trial

موسوعة الفرق

المبحث الثاني: أسباب نشأة الطرق الصوفية


لا تختلف الصوفية في أسباب نشأتها عن الفرق الأخرى، وترجع نشأتها لعوامل كثيرة ومتنوعة، ويختلف الباحثون في تقسيمها أو تعدادها انظر: ((دراسات في الأهواء والفرق والبدع)) د. ناصر العقل (ص: 291)، و((دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي)) حسام الدين الألوسي (ص: 80)، و((الماتريدية دراسة وتقويما)) لأحمد الحربي (ص: 22),. .
ومعلوم افتراق الطرق الصوفية عن أهل السنة والجماعة وابتداعهم، وضابط الافتراق هو: (الخروج عن السنة والجماعة في أصل أو أكثر من أصول الدين الاعتقادية منها أو العملية، أو المتعلقة بالمصالح العظمى للأمة، ومنه الخروج على أئمة المسلمين وجماعتهم بالسيف) ((دراسات في الأهواء والفرق والبدع)) (ص: 23). .
وكانت مفارقة الطرقية لأئمة المسلمين وجماعتهم في الخروج عن السنة في أصول الدين الاعتقادية منها والعملية، (والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة) ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (35/414). ، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية.
فمن أسباب نشأة الفرق عموما والطرق الصوفية منها: كثرة البدع وانتشارها، والجدال والمراء والخصومة في الدين، ومجالسة أهل الأهواء والبدع ومخالطتهم، والجهل، ويشمل الجهل بمذهب السلف، والجهل باللغة العربية، والجهل بمقاصد الشريعة انظر: ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (12/87)، و((درء التعارض)) (8/313-314). .
وهناك أسباب أخرى من أهمها:
1- أخذ الدين من غير الكتاب والسنة وآثار السلف:
لا يكتفي أهل الأهواء والبدع بالكتاب والسنة وما جاء عن السلف، بل رجعوا إلى مصادر أخرى يعولون عليها في تلقي العقائد والعبادات والأحكام والآراء، والصوفية اعتمدوا بعض المصادر التي كانت من أعظم أسباب ضلالهم، وأهمها:
أ- التلقي عن أهل الكتاب وغيرهم:
من أسباب البدع والأهواء والفرق – عموماً – الأخذ عن أهل الكتاب وأصحاب الملل الأخرى، سواء بقراءة كتبهم، أو الأخذ مباشرةً عنهم، خاصة ما يخالف شرعنا، وهذ الخلل المنهجي ظاهر عند الصوفية، حتى إنه لا يمكن حصر ما نقله أبو طالب المكي – صاحب القوت – عن أهل الكتاب، والإحياء للغزالي تبع له انظر: ((السالمية)) (1/162-163). ، وغالبه يخالف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، كما نقلوا عن غير أهل الكتاب من الديانات الوثنية وغيرها.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من ذلك، في ما أخرجه الإمام أحمد وغيره، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة، فقال: ((يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة، فسكت، فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير، فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسول الله، رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتي لاتبعني)).
وعن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: (كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؛ وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرؤونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب).
ب- اعتماد الرؤى والأحلام والمنامات:
من مصادر أهل الأهواء - بوجه عام والصوفية خصوصاً – الرؤى والأحلام والحكايات التي لا أصل لها، ومن اهتمامهم بها أنهم عقدوا لها أبواباً في مصنفاتهم وساقوا تحتها جملة منها مثل: القشيري في ((الرسالة في علم التصوف)) قال: (رؤيا القوم) (ص: 364-377). .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان مصادر التلقي أنها: (الكتاب والسنة، والإجماع، وبإزائه لقوم آخرين المنامات والإسرائيليات والحكايات) ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (19/5). .
وقال الشاطبي: (وأضعف هؤلاء احتجاجا، قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها، فيقولون: رأينا فلاناً – الرجل الصالح -، فقال لنا: اتركوا كذا واعملوا كذا.
ويتفق مثل هذا للمتمرسين برسم الصوفية، وربما قال بعضهم: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال: كذا، وأمرني بكذا، فيعمل بها ويترك بها معرضا عن الحدود الموضوعة في الشريعة، وهو خطأ) ((الاعتصام)) للشاطبي (1/260). .
ج- الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة:
السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر الدين، ولذا حرص علماء الأمة وساداتها على خدمتها، كما حرص أهل الأهواء والبدع على الرجوع إليها والاستناد إليها، ولجهل بعض الطوائف وعدم تمييزهم بين الضعيف والصحيح، استدلوا بأحاديث موضوعة وضعيفة ظناً منهم أنها صحيحة أو مقبولة، ومن هذه الطوائف: الصوفية. وقد ذكر أبو طالب المكي كثيراً من الأحاديث الموضوعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أبو طالب أكثر اعتصاماً بالكتاب والسنة من هؤلاء، ولكن يذكر أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة من جنس أحاديث المسبعات التي رواها عن الخضر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذب محض،.. وذكروا صلوات الأيام والليالي وكلها كذب موضوعة) ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (10/403-404)، وانظر: ((تلبيس إبليس)) (ص: 169). .
2- خوارق ظنوها آيات وهي من أحوال الشياطين:
وهذا مما ضل به كثير من ضلال الناس، مثل دخول الشياطين في الأصنام وتكليمها الناس، ومثل إخبار الشياطين للكهان بأمور غائبة، ومثل تصرفات تقع من الشياطين انظر: ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (2/315). ، كما في كثير من الحكايات التي يذكرها الصوفية مثل رؤية الخضر، وبعض المرائي.
وأخبار منقولة ظنوها صدقاً وهي كذب، وإلا فليس مع النصارى ولا من وافقهم من الصوفية وغيرهم دليل على باطلهم، لا معقول صريح ولا منقول صحيح، وإذا تكلموا بمنقول فإما أن يكون صحيحاً لكن لا يدل على باطلهم، أو يكون غير صحيح، بل مكذوب انظر: ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) (2/315-316). .
3- حب الشهرة والجاه، واتباع الهوى:
قال الغزالي: (لما اتحد المذهب وعجز طلاب الرياسة عن الاستتباع وضعوا أموراً وخيلوا وجوب المخالفة فيها والتعصب لها، كالعلم الأسود، والعلم الأحمر، فقال قوم: الحق هو الأسود، وقال آخرون: لا بل الأحمر، وانتظم مقصود الرؤساء في استتباع العوام بذلك القدر من المخالفة، وظن العوام أن ذلك مهم، وعرف الرؤساء الواضعين غرضهم في الوضع) ((ميزان العمل)) للغزالي (ص: 135). .
4- الطمع المادي في الثراء والعيش الرغيد:
فمشايخ الطرق تصرف لهم رواتب من عدة دول متعاقبة، منذ أيام الدولة العثمانية، وتبقى هذه المخصصات للورثة بعد وفاة شيخ الطريقة، فمثلاً سدنة قبر البدوي بمصر يحصلون من الأموال على أكثر مما يناله كبار الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات، فليس للحكومة من صندوق النذور سوى 39% والباقي للسدنة، ولا يكفي طمعهم وشرهم بل يعمدون للتلاعب والتزوير فيه لأجل مزيد من الأموال انظر: ((الله توحيد وليس وحده)) تأليف محمد البلتاجي (ص: 308، 302)، ((دمعة على التوحيد))، مقال ((انحرافات القبوريين)) د. عبد العزيز آل عبد اللطيف (ص: 157). ، وما يصل إلى ضريح الجيلاني في السنة من أموال الزائرين يفوق ما كانت تنفقه الدولة العثمانية على الحرمين الشريفين في السنة الواحدة أضعافاً مضاعفة انظر: ((الطرق الصوفية)) د. زكريا بيومي (ص: 129). ، ولهذا ذكر الجبرتي وغيره أن سدنة الأضرحة من أغنى الناس انظر: ((الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث والرابع عشر)) د. علي الزهراني (ص: 309). ، حتى إن بعض مشايخ الطرق يتنافسون في خدمة ضريح لأجل ما يحصلون عليه من أموال ضخمة في بلاد فقيرة انظر: ((الطرق الصوفية)) د. زكريا (ص: 99-108، 127)، و((تاريخ الطرق الصوفية في مصر)) (15-83، 17-84). .
5- تسلط الصوفية في بعض البلاد الإسلامية على الجامعات والمراكز العلمية:
فمثلاً في مصر في زمن الدولة العثمانية لم يكن يعين شيخ الأزهر إلا بموافقة شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر، وهذا أدى إلى انخراط بعض مشايخ الأزهر في الطرق الصوفية انظر: ((الطرق الصوفية)) د. زكريا بيومي (ص: 83-84)، و((تاريخ الطرق الصوفية في مصر)) (ص: 20). ، ولذا كان فيما بعد أداة لنشر الصوفية.
6- دعم بعض الدول والاستعمار لهم:
فمثلاً: الدولة العثمانية ساندت الطريقة الختمية، ثم الاستعمار البريطاني، وكذلك التجانية ساندها وأغدق عليها الأعطيات الاستعمار الفرنسي، وكانت بريطانيا تدفع مخصصات شهرية لمحمد الختم الميرغني من شيوخ الطريقة الختمية، وكذلك الميرغني الإدريسي في عسير انظر: ((الطرق الصوفية)) د. زكريا بيومي (ص: 109). ، ومن الطرق التي أنشئت في العصر الحاضر لأجل أغراض سياسية الطريقة الحامدية الشاذلية، والخليلية فرع البيومية، وكذلك الدوياتية والحسينية الشاذلية ومؤسسوها أعضاء في الأحزاب الاشتراكية انظر: ((الطرق الصوفية)) د. زكريا بيومي (ص: 68-69). ، واعتمد حزب الوفد في مصر – العريق في العلمانية – على بعض الطرق الصوفية لحشد التأييد الشعبي له، فمن هذه الطرق الطريقة البغدادية وشيخها سيد عفيفي البغدادي، والطريقة العفيفية وشيخها عبد العزيز عفيفي، وتولى مشيخة العفيفية بعد وفاة شيخها أحد أعضاء حزب الوفد، وفي مصر كلف أستاذ جامعي في منصب شيخ مشايخ الطرق الصوفية، والذي اعتبر تكريماً زائداً لهم انظر: ((سيف السياسة بين نصرة الحق ومظاهرة الباطل)) عبد العزيز مصطفى (ص: 207، 209-210) ضمن ((دمعة على التوحيد)). .
7- المجد الشخصي لشيخ الطريقة:
من ذلك ادعاء الكرامات والمبالغة فيها انظر: ((التصوف في الإسلام)) د. عمر فروح (ص: 86-93) ط/ دار الكتاب العربي بيروت. ، وادعاء النسب الشريف فكل شيوخ الطرق الصوفية لهم نسب قرشي هاشمي حتى لو كان من غير العرب، وبناء القبة بعد موته، فيرى الصوفية أن من حق الشيخ على أتباعه بناء القبة، ودفنهم في مساجد المسلمين انظر: ((طبقات الشعراني)) (2/125-148)، و((تقديس الأشخاص)) (2/77). ، مع أن بعض شيوخ الطرق فساق فجرة، فمثلاً: شيخ الطريقة المسلمية الخلوتية قاطع طريق انظر: ((الطرق الصوفية)) د. زكريا بيومي (ص: 148). ، ومثله ابن أبي حديد بني على قبره وعليه أوقاف انظر: ((الانحرافات العقدية والعلمية في القرنيين الثالث والرابع عشر)) (ص: 125). ، وشيخ الطريقة النامسة من الشاذلية حصل على المشيخة بعد الإقرار بمبالغ مالية لأبناء أبناء عمه، وآخر من شيوخ الطرق الصوفية كان يبيع مناصب الطريقة انظر: ((الطرق الصوفية)) د. زكريا (ص: 108-109). .
ومن أسباب نشأة الطرق مزاعمهم العظيمة بضمان الجنة للمريد، وهذا أمر مشهور عند الصوفية، كما ذكره الشعراني انظر: ((طبقات الشعراني)) (2/90)، و((تقديس الأشخاص)) أحمد لوح (1/345). ، وزعمه التجاني انظر: ((رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم)) (2/47)، ((بهامش جواهر المعاني، والختمية)) (ص: 96). ، والميرغني شيخ الختمية انظر: قول الميرغني في ((لؤلؤة الحسن الساطعة ضمن مجموعة النفحات الربانية)) (ص: 48، و((الختمية)) (ص: 96). ، وغيرهم، ودعاويهم العريضة المتضمنة أن كتبهم من النبي صلى الله عليه وسلم، أو من الله تعالى، وأنه أوصى بالطريقة الفلانية، وكل يدعي ذلك لنفسه، وما ينسبونه لشيوخهم من أساطير وغير ذلك.الطرق الصوفية – نشأتها وعقائدها وآثارها – لعبد الله بن دجين السهلي – ص: 14

انظر أيضا: