موسوعة الفرق

المطلب الحادي عشر: التفصيل في النفي مع الإجمال في الإثبات


فالصفات الثبوتية الوجودية سبع صفات وهي: المعاني، وأما بقية الصفات الثبوتية الأخرى فهي: إما صفات اعتبارية, أو سلبية, أو لا توصف بالوجود ولا بالسلب – على حد اصطلاحهم – فالأولى هي الوجود، والثانية أي السلبية خمس، وقد علمت، والثالثة هي المعنوية – وقد تنازعوا في إثباتها كما تقدم -. كما تنازعوا في إثبات صفتي الإدراك والتكوين، فهم بالجملة قد اتفقوا على سبع صفات وجودية وهي المعاني.
فيبقى بعد ذلك ما يسمونه بالمستحيل في حقِّ الله تعالى – ولولا أن المقصود هنا إثبات أن هذا الباب مبني على السلوب لما سقت كلامهم فإنهم قد قالوا: "مما يستحيل في حقه تعالى... وهي: العدم, والحدوث, طروء العدم, والمماثلة للحوادث, بأن يكون جرماً – أي تأخذ ذاته العلية قدراً من الفراغ – أو يكون عرضاً يقوم بالجرم, أو يكون في جهة للجرم "أي يستحيل على الله تعالى أن يكون في جهة للجرم, بأن يكون فوق العرش مثلاً, أو تحته, أو يمينه, أو شماله, أو أمامه, أو خلفه) أو له هو جهة (... أي في نفسه بأن يكون له يمين, أو شمال, أو فوق, أو تحت, أو قدام, أو خلف) أو يتقيد بمكان, أو زمان, أو تتصف ذاته العلية بالحوادث, أو يتصف بالصغر, أو الكبر, أو يتصف بالأغراض في الأفعال أو الأحكام – وكذا يستحيل عليه تعالى أن لا يكون قائماً بنفسه, بأن يكون صفة يقوم بمحل, أو يحتاج إلى مخصص -  وكذا يستحيل عليه تعالى أن لا يكون واحداً, بأن يكون مركباً في ذاته, أو يكون له مماثل في ذاته, أو في صفاته, أو يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال، وكذا يستحيل عليه تعالى العجز عن ممكن ما, وإيجاد شيء في العالم مع كراهيته لوجوده, أي عدم إرادته له تعالى, أو مع الذهول, أو الغفلة, أو بالتعليل, أو بالطبع، وكذا يستحيل عليه تعالى الجهل, وما في معناه "كالشك, والظن, والوهم, والذهول, والغفلة, والنسيان..." والموت, والصمم, والعمى, والبكم "وما في معناه بأن يكون كلامه بحروف وأصوات". ((أم البراهين)) مع شرحها من (ص: 22 إلى 32)، وما بين القوسين الكبيرين مأخوذ من الشرح. " ا هـ وذكروا أموراً أخرى, وما نقلته كافٍ لإثبات هذه الدعوى.
نقد طريقتهم في التنزيه:
1- التفصيل في النفي عليه ملاحظة من جهتين:
الأولى/ هذه الطريقة غير الطريقة المذكورة في القرآن والسنة.
الثانية/ إن مطلق النفي قد لا يتضمن مدحاً. وقد تقدم الكلام على هذه والتي قبلها.
2- في طريقتهم للتنزيه أتوا بعبارات موهمة مجملة, يلزم من نفيها نفي الباطل والحقِّ معاً، وقد تبين ذلك بعد مناقشتهم فيما أتوا به منها في الفرع الأول السابق.
3- إن طريقة التنزيه عند الأشاعرة مأخوذة من مسألة مخالفة الحوادث، بل عدوا في الصفات السلبية صفة المخالفة للحوادث، وهي مبنية على أن إثبات بعض الصفات يستلزم الجسمية، وهذه الطريقة غير مستقيمة لوجوه انظر هذه الوجوه في ((التدمرية)) من (ص: 132 إلى 134). :-
الوجه الأول: إنهم ينفون بهذه الطريقة صفات الكمال الثابتة بالسمع, والعقل – كعلو الله تعالى على خلقه – وهذا وحده كافٍ لإبطال هذه الطريقة المبتدعة, وغريب جدًّا أن يؤصلوا على هذه الأصل الذي لا يدل عليه نص كتاب ولا سنة, مع زعمهم أنَّ الخير في اتباع من سلف, كما قال اللقاني في منظومته جوهرة التوحيد:


فكل خير في أتباع من سلف





 وكل شر في ابتداع من خلف

الوجه الثاني: إن هذه الطريقة تحكم على صاحبها بالتناقض، فهو يثبت سبع صفات ويدعي أنها لا تماثل صفات الخلق، وينفي ما عداها بدعوى مماثلة الخلق، مع أنه يلزمه أن يسلك هذه الطريقة في جميع الصفات التي أثبتها والتي نفاها.
الوجه الثالث: إن هذه الطريقة التي سلكها الأشاعرة في التنزيه – وقد كانوا أخذوها عن المعتزلة الذين ينفون بها الأسماء والصفات كلها – سلكوها كذلك في رد النقائص كالحزن, والبكاء, في ردِّهم على اليهود، فصاروا على هذا الأصل هم ومثبتة النقائص خصماء للمعتزلة, فيردُّ المعتزلة على الطائفتين بهذه الطريقة نفسها.
الوجه الرابع: إن هذه الطريقة قد تستخدم في نفي ما علم فساده بالضرورة من دين الإسلام وبصريح العقل كالبكاء والحزن، فاستخدام هذه الطريقة – طريقة التجسيم والتحيز – استخدام لا يخلو من اعتراض واشتباه وخفاء، فكيف يستخدم دليل خفي على ما هو جلي واضح؟!منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - 2/555

انظر أيضا: