موسوعة الفرق

المبحث التاسع: حقيقة العلاقة بين الرفاعية والتــتار عـــار لا كرامـــة


لقد عمل الصيادي على إعطاء الرفاعية في عهد دخول التتار إلى بغداد صورة مشرفة ودوراً بارزاً من غير إثبات تاريخي يدعم هذا الادعاء، إلا أن الوثائق التاريخية تشهد بخلاف ذلك.
فقد بين الذهبي وغيره أن فساد الرفاعية تزامن مع دخول التتار إلى العراق بعد أن سقطت بأيديهم فقال: «قد كثر الزغل في أصحاب الشيخ أحمد وتجدد لهم أحوال شيطانية منذ أخذ التتار العراق». ((العبر)) (4/233). ط: دار الكتب العلمية.
وفي فوات الوفيات أن الرفاعية: «فسدت حالهم منذ مجيء التتار، وأنهم بدءوا يفعلون ما الشيخ بريء منه حين دخل التتار العراق. ((فوات الوفيات)) (4 / 240) .
إن هذين النصين ليؤكدان بوضوح على أن ابتداء هذه الخوارق إنما كان متزامنا مع دخول التتار العراق، حيث كان الرفاعية يتوددون إليهم بها ليدرؤوا شرهم أو لينالوا عندهم الحظوة والمكرمة والمكافأة على الخوارق التي كانوا يفعلونها أمامهم.
فقد روى المؤرخون عنهم أنهم كانوا يترددون على التتار، ويأوون عندهم ويقبلون منهم الهدايا والأعطيات.
فذكر ابن كثير مثلا أن الشيخ صالح الأحمدي - وهو من أكابر مشايخ الرفاعية في وقته - كان يأوي إلى نائب التتار " قطلو شاه " ويقيم عنده وكان هذا الأخير يكرمه جداً. وهو الذي كان قد قال لابن تيمية أمام الأمير: «أحوالنا لا تتفق إلا عند التتار، وأما عند الشرع فلا» ((البداية والنهاية)) (14 / 47 و 36).
وقد اعترف الوتري والصيادي بمنزلة الشيخ صالح عند التتار وأنه كان يقيم عندهم ويكرمونه خلال إقامته عندهم. ((قلادة الجواهر)) (ص 204)، ((روضة الناظرين)) (ص 141)، وانظر ((الدرر الكامنة)) للحافظ ابن حجر (2/201).
إن خوارق الرفاعية قد أكسبتهم الحظوة والرضا عند التتار ومنعت عنهم القتل والتنكيل الذي أصاب كثيرا من المسلمين آنذاك، ولم تكن هذه الخوارق تحديا للتتار. إذ لو كان الأمر كذلك لشملهم القتل والتنكيل.
ولو كانت أحوالهم كرامات من عند الله فأين كانت هذه الكرامات عند دخول التتار عنوة إلى بغداد يوم قتل فيه أكثر من مليوني مسلم؟ أين كان التصرف في الأكوان، أين الأمان الذي تحقق بهم، ولماذا لم يرفعوا البلاء الذي نجد في كتب الرفاعية أن مشايخهم كانوا يرفعونه بالقضيب والعصا؟
- هل أسلم زعماء التتار على يد الرفاعية ؟
ولقد أراد الصيادي أن يمحو هذه الصفحة المشينة من حسن العلاقات بين الرفاعية وبين التتار وعمل على استبدالها بصفحة أخرى مناقضة لها تماما.
فادعى أن للرفاعية الفضل في دخول التتار إلى الإسلام وتخليص الأمة الإسلامية من شرهم وفتنتهم حيث استولوا على بلاد المسلمين لفترة طويلة من الزمن، وقتلوا منهم مئات الآلاف واستذلوهم.
وذكر أن اثنين من كبار زعماء التتار دخلا الإسلام على أيدي الرفاعية هما: «هولاكو» و«غازان خان».
أما هولاكو فذكر الصيادي أنه أسلم فزعاً من الشيخ عز الدين أحمد بن محيي الفاروثي بعدما رأى بعينه دخول النار وأكل الحيات. وادعى أن ابن كثير ذكر ذلك في تاريخه وبالتحديد في حوادث سنة أربع وتسعين وستمائة ((خزانة الإمداد في ذخيرة بني الصياد)) 221) – 222)، ((روضة الناظرين)) (ص 63). مع أن ابن كثير لم يذكر عن عز الدين هذا إلا أنه كان خطيبا فعزله السلطان عن الخطابة فألح عليه ألا يعزله وأخبره أنه يصلي كل ليلة مائة ألف ركعة ويقرأ في كل ركعة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص : 1]
قال ابن كثير: «وهذه دناءة وقلة عقل وعدم إخلاص من الفاروثي».
وذكر أنه خرج مرة في جمع من الناس ليستسقي لهم فلم يسقوا، واستسقى لهم ثانية فلم يسقوا، ثم سقوا بعد ذلك من غير دعائه. ((انظر البداية والنهاية)) ( 13 / 329 – 330) .
ثم إن الصيادي نقض ما قاله عن عز الدين الفاروثي، فزعم في موضع آخر أن إسلام هولاكو ورجوعه عن الكفر والزندقة كان على يد الشيخين « بندي ويعقوب» اللذين دخلا النار أمامه وشربا النحاس المذاب والسم. ((قلادة الجواهر)) (218 – 219).
والقولان على تناقضهما يردهما المؤرخون الذين أكدوا موت هولاكو كافرا مصابا بالصرع. وأنه مات على ملة الكفر.
قال الذهبي: «ومات طاغية المغول» هولاكو بن تولى بن جنكيز خان الذي أباد الأمم ببغداد وحلب.. مات على دينه بعلة الصرع. ((كتاب دول الإسلام)) (2/169) ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر، ((فوات الوفيات)) (4/ 240).
وقال ابن كثير: «وجاءت الأخبار بأن هولاكو هلك إلى لعنة الله وغضبه بمرض الصرع.. وكان ملكا جبارا فاجرا لعنه الله». ((البداية والنهاية)) 13) / 245 و 248).
أما «غازان خان» فقد زعم الصيادي أنه أسلم على يد عثمان سيف الدين بن عز الدين الرفاعي. ((خزانة الإمداد)) (ص 212)، ((روضة الناظرين)) (ص 100). وهذا غير صحيح أيضاً، فإن إسلامه كان بناء على إشارة من نائبه «نورور» كما صرح الذهبي بذلك حيث قال: «ونثر الذهب واللؤلؤ، ولقنوه شيئاً من القرآن، وفشا الإسلام في التتار». ((دول الإسلام)) (2/196).
وبالتالي فإننا ننتهي إلى أنه لم يسطر التاريخ للرفاعية أي فضل في دخول التتار إلى الإسلام وإنما على العكس من ذلك فإنه يشهد بفساد أحوالهم وكثرة الزغل بينهم منذ دخل التتار العراق.
إن هذا الذي ذكره الصيادي لم تشهد به كتب التاريخ بل ولا طبقات التصوف المتقدمة ولم يكن معروفا حتى جاء هو وطرح دعواه التي لا دليل عليها، وإنما يمكن الشهادة بضدها استنادا إلى كتب التاريخ والطبقات التي بينت أنهم كانوا يتولونهم ويتقربون إليهم.
وهذا ما عرف عن الرفاعية حتى المتأخرين منهم، فقد روي عن أحد كبار مشايخهم في عصرنا الحاضر واسمه الشيخ وهيب البارودي الرفاعي الطرابلسي (ت 1362هـ)، أنه عمل أستاذا في معهد الفرير وهو معهد نصراني أسهم في تضييع كثير من أبناء المسلمين في لبنان وعمد إلى تربيتهم تربية نصرانية تبعدهم عن دينهم. وترغبهم بالديانة النصرانية. وتتلمذ على يديه المطران عبد وجورج صراف وسابا زريق وغيرهم من كهان النصارى وكان لهم معه أطيب العلاقات، وكان هو بدوره يقيم معهم علاقات ودية وصداقات مع رجال الدين المسيحي إلى درجة أنه كان يرسل أبناءه لحضور احتفالات المسيحيين في الكنائس. ((الطرق الصوفية ومشايخها في لبنان)) (119 – 120) محمد درنيقة ط: دار الإنشاء بطرابلس.
ولا يزالون إلى اليوم تحت نظر وتأييد المتسلطين على بلاد المسلمين في مصر وغيرها، وفي لبنان يسرحون ويمرحون تحت عناية النظم المتسلطة عليه والتي يعاني منها المسلمون الويلات والدمار والقتل والسجن.الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص108- 111

انظر أيضا: