغاً.
وأما الإيراد الثاني: وهو الإلزام والمعارضة، فلم تتقدم إجابة عليه، فلزم ذكره والجواب عنه. وقد ذكروا فيما وقفت عليه:
المثال الأول: قال الجويني: "فمما يعارضون به قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: 4] فإن راموا إجراء ذلك على الظاهر حلوا عقد إصرارهم في جمل الاستواء على العرش على الكون عليه، والتزموا فضائح لا يبوء بها عاقل، وإن حملوا قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: 4] وقوله: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ [المجادلة: 7] على الإحاطة بالخفيات فقد تسوغوا التأويل" ((الإرشاد للجويني)) (150).
يفهم من كلام الجويني – في إلزامه القائلين بظاهر الآية – أنه فهم من المعية ما ينافي الاستواء, ويقتضي المخالطة والحلول. والجواب من أوجه:
الوجه الأول: لا يلزم من إثبات المعية الحقيقية أن يكون الله مختلطاً بخلقه وذلك: أن الله تعالى جمع بين الاستواء والمعية في آية واحدة فقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: 4] فوجب التصديق بخبر الله تعالى، ويوضحه:
الوجه الثاني: إن المعية في اللغة مطلق المصاحبة – فهذا هو القدر المشترك في موارد المعية – فإنها قد  تقتضي النصر والتأييد كما في قول الله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا [التوبة: 40] وقد تقتضي العلم كما في آية الحديد – وآية المجادلة. فالأولى إفادة علو الله على خلقه، وعلمه بعباده, وبصره بعملهم، والثانية أفادت علم الله تعالى بعباده، فإن الله بدأها بالعلم وختمها به فقال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: 7]
فإذا كان ذلك كذلك وعلم أن الاستواء على العرش وعلو الله تعالى على خلقه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والفطرة تعين حمل المعية على المعنى السابق دون مخالطة أو حلول انظر: ((مجموع الفتاوى)) (5/102). و((القواعد المثلى)) (ص: 53-56). وقد أجمع أهل السنة والجماعة على هذا الأمر.
فإذا تبين هذا علم أن قول الجويني: "والتزموا فضائح لا يبوء بها عاقل" غير لازم. ثم إن قوله: "إن حملوا قوله – "وذكر الآيتين" على الإحاطة بالخفيات فقد تسوغوا التأويل" فجوابه من وجهين:
الأول: لا نسلم أن تفسيرنا للمعية بالمعنى السابق تأويل لها، بل إن المعنى المذكور هو ظاهر الآية انظر: ((مجموع الفتاوى)) (5/103). كما تقدم مستوفى.
الثاني: لو سلمنا أن هذا الذي ذهبنا إليه تأويل فهو تأويل صحيح مستفاد من الكتاب والسنة، لا بأوهام وتصورات باطلة لظاهر كلام الله – فإذا سلمنا ذلك التأويل فإنه لا يلزمنا أن نسوغ التأويل لكل نص، إذ نصوص الصفات هي إما نص في الموضوع, أو ظاهر ظهوراً راجحاً انظر: ((التدمرية)) (ص: 69-78).
الثالث: لو ساغ تأويل نصوص الصفات التي أثبتها أهل السنة مما لا يثبته الأشاعرة، لساغ تأويل نصوص الصفات المتفق عليها، فلما لم يلزم هذا كان الأولى ألا يلزم ذلك – خاصة وأن المقتضي للتأويل عند الأشاعرة ما توهموه من الجسمية وغيرها، وقد تقدمت الإجابة عنه.
وقد ذكر الغزالي أن الإمام أحمد منع التأويل إلا في ثلاثة ألفاظ فقال: "سمعت بعض أصحابه يقول: إنه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض)) قال الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (6/326), والألباني في ((السلسلة)) (223): منكر, وروي عن ابن عباس موقوفاً عليه، والوقف أشبه و إن كان في سنده ضعيف جداً، فإن إبراهيم هذا - وهو الخوزي - متروك كما قال أحمد و النسائي، لكن روي الحديث بسند آخر ضعيف عن ابن عمرو رواه ابن خزيمة ( 2737 ), والطبراني في " الأوسط " ( 1 / 33 / 2 )، وقال: تفرد به عبد الله بن المؤمل, ولذا ضعفه البيهقي في ((الأسماء)) (ص: 333 ). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن)) رواه أحمد (2/541) (10991), والطبراني في ((الأوسط)) (5/57), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وصححه الألباني في ((السلسلة)) (3367), والوادعي في ((الصحيح من دلائل النبوة)) (543). " ا هـ.
فالجواب الإجمالي من وجهين:
الوجه الأول: إن الغزالي: قال "سمعت بعض أصحابه" ولم يسمه – فهو مجهول حالاً وعيناً لإبهامه – وخبر المجهول غير مقبول – ثم إنا لا نعلم من أصحاب أحمد من عاش إلى زمان الغزالي، فإذا كان مراد الغزالي أنه من أصحاب أصحاب أحمد، أو أنه من طبقة بعد تلك، فالقدح يكون متوجهاً من جهة جهالة الراوي، ومن جهة الانقطاع بين حاكي القول والإمام أحمد رحمه الله.
الوجه الثاني: لو سلمنا أن الذي ذكر ما ذكر ثقة فإنه معارض بأقوال جميع من روي عن الإمام أحمد عقيدته – ولذلك علق شيخ الإسلام على هذه الحكاية بقوله: "هذه الحكاية كذب على أحمد" ((مجموع الفتاوى)) (5/398).
أما الجواب التفصيلي فهو بالكلام عن الأحاديث التي أوردها:
الحديث الأول: ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض)), فإن هذا الحديث قد روي مرفوعاً وموقوفاً، فإنه قد روي عن أنس وجابر رضي الله عنهما مرفوعاً بأسانيد لا تصح قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "روي عن النبي صلى الله عليه وسلم – بإسناد لا يثبت" ((مجموع الفتاوى)) (6/397). وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرة مرفوعاً ومرة موقوفاً ولم يصح مرفوعاً. وأما الموقوف فإنه لا يخلو من ضعف. ولذلك فإنه لا يصلح إيراده للاعتراض.
ولو سلم أن هذا الأثر صحيح وأن له حكم الرفع – فيقال في الجواب: إن الحديث لا يدل على أن الحجر صفة من صفات الله تعالى حتى يقال إن من لم يقل بذلك كان مؤولاً, وبيان ذلك من وجهين:
الأول: إن أول الحديث قال فيه: ((يمين الله في الأرض)), فقيد اليمين بقوله: ((في الأرض)), واللفظ المقيد غير المطلق – انظر: ((درء التعارض)) (3/384). و((مجموع الفتاوى)) (6/397). و((التدمرية)) كذلك (ص: 71). ومجرد الإضافة لا تقتضي أن المضاف يكون صفة – فقد تقدم أن الأشياء المضافة على ثلاثة أنواع: ومنها إضافة الأعيان المنفصلة القائمة بذاتها إلى الله تعالى كبيت الله, وناقة الله – فهي مخلوقة – والحجر الأسود كذلك عين منفصلة قائمة بذاتها، فهو مخلوق. وما كان كذلك لا يقال فيه إن ظاهره التشبيه, وإنه لابد من تأويله.
الثاني: إن الحديث ورد في آخره: ((فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله, وقبل يمينه)) فشبه مصافحة الحجر الأسود بمصافحة الله – ومعلوم قطعاً أن المشبه غير المشبه به.
فقد تبين من الوجهين أن الحديث لا يوهم تمثيلاً حتى يقال إنه يحتاج إلى تأويل، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله لا يجوز أن ينسب إليه أنه يتكلم بكلام يحتمل التمثيل ولا يبيِّن للأمة ما يتقون انظر: ((تأويل مختلف الحديث)) لابن قتيبة (ص: 201). و((درء تعارض العقل والنقل)) (3/384). و((التدمرية)) (ص: 2) و((القواعد المثلى)) (ص: 50).
وأما الحديث الثاني:
فهو: ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن)) رواه مسلم (2654) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. , وأكد الرازي قول الغزالي بأنه يحتاج إلى تأويل فقط مؤكداً ومعللاً: "وهذا لابد فيه من التأويل، لأنا نعلم بالضرورة أنه ليس في صدورنا أصبعان بينهما قلوبنا" ((أساس التقديس)) للرازي (ص: 82). ا هـ.
والجواب:
لاشك أن هذا الحديث صحيح, فهو مخرج في صحيح مسلم وقد قال أهل السنة بما دلَّ عليه هذا الحديث من إثبات الأصابع للرحمن انظر: ((السنة لعبدالله)) بن أحمد (1/264)، و((التوحيد)) لابن خزيمة (1/178). , وأما ما توهمه الرازي من أنَّ اللفظ يوهم حلول الأصابع في الصدر فخطأ بين:
وذلك أن لفظه "بَيْنَ" لا تقتضي الحلول والمماسة – فإن الله تعالى يقول: وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ [البقرة: 164] ومعلوم أن السحاب ليس مماساً لهما انظر: ((القواعد المثلى)) (ص: 51).
فظهر من هذا خطأ الرازي والغزالي وغيرهما في توهمهما أن كل شيء كان بين شيئين يكون مماساً لهما.
وأما الحديث الثالث وهو:
((إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن))
هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وإسناده صحيح رواه أحمد (2/541) (10991), والطبراني في ((الأوسط)) (5/57), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وصححه الألباني في ((السلسلة)) (3367), والوادعي في ((الصحيح من دلائل النبوة)) (543). ((والنفس)) الفرج من الكرب انظر: ((لسان العرب)) (6/236). مادة (نفس). وهو اسم مصدر من نَفَّس, يُنَفِّس, كفرج, يفرج, تفريجاً, وفرجاً، فكأنه قال: أجد تنفيس ربكم من قبل اليمن, وبهذا يتضح هذا المعنى, ويندفع قول من رأى أن ظاهر هذا النص يوهم التمثيل. ويزيده وضوحاً تخصيصه صلى الله عليه وسلم هذا النفس باليمن – ومعلوم قطعاً أنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى انظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/398). وللناس قولان في المراد باليمن: فالأول: قيل: إنهم الأنصار: فقد قال ابن قتيبة: "معنى هذا أنه قال: كنت في شدة وكرب وغم من أهل مكة، ففرج الله عني بالأنصار، يعني أنه يجد الفرج من الأنصار – وهم من اليمن – فالريح من فرج الله وروحه, كما كان الأنصار من فرج الله تعالى" ((تأويل مختلف الحديث)) (ص: 198). ا هـ.
والقول الثاني: وهو الأصح أنهم أهل اليمن المعروفون، لأن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: 54] ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل عنهم فقال ((هم قومك يا أبا موسى)) رواه الحاكم (2/342), وقال: صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه, ووافقه الذهبي. , أو: ((هم قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري)) رواه الطبراني (1016), وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (6/387), قال الخطيب البغدادي ((تاريخ بغداد)) (2/38):-فيه- محمد بن إسماعيل الصايغ, قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: صدوق. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/19): رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (3386): عياض مختلف في صحبته, وروي موصولاً نحوه بإسناد صحيح, وله شواهد. , – وفي رواية قال: ((هم أهل اليمن)) رواه ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (5/12), من حديث جابر بن عبد الله, وحسن إسناده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/19), وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (7/1104): إسناده جيد. , – وهذا القول قول مجاهد ومحمد بن كعب القرظي واختاره ابن جرير الطبري فقال: "وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما روي به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل اليمن قوم أبي موسى الأشعري... فجاء (الله) بهم على عهد عمر، فكان موقعهم من الإسلام وأهله أحسن موقع، وكانوا أعوان أهل الإسلام, وأنفع لهم ممن كان ارتد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من طغام الأعراب, وجفاة أهل البوادي الذي كانوا على الإسلام كلًّا لا نفعاً" ((جامع البيان)) (4/6/285-286). ا هـ وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً انظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/398).
وبهذا الإيضاح يعلم أن النص واضح في المعنى المراد به، وليس مما يحتاج فيه إلى تأويل بدعوى معارضته العقول.
وحكى الرازي قولاً آخر للإمام أحمد مستدلاً به على تسويغه التأويل فقال: "حكي أن المعتزلة تمسكوا في خلق القرآن بما روي عنه عليه السلام: أنه يأتي سورة البقرة وآل عمران كذا وكذا يوم القيامة كأنها غمامتان، فأجاب أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: وقال: يعني ثواب قارئهما، وهذا تصريح بالتأويل" ((أساس التقديس)) (ص: 81) الوجه الرابع.
والجواب:
إن الحديث لاشك في صحته ولفظه هكذا: ((يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان, أو كأنهما غيايتان, أو كأنهما ظلتان سوداوان, أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما)) رواه مسلم (805).
وما ذكره عن الإمام أحمد بن حنبل من معنى الحديث فصحيح – انظر: ((رده على الزنادقة والجهمية)) (ص: 42). إلا أن هذا الحديث واضح المعنى ولا يوهم باطلاً حتى يقال إنه يحتاج إلى تأويل!!. ويوضحه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((تحاجان عن صاحبهما)), ولا شك فصاحب القرآن هو العامل به – وهذا أمر واضح ويدل له أول الحديث ((وأهله الذين كانوا يعملون به)) ولذلك فإن الذي يأتي يوم القيامة هو عمله ثواباً له.
وقال الترمذي: "ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أنه يجيء ثواب قراءته، كذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، وما يشبه هذا من الأحاديث أنه يجيء ثواب قراءة القرآن، وفي حديث النواس (بن سمعان) عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ما فسروا، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وأهله الذين يعملون به في الدنيا)) ففي هذا دلالة أنه يجيء ثواب العمل" ((جامع الترمذي)) (5/160-161)، و((تحفة الأحوذي)) (8/155). ا هـ وقد يكون أحسن منه قول من قال: يجيء العمل نفسه في صورة لا ثواب العمل: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، "فلما أمر بقراءتهما، وذكر مجيئهما يحاجَّان عن القارئ: علم أنه أراد بذلك قراءة القارئ لهما، وهو عمله، وأخبر بمجيء عمله الذي هو التلاوة لهما في الصورة التي ذكرها، كما أخبر بمجيء غير ذلك من الأعمال" ا هـ.
ثم إن قولهم: إن طريقة السلف أسلم, وطريقة الخلف أعلم وأحكم, فقول متناقض, يتضح بثلاثة أوجه من الردِّ:
الوجه الأول: تعليلهم لطريقة السلف في كونها أسلم بأنهم أولوا تأويلاً إجمالياً باعتقادهم أن ظاهرها غير مراد إلا أنهم أمسكوا عن تحديد المراد بالكفِّ عن التأويل!، فكلام خطأ على السلف فهم قد اعتقدوا ظاهرها الشرعي كما تقدم النقل عنهم. وفي قولهم: إن السلف كفُّوا عن التأويل يفيد أن المتكلمين خرقوا هذا الإجماع، وهذا هو الذي دفع الجويني آخراً إلى الإقرار والرجوع إلى طريقة السلف, وهي الكفُّ عن التأويل, كيف والسلف فيهم الصحابة الذين ورثوا العلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم!.
الوجه الثاني: قولهم: إن طريقة السلف أسلم يستلزم أن تكون أعلم وأحكم، فالسلامة لا تكون إلا بالعلم والحكمة، فلو انتفيا لم تكن سلامة. فمن أراد السلامة لزمه أن يعلم أسبابها, وأن يسلك تلك الأسباب بحكمه انظر: ((فتح رب البرية بتلخيص الحموية)) لابن عثيمين (ص: 58) ضمن رسائل في العقيدة له.
الوجه الثالث: وقولهم إن طريقة الخلف أعلم وأحكم لما فيها من مزيد الإيضاح فكلام خطأ أيضاً إذ لم يعهد في طريقة المتكلمين إلا الشك, والحيرة, والاضطراب, والتناقض، وما فيها من صواب فقد دلَّ عليه الشرع بأيسر سبيل وأوضحه. مع أن هذه العبارة فيها قدح في طريقة السلف بأنها لم تكن واضحة تماماً, حتى جاء هؤلاء المتكلمون فأوضحوا الطريق. فهل يوجد قدح أبلغ من هذا؟!
والقول الحق: إن طريقة السلف هي الأسلم والأعلم والأحكم انظر: ((فتح رب البرية)) لابن عثيمين (ص: 58-60). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف -  2/601
 ابتدع المتأخرون معنى للتأويل لم يكن معروفا عند السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وقالوا: هو صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، ثم فسروا التأويل الوارد في آية آل عمران: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: 7] ، بهذا المصطلح الذي أحدثوه، ومن ثم أضفوا الشرعية على تأويلاتهم لنصوص الصفات أو بعضها.
وقد أولى شيخ الإسلام هذه المسألة اهتماماً كبيراً، وعرض لها في مناسبات عديدة من كتبه، وانطلق في ذلك من بيان معاني التأويل الواردة في الكتاب, والسنة, وأقوال السلف، حيث أوضح من خلال التتبع الدقيق لموارد لفظة "التأويل" في الكتاب, والسنة, وأقوال الصحابة، وأئمة السلف انظر مثلا: ((تفسير سورة الإخلاص – مجموع الفتاوى –)) (17/364-372)، و((نقض التأسيس – مخطوط –)) (2/241-247). ، وانتهى من ذلك إلى أن التأويل ورد عندهم بمعنيين:
أحدهما: أنه بمعنى المرجع والمصير، والحقيقة التي تؤول إليها الشيء.
والثاني: أنه بمعنى التفسير انظر: ((شرح حديث النزول – مجموع الفتاوى –)) (5/347-350)، و((الفتوى الحموية – مجموع الفتاوى)) (5/35-36)، و((مجموع الفتاوى)) (4/68-69) و((الدرء)) (1/14-15)، و((الإكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى)) (13/288-289)، و((نقض التأسيس)) – مخطوط (3/ 2-4).
أما المعنى الثالث الذي اصطلح عليه المتأخرون وهو صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فليس معروفاً عندهم، يقول شيخ الإسلام بعد ذكر المعاني السابقة: "والمقصود هنا أن السلف كان أكثرهم يقف عند قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ بناء على أن التأويل هو الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، لا يعلمها إلا هو، وطائفة كمجاهد وابن قتيبة انظر: ((تأويل مشكل القرآن)) (ص: 98-101). وغيرهما قالوا: بل الراسخون يعلمون التأويل، ومرادهم بالتأويل المعنى الثاني وهو التفسير، فليس بين القولين تناقض في المعنى.
وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه لهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف، اللهم إلا أنه إذا علم أن المتكلم أراد المعنى الذي يقال إنه خلاف الظاهر جعلوه من التأويل الذي هو التفسير، لكونه تفسير للكلام, وبياناً لمراد المتكلم به، أو جعلوه من النوع الآخر الذي هو الحقيقة الثابتة في نفس الأمر, التي استأثر الله بعلمها لكونه مندرجاً في ذلك, لا لكونه مخالفاً للظاهر.
وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه، فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل، كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم بخلاف مراده..." ((الصفدية))(1/291).
وقد أراد شيخ الإسلام من هذا الكلام. تقرير عدة أمور:
1- أنه لا يجوز حمل النصوص على مصطلح حادث، بل لابد من الرجوع أولاً إلى الاستعمالات الواردة لهذا اللفظ وقت النزول. ولفظ التأويل لم يرد في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة إلا بهذين المعنيين، فحمل لفظ التأويل – في آية آل عمران – على غيرهما باطل.
2- أن القراءتين الواردتين في الآية صحيحتان انظر: ((المكتفي في الوقف والابتداء)) لأبي عمرو الداني (ص: 194-197)، و((منار الهدى في بيان الوقف والابتداء)) للأشموني (ص: 70). ، ولا تعارض بينهما، وكل قراءة محمولة على معنى من معاني التأويل الوارد. ففي قراءة الوقف على لفظ الجلالة – وهي قراءة الجمهور – يكون معنى التأويل حقيقة الشيء في قراءة الوصل يكون معناه التفسير.
3- أن التأويل هو بيان مراد المتكلم، وليس هو بيان ما يحتمله اللفظ في اللغة انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/172). ، ولذلك فقد يوجد في كلام السلف تفسير الآية على خلاف ظاهرها – مما قد يقال بأنه صرف للفظ عن ظاهره – ولكن هذا من باب بيان مراد المتكلم وتفسير كلامه، بضم النظائر إلى بعضها، وتفسير بعض النصوص بنصوص أخرى، توضح المراد منها، وتزيل ما قد يشتبه منها على بعض الناس. وشيخ الإسلام كثيراً ما يركز على "أن الرسول بلغ البلاغ المبين، وبين مراده، وأن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه إنه يحتاج إلى التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فلابد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر، لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل، ويسكت عن بيان المراد بالحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم, ويدلهم عليه لإمكان معرفة ذلك بعقولهم، وأن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين, الذي هدى الله به العباد, وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وفرق الله به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الرشاد والغي، وبين أولياء الله وأعدائه، وبين ما يستحقه الرب من الأسماء والصفات, وما ينزه عنه من ذلك... فمن زعم أنه تكلم بما لا يدل إلا على الباطل، لا على الحق ولم يبيِّن مراده، وإنه أراد بذلك اللفظ المعنى الذي ليس بباطل، وأحال الناس في معرفة المراد على ما يعلم من غير جهته بآرائهم فقد قدح بالرسول" انظر: ((درء التعارض)) (1/22-23)، وانظر تفصيلا مهما لهذه المسألة في ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/162-177)، ويلاحظ أن هذا الجزء بدأه بالرد على ما زعمه الرازي من أن جميع الفرق مقرون بأنه لابد من التأويل، ثم ذكر تسعة أمثلة من القرآن, وعشرة من السنة، فعقب شيخ الإسلام – بعد مناقشة كل واحد منها – بقوله عن الرازي: "قلت قد ذكر تسعة عشر حرفاً على عدد خزنة جهنم وليس فيها ما يوجب التأويل.." (3/162).
وأهل الكلام الباطل ينظرون إلى النص بحد ذاته، ويعلمون فيه آراءهم, واجتهاداتهم, ومسلماتهم العقلية، دون أن ينظروا إلى مراد المتكلم وقصده من هذا الكلام، ودون أن يرجعوا إلى النصوص الأخرى التي قد تكون نصًّا في بيان المراد.
ولذلك فإنهم حين يلحظون من كلامهم غلوًّا في صرف الألفاظ والنصوص عن معانيها، أو يوجه إليهم استشكال وتساؤل عن أسباب هذا التأويل – الذي هو في الحقيقة تحريف وتعطيل – يلجأون إلى جواب غير مقنع – وإخاله غير مقنع لهم أنفسهم, لكنهم اضطروا إليه – وهو قولهم أن فائدة إنزال النصوص المثبتة للصفات اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها بالأدلة المعارضة لها، لتنال النفوس الثواب، وتنهض إلى التفكر والاستدلال بالأدلة العقلية، الموصلة إلى الحقِّ على حد زعمهم انظر: ((درء التعارض)) (5/365). وعليه فالهدى, والنور, والبيان الذي جاء به الكتاب والسنة لا يتم إلا بتحريف نصوصهما بما يوافق معقولات الفلاسفة, والجهمية, وأهل البدع والكلام والباطل!، وقد ضرب شيخ الإسلام بمثال، أطال في شرحه انظر: ((درء التعارض)) (5/366-368).
والخلاصة أن الأقوال في التأويل، وفي تفسير آية آل عمران على كلا القراءتين، ليس في ذلك كله ما يبرر مذهب النفاة الذين حرفوا كثيراً من النصوص باسم "التأويل" من الدراسات الجديدة في هذا الموضوع، ما كتبه الدكتور محمد السيد الجليند بعنوان: ((الإمام ابن تيمية وقضية التأويل))، انظر: (ص: 29 وما بعدها)، وهي دراسة قائمة على فهم صحيح لمنهج شيخ الإسلام. والمشكلة أنَّ كثيراً من الدارسين في أقسام الفلسفة قد يتعرضون في كتبهم وبحوثهم لآراء شيخ الإسلام, ولكن بدون فهم لحقيقة مذهبه ومنهجه، ولذلك تأتي أقوالهم تحمل كثيراً من الأخطاء العلمية والمنهجية بحق مذهب السلف وبحق المدافعين عنه.
الأمر الثاني: القرائن المتصلة بالخطاب التي تدل على أن النص ليس على ظاهره, هل يعتبر تأويلاً؟ وما الشيء الذي يؤول, والذي لا يؤول؟
هذه المسألة من المسائل التي كثير الخوض فيها دون ضابط أو منهج صحيح، ولذلك ضلَّ فيها طائفتان:
طائفة: ظنَّت أنه إذا كان بعض نصوص الصفات ليس على ظاهره، مثل حديث: عبدي مرضت، ونحوه، فهو دليل على جواز التأويل لكل نصٍّ وارد في الصفات, دلَّ ظاهره على التشبيه أو خالف المعقول مثلاً، ولو كان ثبتوه ودلالته قطعيين – وهذا قول طوائف أهل الكلام – مع تفاوتهم في ذلك -.
وطائفة: عكست الأمر فظنت إنه إذا كان لا يجوز التأويل في نصوص الصفات، فكذلك النصوص الأخرى يجب حملها على ظاهرها، ولو دلت القرائن على أن هذا الظاهر الفاسد منتفٍ، وهؤلاء كثيراً ما يخلطون بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة.
وكل من الطائفتين لم يوفق إلى الحق والصواب، بل وقع في البدعة, وخالف النصوص الدالة على إثبات الصفات لله من غير تمثيل, ولا تعطيل. وسبب ذلك أنهم لم يفرقوا في النصوص بين ما هو من الصفات وما ليس منها، وإنما خلطوا الأمر إما إثباتاً أو نفياً وتعطيلاً.
وقد اهتم شيخ الإسلام بهذا الأمر، وميز تمييزاً واضحاً بين النصوص الدالة على الصفات، والنصوص التي ليست منها، إما لعدم ثبوتها، أو لأن القرائن دلت على أنها ليست من الصفات.
بل قد قال شيخ الإسلام جازماً: "وأمَّا الذي أقوله الآن وأكتبه – وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس – أنَّ جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها. وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مئة تفسير، فلم أجد – إلى ساعتي هذه – عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات, أو أحاديث الصفات, بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف" ((مجموع الفتاوى)) (6/394).
فالشأن أن تكون من آيات الصفات أو أحاديث الصفات، أما النصوص الأخرى التي قد تدل على الصفة، لكن ليست نصًّا فيها، فخلاف علماء أهل السنة فيها لا يجعل قول من لم يثبت بها صفة دليلاً على تأويل الصفات، لأن النصَّ نفسه ليس صريحاً في ذلك.
وقد أورد شيخ الإسلام عدداً من الأمثلة على ذلك، وقبل إيراد نماذج منها يحسن ذكر ما قال في مقدمة أحدها، فقد أورد – رحمه الله – مسألة قربه تعالى من عباده، والخلاف في ذلك، ثم قال: "وإذا كان قرب عباده من نفسه، وقربه منهم، ليس ممتنعاً عند الجماهير من السلف, وأتباعهم من أهل الحديث، والفقهاء، والصوفية، وأهل الكلام، لم يجب أن يتأول كل نص فيه ذكر قربه من جهة امتناع القرب عليه، ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النصِّ الوارد، فإن دلَّ على هذا حمل عليه، وإن دلَّ على هذا حمل عليه، كما تقدم في لفظ الإتيان والمجيء: إن كان في موضع قد دلَّ عندهم على أنه هو يأتي، ففي موضع آخر دلَّ على أنه يأتي بعذابه، كما في قوله تعالى: فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِد [النحل: 26] وقوله تعالى: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: 2]
فتدبر هذا؛ فإنه كثيراً ما يغلط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة، ودلالة نصٍّ عليها: يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ – حيث ورد – دالًّا على الصفة وظاهراً فيها. ثم يقول النَّافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا. وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك، بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة، جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى – إضافة صفة – من آيات الصفات، كقوله تعالى: فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ [الزمر: 56]
وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط؛ فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحفُّ به من القرائن اللفظية والحالية، وهذا موجود في أمر المخلوقين، يراد بألفاظ الصفات منهم في مواضع كثيرة غير الصفات"، ثم ذكر مثالين نافعين لذلك.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1144
أمثلة من القرآن ذكروا فيها التأويل:
 1- قال تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ [البقرة: 115] ، يقول شيخ الإسلام عن صفة الوجه: "لما كان إثبات هذه الصفة مذهب أهل الحديث، والمتكلمة الصفاتية: من الكلابية، والأشعرية، والكرامية، وكان نفيها مذهب الجهمية: من المعتزلة وغيرهم، ومذهب بعض الصفاتية من الأشعرية وغيرهم، صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع، فالمثبت يجعلها من الصفات التي لا تتأول بالصرف، والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها، مثال ذلك قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ [البقرة: 115] أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة، حتى عدها أولئك – كابن خزيمة – مما يقرر إثبات الصفة انظر: ((التوحيد)) (1/25) – المحققة. ، وجعل (النفاة) تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع" ((مجموع الفتاوى)) (6/15).
ثم ذكر قصته في المناظرة التي عقدت له فقال: "ولهذا لما اجتمعنا في المجلس المعقود – وكنت قد قلت: أمهلت كل من خالفني ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئاً مما ذكرته كانت له الحجَّة، وفعلت وفعلت، وجعل المعارضون يفتشون الكتب, فظفروا بما ذكره البيهقي في كتاب (الأسماء والصفات) في قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ [البقرة: 115] ، فإنه ذكر عن مجاهد والشافعي أن المراد: قبلة الله انظر: 00الأسماء والصفات للبيهقي)) (ص: 309). – فقال أحد كبرائهم – في المجلس الثاني – وقد أحضرت نقلاً عن السلف بالتأويل، فوقع في قلبي ما أعدَّ، فقلت: لعلك قد ذكرت ما روي في قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ[البقرة: 115] قال: نعم، قلت: المراد بها قبلة الله، فقال: قد تأولها مجاهد والشافعي وهما من السلف. ولم يكن هذا السؤال يرد عليّ، فإنه لم يكن شيء مما ناظروني فيه صفة الوجه، ولا أثبتها، لكن طلبوها من حيث الجملة، وكلامي كان مقيدا ًكما في الأجوبة، فلم أر إحقاقهم في هذا المقام، بل قلت: هذه الآية ليست من آيات الصفات أصلاً، ولا تندرج في عموم قول من يقول: لا تؤول آيات الصفات. قال: أليس فيها ذكر الوجه؟ فلما قلت: المراد بها قبلة الله، قال: أليست هذه من آيات الصفات؟ قلت: لا، ليست من موارد النزاع، فإني إنما أسلم أن المراد بالوجه – هنا – القبلة، فإن الوجه هو الجهة في لغة العرب، يقال: قصدت هذا الوجه، وسافرت إلى هذا الوجه، أي: إلى هذه الجهة..." – وبعد أن زاد هذا شرحاً، قال: في كلام مهم جدًّا: "ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله، أي قبلة الله، ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه... ويقول: إن الآية دلت على المعنيين، فهذا شيء آخر ليس هذا موضعه. والغرض أنه إذا قيل: فثمَّ قبلة الله، لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه الذي ينكره منكروا تأويل آيات الصفات، ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه، والآية تدل عليه، وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر، ويبقى دلالة (قوله) فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ على فثمَّ قبلة الله، هل هو من باب تسمية القبلة وجهاً باعتبار أن الوجه والجهة واحد؟ أو باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله؟ فهذا فيه بحوث أخرى، ليس هذا موضعها" ((مجموع الفتاوى)) (6/15-17)، و((قارن بالمناظرة حول الواسطية –مجموع الفتاوى –)) (3/193).
وفي نقض التأسيس أشار إلى ما ذكره هنا، مع زيادة في الشرح والتوضيح، وقال في أثناء ذلك: "فهذا القول ليس عندنا من باب التأويل الذي هو مخالفة الظاهر أصلاً، وليس المقصود نصر هذا القول، بل بيان توجيهه وأن قائليه من السلف لم يكونوا من نفاة الصفة، ولا من يقول: ظاهر الآية ممتنع..." ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/79). ، ثم ذكر ثلاث احتمالات في هذه الآية:
أحدها: أنها دالة على الصفة، وحينئذ تقر على ظاهرها، ولا محذور فيه، ومن يقول بهذا لا يقول إن وجه الله هو نفسه في الأجسام المستقبلة ولا يقول هذا أحد من أهل السنة، و"ثم" إشارة إلى البعيد.
والثاني: أن ظاهرها أن الذي ثمَّ هو القبلة المخلوقة فقط، وفي هذه لا تكون الآية مصروفة عن ظاهرها، وتوجيه ذلك أن "ثم" إشارة إلى مكان موجود، والله تعالى فوق العالم ليس هو في جوف الأمكنة.
والثالث: أن يقال ظاهرها يحتمل الأمرين، وحينئذ فقول مجاهد لا ينافي ذلك انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/79-82).
ولكن ما الذي يرجحه شيخ الإسلام – مع قوله إن قول مجاهد " فثم قبلة الله" ليس تأويلاً ولا حجة فيه للنفاة -؟، سبق قبل قليل نقل قوله في (مجموع الفتاوى): "ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله أي: قبلة الله، ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة..."، وزاده في نقض التأسيس بياناً فقال في أحد وجوه الرد على الرازي: "الوجه الثالث: أن يقال: بل هذه الآية دلت على الصفة كغيرها، وذلك هو ظاهر الخطاب, وليست مصروفة عن ظاهرها، وإن كانت مع ذلك دالة على استقبال قبلة مخلوقة، ونجزم بذلك فلا نسلم أنها مصروفة عن ظاهرها، ولفظ "الوجه" هو صفة الله، فما الدليل على وجوب تأويلها، وقوله فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ فيه الإشارة إلى وجه الله بأنه ثمَّ، والله تعالى يشار إليه كما تقدم تقرير هذا" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/86).
ويجب أن لا يغيب عن البال – في خضم هذه المناقشات – أن الخلاف ليس في إثبات صفة "الوجه" لله تعالى، لأن هذه الصفة ثابتة بنصوص أخرى صريحة قطعية، لا مجال فيها لأي احتمال – وقد أثبتها متقدموا أئمة الأشاعرة – ولكن الكلام هنا يدور حول أحد النصوص الواردة وهو قوله تعالى: فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ هل هو دال على صفة أم لا؟.
والخلاصة أن دلالة مثل هذه الآية محتملة، وهي لا تخالف النصوص الأخرى المثبتة لصفة الوجه، وليس فيما قاله مجاهد – تفسيراً لها – حجة للنفاة على جواز التأويل، وسواء دلت على الصفة أو لم تدل فليس للنفاة فيها حجة أصلاً.
2- ومن الأمثلة أيضاً قوله تعالى: أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ [الزمر: 56] ، يقول شيخ الإسلام في معرض ردِّه على الرازي – الذي يذكر بعض النصوص التي تحتاج إلى تأويل، ويحتج بها على جواز التأويل -: "يقال: من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد صفة لله، ومن المعلوم أن هذا لا يثبته جميع مثبتة الصفات الخبرية، بل كثير منهم ينفون ذلك، بل ينفون قول أحد منهم بذلك انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/11). "، ثم نقل كلام الدارمي في نقضه على المريسي – ورده عليه في احتجاجه بهذه الآية – وأنه قال: "وادعى المعارض زوراً على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله تعالى: أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ [الزمر: 56] قال: يعنون بذلك الجنب (الذي) هو العضو، وليس على ما يتوهمونه، قال: فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك، فإن كنت صادقاً في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بالتفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك؟، إنما تفسيرها عندهم: تحسر الكافرين على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله، واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم الساخرين، فهذا تفسير الجنب عندهم، فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب، فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين, فضلاً عن علمائهم..." ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/11-12)، و((النص في الرد على المريسي)) للدارمي (ص: 539-540) ضمن ((عقائد السلف)). ، ثم عقب شيخ الإسلام بتوجيه آخر يدل على أنها ليست صفة، ونقل كلام ابن بطة, والقاضي أبي يعلى انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/12-14).
وقد عقب شيخ الإسلام على ما مضى – رادًّا على الرازي الذي زعم أن ظاهر القرآن يلزم منه أن لله جنباً واحداً عليه أيد كثيرة... انظر: ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/8-11). -، فقال: "وأين في ظاهر القرآن أنه ليس لله جنب واحد بمعنى الشق، ولكن قد يقال: القرآن فيه إثبات جنب الله تعالى، وفيه إثبات التفريط فيه، فثبوت نوع من التوسع والتجوز فيما جعل فيه لا يوجب ثبوت التوسع والتجوز فيه كما في قوله تعالى: بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: 1]، فإن هناك شيئين: اليد وكون الملك فيها، ولهذا تنازعوا في إثبات ذلك صفة لله" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/11).
وما أشار إليه شيخ الإسلام من صفة "اليد" أوضحه في مكان آخر فقال رادًّا على نفاة هذه الصفة: "ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك، فيهما شيئان: أحدهما: إثبات اليد، والثاني: إضافة الملك والعمل إليها. والثاني يقع فيه التجوز كثيراً، أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له "يد" حقيقة، ولا يقولون: يد الهوى، ولا يد الماء، فهب أن قوله: بيده الملك، قد علم منه أن المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة" ((الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز)) – مجموع الفتاوى – (6/370).
ولعله اتضح معنى قوله في نص – نقض التأسيس – عن قوله بِيَدِهِ الْمُلْكُ: "ولهذا تنازعوا في إثبات ذلك صفة لله" أن المقصود بذلك أن من قال إن المراد بذلك بقدرته قد لا يحتج بهذه الآية على إثبات هذه الصفة لله، ولكن ها هنا أمران:
أحدهما: أن إثبات صفة اليدين قد دلت عليه أدلة قطعية، لا مجال فيها لأي تأويل.
الثاني: أن قوله بِيَدِهِ الْمُلْكُ وإن قيل إن معناه بقدرته، إلا أن الآية تدل على إثبات اليد لله، لأنه لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة.
والخلاصة أن آية علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ من قال إن المقصود هو التحسر على التفريط في الإيمان والأعمال الصالحة، فليس قوله هذا تأويلاً لصفة من الصفات، حتى يكون حجة لنفاة الصفات. وكذلك من اثبت بهذه الآية الصفة، فإنه أثبت صفة الجنب لله، وأثبت التفريط فيه، مثل قوله: بِيَدِهِ الْمُلْكُ، وقال: إنه لا يتجوز بذلك إلا لمن له جنب. والله أعلم.
3- ومن الأمثلة قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ [القلم: 42] فإنه الصحابة والتابعين قد تنازعوا في هذه الآية، هل المقصود بها الكشف عن الشدة، أو المراد أن الربَّ تعالى يكشف عن ساقه، "ولم تتنازع الصحابة والتابعون فيما ذكر من آيات الصفات إلا في هذه الآية، بخلاف قوله لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: 27] ونحو ذلك، فإنه لم يتنازع فيه الصحابة والتابعون، وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله تعالى لأنه قال: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ولم يقل عن ساق الله، ولا قال يكشف الربُّ عن ساقه، وإنما ذكر ساقاً نكرة غير معرفة ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله، والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن، وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في الصحيحين بهذا اللفظ رواه البخاري, ولم يروه مسلم. الذي قال فيه: ((يكشف ربنا عن ساقه)) رواه البخاري (4919),. ، وقد يقال أن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود، والسجود لا يصلح إلا لله، فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه، وأيضاً فحمل ذلك على الشدة لا يصح، لأن المستعمل في الشدة أن يقال: كشف الله الشدة، أي أزالها، كما قال فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ [الزخرف: 50] وقال: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ [الأعراف: 135] وقال: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [المؤمنون: 75] ، وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أنه يقال: كشف الشدة: أي أزالها، فلفظ الآية يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وهذا يراد به الإظهار والإبانة" ((نقض التأسيس)) – مخطوط – (3/15-16).
وشيخ الإسلام يرجح دلالة الآية على الصفة، خاصة مع دلالة الحديث الواضحة، ومع ذلك فمن قال من السلف إن المراد بها الكشف عن الشدة، فليس قولهم تأويلاً، ثم إنهم يثبتون هذه الصفة بالحديث الصحيح، فلو كان قصدهم التأويل – لذات التأويل – كما يدعي النفاة، لكان تأويلهم للحديث أولى، لكن لما أنهم لم يفرقوا بين دلالة الكتاب والسنة الصحيحة على إثبات الصفات، أثبتوا هذه الصفة بالسنة, مع ترجيحهم أن الآية لها معنى آخر. فالنتيجة واحدة. موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1150

انظر أيضا: