trial

موسوعة الفرق

المبحث الخامس عشر: نسخ الشريعة ووضع التكاليف


ومن العقائد الشيعية الباطنية المعروفة: نسخ الشريعة، ورفع التكاليف.
أما نسخ شريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه فيؤمن به جميع فرق الباطنية ولو أنهم يتظاهرون بإنكاره كما ذكر الغزالي  انظر ((فضائح الباطنية ))  (ص 46). ط  مؤسسة دار الكتب الثقافية الكويت. .
وكما ورد في أدعية الأيام السبعة للإمام الإسماعيلي المعز لدين الله  انظر لذلك كتابنا ((الإسماعيلية القدامى تاريخ وعقائد ))  الباب الخامس منه،  أيضا كتاب زهر المعاني للداعي الإسماعيلي إدريس من مجموعة المنتخب لإيوانوف. ط  بومبي،  أيضا ((الأنوار اللطيفة ))  للحارث اليماني الباب الثاني من السرادق الثالث من الفصل الخامس ((ص 130). .
وكما قال أبو يعقوب السجستاني: (أما القائم عليه السلام فإنه يرفع الشرائع كتاب ((النصرة ))  للسجستاني عن كتاب الرياض للكرماني (ص 201). ط  دار الثقافة بيروت. .
وأيضا في الكتب النصيرية والدرزية وغيرها من الفرق الباطنية الأخرى.
وأما رفع التكاليف فيقول الداعي الإسماعيلي طاهر بن إبراهيم الحارثي اليماني:
(حجج الليل هم أهل الباطن المحض، المرفوع عنهم في أدوار الستر التكاليف الظاهرة لعلو درجاتهم  ((الأنوار اللطيفة ))  الباب الثاني السرادق الثاني (ص 102). .
وبمثل ذلك نقلوا عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال: (من عرف الباطن فقد سقط عنه عمل الظاهر.... ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر كتاب ((الهفت الشريف ))  للمفضل الجعفي (ص 42) تحقيق  مصطفى غالب الإسماعيلي. ط  دار الأندلس بيروت. .
ويشاركهم في ذلك فرق الشيعة الأخرى، مثل المعمرية من الخطابية والجناحية والمنصورية وغيرها من الفرق الشيعية الأخرى  انظر لذلك ((فرق الشيعة ))  للنوبختي،  وكتاب ((المقالات والفرق ))  لسعد بن عبد الله القمي الشيعي،  وكتب السنة أيضا من ((مقالات الإسلاميين ))  للأشعري،  و ((التبصير في الدين ))  للأسفرائيني و والاعتقادات للرازي وغيرها. .
مؤولين قول الله عز وجل:  يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ [النساء: 28]، وقوله جل وعلا:  لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: 93].
سالكين في ذلك منهج التأويل الباطني الخبيث، فتركوا الواجبات، وأباحوا المحرمات، وأتوا المنكرات.
والشيعة الأثنا عشرية أيضا، كاذبين على أئمتهم، ومتهمين إياهم بمقولات هم منها براء. كما روى الكليني في كافيّه عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال لشيعته: (إن الرجل منكم لتملأ صحيفته من غير عمل انظر كتاب ((الروضة من الكافي ))  للكليني (1/ 78). ط  طهران. . بل (كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة) ((مقدمة البرهان في تفسير القرآن ))  لمفسر شيعي هاشم البحراني (ص 21). ط  طهران. .
وذكر ابن بابويه القمي أن علي بن موسى الرضا – الإمام الثامن المعصوم عند الشيعة – قال: (رفع القلم عن شيعتنا، فقلت: يا سيدي، كيف ذاك ؟
قال: لأنهم أخذ عليهم العهد بالتقية في دولة الباطل، يأمن الناس ويخوّفون، ويكفرون فينا ولا نكفر فيهم، ويقتلون بنا ولا نقتل بهم، ما من أحد من شيعتنا ارتكب ذنبا أو خطأ إلا ناله في ذلك غمّ يمحص عنه ذنوبه، ولو أتى بذنوب عدد القطر والمطر، وبعدد الحصى والرمل، وبعدد الشوك والشجر ((عيون أخبار الرضا ))  لابن بابويه القمي (2/ 236). .
ويذكر مفسر شيعي آخر وهو علي بن إبراهيم القمي، عن جعفر أنه قال: (إذا كان يوم القيامة يدعى بعليّ أمير المؤمنين عليه السلام... ثم يدعى بالأئمة... ثم يدعى بالشيعة، فيقومون أمامهم، ثم يدعى بفاطمة ونسائها من ذريتها وشيعتها، فيدخلون الجنة بغير حساب  ((تفسير القمي ))  (1/ 128). .
 ومن أراد الاستزادة  فليرجع إلى كتابنا (الشيعة وأهل البيت انظر (ص 230) وما بعد الطبعة الثامنة. ط  إدارة ترجمان السنة باكستان. .
وكذلك الشيعة والسنة انظر (ص 51،  52)  الطبعة الجديدة،  الثلاثون. ط  إدارة ترجمان السنة لاهور باكستان. .
وأما المتصوفة فيقولون بكل هذا، سالكين مسلك هؤلاء الضالة المنحرفين:
(وفي النساك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى درجة تزول فيها عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم من الزنا وغيره مباحات لهم ((مقالات الإسلاميين))  للأشعري (ص 289). ط  هلموت ريتز الطبعة الثالثة فرانزستايز 1980 م. .
وقالوا: (إذا وصلت إلى مقام اليقين سقطت عنك العبادة، مؤولين قول الله عز وجل: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر:99]  ((اتحاف السادة ))  للزبيدي (8 / 278) المنقول من كتاب ((نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها ))  للدكتور عرفان عبد الحميد (ص 74). ط  المكتب الإسلامي بيروت 1974 م. .
ولقد أقر صوفي قديم بوجود هؤلاء المتصوفة ومن هم على منوالهم – وما أكثرهم – فقال:
(وأرتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام، وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا في ميدان الغفلات، وركنوا إلى إتباع الشهوات، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والإرتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان.
ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق و الأحوال، وادعوا أنهم تحرروا من رقّ الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وانهم تجري عليهم أحكامه وهم محو، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكام البشرية، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا، بل صرفوا.
ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوّحت ببعضه من هذه القصة، وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار، غيرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء أو يجد مخالف لثلبهم مساغا، إذ البلوى في هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين عليها شديدة  ((الرسالة القشيرية ))  (1/ 22،  23،  24)،  بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود. .
كما أقرّ بإباحتهم للمحظورات، الطوسي في كتابه: (زعمت الفرقة الضالة، في الحظر والإباحة، أن الأشياء في الأصل مباحة، وإنما وقع الحظر للتعدي، فإذا لم يقع التعدّي تكون الأشياء على أصلها من الإباحة، وتأولوا قول الله عز وجل: فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا  وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً  وَحَدَائِقَ غُلْبًا  وَفَاكِهَةً وَأَبًّا  مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ [عبس:27-32].
فقالوا: هذا على الجملة غير مفصل، فأدّاهم ذلك بجهلهم، إلى أن طمعت نفوسهم بأن المحظور الممنوع منه المسلمون: مباح لهم، إذا لم يتعدّوا في تناوله.
وإنما غلطوا في ذلك بدقيقة خفيت عليهم، من جهلهم بالأصول، وقلة حظهم من علم الشريعة، ومتابعتهم شهوات النفس في ذلك... فظنت هذه الطائفة الضالة بالإباحة، لأن ذلك كان منهم على حال، جاز لهم ترك الحدود، أو أن يجاوزوا حد متابعة الأمر والنهي، فوقعوا من جهلهم في التيه، وتاهوا، وطلبوا ما مالت إليه نفوسهم: من اتباع الشهوات، وتناول المحظورات، تأويلا، وحيلا، وكذبا، وتمويها كتاب ((اللمع ))  للطوسي (ص 538،  539). .
وذكرهم السهروردي بقوله: (فقوم من المفتونين سمّوا أنفسهم ملامتية، ولبسوا لبسة الصوفية، لينتسبوا بها إلى الصوفية، وما هم من الصوفية بشيء، بل هم في غرور وغلط، يتسترون بلبسة الصوفية توقيتا تارة، ودعوى أخرى، وينتهجون مناهج أهل الإباحة، ويزعمون أن ضمائرهم خلصت إلى الله تعالى، ويقولون: هذا هو الظفر بالمراد، والإرتسام بمراسم الشريعة رتبة العوام، والقاصرين الأفهام المنحصرين في مضيق الاقتداء تقليدا، وهذا هو عين الإلحاد والزندقة والإبعاد، فكل حقيقة ردّتها الشريعة فهي زندقة، وجهل هؤلاء المغرورون أن الشريعة حق العبودية، والحقيقة هي حقيقة العبودية، ومن صار من أهل الحقيقة تقيد بحقوق العبودية وصار مطالبا بأمور وزيادات لا يطالب بها من لم يصل إلى ذلك، لا أنه يخلع عن عنقه ربقة التكليف، ويخامر باطنه الزيغ والتحريف.... ومن جملة أولئك قوم يقولون بالحلول ويزعمون أن الله تعالى  يحل فيهم ويحل في أجسام يصطفيها، ويسبق لأفهامهم معنى من قول النصارى في اللاهوت والناسوت.
ومنهم من يستبيح النظر إلى المستحسنات إشارة إلى هذا الوهم  ((عوارف المعارف ))  للسهروردي  (ص 78،  79). .
وهؤلاء الذين ذكرهم ابن الجوزي بقوله: (أعلم أن أكثر الصوفية المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن، واشتغلوا بالتعبد عن النكاح، واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة وقصد الزهادة، فأمالهم إبليس إليهم، واعلم أن المتصوفة في صحبة الأحداث على سبعة أقسام:
القسم الأول: أخبث القوم وهم أناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان، نا أبو علي الحسين بن محمد بن الفضل الكرماني، نا سهل بن علي الخشاب، نا أبو نصر عبد الله بن السراج، قال: بلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق تعالى  اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية. ومنهم من قال: هو حال في المستحسنات. وذكر أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا أن طائفة من الصوفية قالوا: أنهم يرون الله عز وجل في الدنيا، وأجازوا أن يكون في صفة الآدمي ولم يأبوا كونه حالا في الصورة الحسنة حتى استشهدوه في رؤيتهم الغلام الأسود.
القسم الثاني: قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم ويقصدون الفسق.
القسم الثالث: قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن. وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه (سنن الصوفية) فقال في أواخر الكتاب: باب في جوامع رخصهم، فذكر فيه الرقص والغناء والنظر إلى الوجه الحسن.
وذكر فيه ما روى عن النبي عليه السلام أنه قال: أطلبوا الخير عند حسان الوجوه. وأنه قال: ثلاثة تجلو البصر: النظر إلى خضرة، والنظر إلى ماء، والنظر إلى الوجه الحسن ((تلبيس إبليس))  لابن الجوزي (ص 295،  296). ط  دار الوعي العربي بيروت لبنان. .
ثم حكى حكايات كثيرة عن هؤلاء المتصوفة، تدل على فسقهم وفجورهم.
ومما ذكرها أن صبيا أمرد حكى له، قال: قال لي الصوفي وهو يجيبني: يا بنيّ، لله فيك إقبال وإلتفات، حيث جعل حاجتي إليك.
وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالي  وعنده أمرد، وهو خال به وبينهما ورد، وهو ينظر إلى الورد تارة، وإلى الأمرد تارة، فلما جلسوا قال بعضهم: لعلنا كدرنا، فقال: أي والله، فتصايح الجماعة على سبيل التواجد.
وحكى أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في رقعة: أنك تحب غلامك التركي، فقرأ الرقعة ثم استدعى الغلام فصعد إليه النظر فقبله بين عينية، وقال: هذا جواب الرقعة.
قال المصنف رحمه الله: قلت: إني لأعجب من فعل هذا الرجل وإلقائه جلباب الحياء عن وجهه، وإنما أعجب من البهائم الحاضرين كيف سكتوا عن الإنكار عليه، ولكن الشريعة بردت في قلوب كثير من الناس انظر (ص 298) من ((تلبيس إبليس))  لابن الجوزي. .
ومن الأبيات التي يستمع إليها الصوفية، ويرقصون عليها، يغنّون بها أبيات ذكر طرفا منها في كتابه:


(أتذكر وقتنا وقــــــــــد اجتمعنا    





 على طيب السماع إلى الصباح



 ودارت بيننا كـــــــأس الأغاني    


 


 فأسكرت النـــــفوس بغير راح



فلم تر فيهم إلا نشــــاوى   




سرور والسرور هنــــاك صاح



إذا لبّى أخو اللــذات فيـــــه   




منادي الـــلهو حيّ على الفلاح



ولم نملك سوى المهجات شيئا   




أرقــــــنا لألـــــــــــحاظ مـــلاح أيضا (ص 299).


وأيضا قال يوسف بن الحسين:
(كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحبة الأحداث فإنها أفتن الفتن، ولقد عاهدت ربّي أكثر من مائة مرة أن لا أصحب حدثا، ففسخها على حسن الخدود، وقوام القدود، وغنج العيون، وما سألني الله معهم عن مصيبة، وأنشد صريح الغواني في معنى ذلك شعرا:


إن ورد الخدود والحــــــدق النجــــل





 وما فى الثغور من أقحوان



واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد    


 


 وما في الصدور من رمـــــــــان



تركتني بين الغواني صــــــــــريعا    




فلهذا أدعى صريع الغــــــــواني  أيضا (ص 305).

فعن هؤلاء قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى طاعتهم والإيمان بالرسل هو الأصل الثاني من أصلي الإسلام، فمن لم يؤمن بأن هذا رسول الله إلى جميع العالمين وأنه يجب على جميع الخلق متابعته، وأن الحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين، ونحوهم من يجوز الخروج عن دينه وشريعته وطاعته، إما عموما أو خصوصا... ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء الله، وأن الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم، وكل هذا ضلال وباطل، وإن كان لأصحابه زهد وعبادة ((مجموعة الرسائل والمسائل ))  لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص 44،  45). .
وقال الحافظ ابن حزم الظاهري: (ادّعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى  من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وقالوا: من بلغ الغاية القصوى من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك، وحلت له المحرمات كلها من الزنا والخمر وغير ذلك، واستباحوا بهذا نساء غيرهم، وقالوا بأننا نرى الله ونكلمه، وكلما قذف في نفوسنا فهو حق.
ورأيت لرجل منهم يعرف بان شمعون كلاما نصه أن لله تعالى  مائة اسم، وأن الموفي مائة هو ستة وثلاثون حرفا ليس منها في حروف الهجاء شيء إلا واحد فقط، وبذلك الواحد يصل أهل المقامات إلى الحق. وقال أيضا: أخبرني بعض من رسم لمجالسة الحق أنه مدّ رجله يوما فنودي: ما هكذا مجالس الملوك، فلم يمدّ رجله بعدها. يعني أنه كان مديما لمجالسة الله تعالى ((الفصل في الملل والأهواء والنحل ))  للحافظ ابن حزم (4 / 226). .
ولذلك قال ابوعلي وفا:


(وبعد الفنا بالله كن كيف ما تشا




فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر ((كتاب سيدي أحمد الدردير ))  للدكتور عبد الحليم محمود (ص 95). ط  دار الكتب الحديثة القاهرة.

ونقل الدكتور عبد الحليم محمود قاعدة عامة للصوفية بقوله: (اعرف الله وكن كيف شئت ((المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي ))  (ص 53). ط  القاهرة. .
هذا ولقد ورد في كتب الصوفية حكايات كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، تدل على إتيان المتصوفة المنكر، وإباحتهم المحظورات، وتركهم الواجبات، ومع ذلك عدّوهم من أو لياء الله وكبار المستجابين عند الرب تبارك وتعالى عما يقوله الأفاكون علوا كبيرا، عن أن يختار الفسقة الفجرة أولياءه وأصفياءه.
منهم من ذكره (القطب الرباني والهيكل الصمداني العارف بالله عبد الوهاب الشعراني) في طبقاته ذكر أن سيده علي وحيش (كان رضي الله عنه من أعيان المجاذيب أرباب الأحوال، وكان يأتي مصر والمحلة وغيرهما من البلاد، وله كرامات وخوارق، وأجتمعت به يوما في خط ما بين القصرين، فقال لي: ودّيني للزلباني فودّيته له، فدعا لي وقال: الله يصبرك على ما بين يديك من البلوى.
وأخبرني الشيخ محمد الطنيخي رحمه الله تعالى قال: كان الشيخ وحيش رضي الله عنه يقيم عندنا في المحلة في خان بنات الخطا، وكان كل من خرج يقول له: قف حتى أشفع فيك عند الله قبل أن تخرج، فيشفع فيه، وكان يحبس بعضهم اليوم واليومين ولا يمكنه أن يخرج حتى يجاب في شفاعته، وقال يوما لبنات الخطا: أخرجوا فإن الخن رائح يطبق عليكم فما سمع منهن إلا واحدة، فخرجت، ووقع على الباقي فمتن كلهن.
وكان إذا رأى شيخ بلد وغيره ينزله من على الحمارة ويقول له: أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها، فإن أبى شيخ البلد تسمّر في الأرض لا يستطيع أن يمشي خطوة، وإن سمع حصل له خجل عظيم والناس يمرون عليه، وكان له أحوال غريبة  ((طبقات الشعراني))  (2/ 150،  151). .
وماذا نستطيع أن نقول بعد سرد هذه الرواية عن الشعراني، ثم مدحه لمثل هذا الفاجر الخبيث، وجعله من أعيان المجاذيب، وأرباب الأحوال، وصاحب الكرامات والخوارق، ومستجاب الدعوات، مأذونا بالشفاعة عند الله، وليس مأذونا فحسب بل شفيعا مقبولا، مبشرا بقبول شفاعته فيمن أراد أن يشفع فيهم، وهل هناك استهزاء بالشريعة، وتعطيل لحدود الله، وتلاعب بأوامر الله ونواهيه، زندقة وإلحاد، وفسق وفجور أكبر من هذا؟
هذا ما لا يوجد له نظير حتى لدى الشيعة، منبع كل فساد، ومصدر كل رذيلة.
ولكن التلميذ قد فاق أستاذه، والمريد مرشده، والمتعلم معلمه.
وهناك آخر من كبار مشائخ القوم، يسمونه قطب الواصلين عبد العزيز الدباغ، يقول:
(إن بعض المريدين قال لشيخه: يا سيدي دلّني على شيء يريحني مع الله عز وجل.
فقال: له الشيخ: إن أردت ذلك فكن شبيها له في شيء من أوصافه عز وجل، فإنك إن اتصفت بشيء منها فإنه يسكنك يوم القيامة مع أوليائه في دار نعيمه ولا يسكنك مع أعدائه في دار جحيمه.
فقال المريد: وكيف لي بذلك يا سيدي وأوصافه تعالى  لا تنحصر.
فقال الشيخ: كن شبيهه في بعضها، فقال: وما هو يا سيدي ؟
فقال: كن من الذين يقولون الحق، فإن من أوصافه تعالى  قول الحق، فإن كنت من الذين يقولون الحق فإن الله سيرحمك، فعاهد الشيخ على أن يقول الحق، وافترقا.
وكان بجوار المريد بنت فدخل الشيطان بينهما حتى فجر بها وافتضها، فلم تقدر البنت على الصبر مع أنها هي التي طلبت منه الفعل، لأنها تعلم أن الافتضاض لا يخفى بعد ذلك، فأعلمت أباها فرفعه إلى الحاكم، وقال: إن هذا فعل ببنتي كذا وكذا.
فقال الحاكم للمريد: أتسمع ما يقول ؟
فقال: صدق، قد فعلت ذلك، كان مستحضرا للعهد الذي فارق الشيخ عليه، فلم يقدر على الجحود والنكران، فلما سمع منه الحاكم ما سمع، قال: هذا أحمق، اذهبوا به إلى المارستان، فإن العاقل لا يقرّ على نفسه بما يعود عليه بالضرر، فدخل المارستان، ثم جاء من رغب الحاكم، وشفع فيه فسرّحوه ((الإبريز ))  للدباغ (ص 43). ط  مصر. .
وأحد كبار القوم و (شهيد التصوف الإمام الأجل نجم الملة والدين قطب الإسلام والمسلمين، برهان السنة، محيي الحق نجم الدين الكبري) يخبر عن فسقه وفجوره بأسلوب صوفي: فيقول:
(عشقت واحدا ببلاد المغرب فسلطت عليه الهمة فأخذته وربطته ومنعته عن سواي، إلا أنه كان عليه رقباء، فسكت عن صريح المقال، وجعل يكلمني بلسان الحال، فأهمه وأكلمه كذلك فيفهمه، وانتهي  الأمر إلى أن صرت أنا هو، وهو أنا، ووقع العشق إلى محض صفاء الروح، فجاءتني روحه سحرا تمرّغ وجهها في التراب وتقول: أيها الشيخ الأمان، الأمان، قتلتني أدركني، فقلت: ماذا تريد ؟
قالت: أريد أن تدعني حتى أقبل قدمك، فأذنت لها، ففعلت ورفعت وجهها، فقبلتها حتى استراحت واطمأنت إلى صدري ((فوائح الجمال وفواتح الجلال ))  لنجم الدين الكبري (ص 64،  65). ط  ألمانيا . .
وما دمنا تطرقنا إلى هذا الموضوع فإننا نقول: إن جماعة من الصوفية ولو أنهم تظاهروا بالصلاح والتقوى لم يستطيعوا أن يخفوا ويكتموا عشقهم وفسقهم، وشهدوا عليهم بعدم مبالاة الشرع وأحكامه، والتطرق إلى المنكرات والمحظورات.
فهذا هو الشيخ الأكبر للصوفية محيي الدين بن عربي يرفع الستار عن شخصه وكنهه، مثلما شهد تلميذه نجم الدين الكبري على نفسه، فيقول شارحا لديوانه (ترجمان الأشواق) الذي فضحه هو وعشقه ببنت أحد مشائخ مكة، وتشبيبه وغزله فيها، وقد كثر الكلام والغمز واللمز فيه (وأحدث هذا الشعر دويا وأقاويل حوله مما جعل بدل الحبشي وإسماعيل بن سودقين يطلبان إليه شرح هذا الديوان  ((مقدمة ذخائر الأعلاق ))  لمحمد عبد الرحمن الكروي ص (و) ط مطبعة السعادة مصر. .
فأراد أن يغطي ما قاله فيها من الغزل الركيك المتندح عشقا وحبا وجذبا وشوقا إلى تلك الحسناء المكية بغطاء صوفي بدهاء ومكر، فما استطاع إلا إظهار ما كان خافيا من قبل أكثر بكثير.
فانظره ماذا يقول في مقدمة ذخائره، والعبارة ناطقة بصوت رفيع لا بصوت خافت، بما هو مكنون بين جنباتها وتراكيبها:
(فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر والأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولا بنفسه، مشغوفا فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، نزيل مكة البلد الأمين مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني رحمه الله... وكان لهذا الشيخ رضي الله عنه بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام، تلقب بعين الشمس وإليها من العابدات العالمات السابحات الزاهدات شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم بلامين، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أثعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه، وأغرى ورأى بظهر الغرر وامتطاه، ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيئة الأغراض، لأخذت في شرح ما أودع الله تعالى  في خلقها من الحسن، وفي خلقها الذي هو روضة المزن، شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء، حقه مختومة، واسطة عقد منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها، سابغة الكرم، عالية الهمم، سيدة والديها، شريفة ناديها، مسكها جياد وبيتها من العين السواد ومن الصدر الفؤاد أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه، فنعمت أعراف المعارف، بما تحمله من الرقائق واللطائف، علمها عملها، عليها مسحة ملك وهمة ملك، فراعينا في صحبتها كريم ذاتها مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد، فقلدناها من نظمنا فيها بعض خاطر الاشتياق، من تلك الذخائر والأعلاق، فأعربت عن نفس تواقة، ونبهت على ما عندنا من العلاقة، اهتماما بالأمر القديم، و إيثارا لمجلسها الكريم، فكل اسم أذكره في هذا الجزء فمنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني ((ذخائر الأعلاق ))  لابن عربي (ص1 - 4). .
ولم تكن واحدة هذه التي علق بها قلب الشيخ، وهام وراءها، بل كانت هناك أخرى أيضا، وفي بيت الله الحرام وجنب الكعبة، انظر ماذا يقول:
(كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي، وهزّني حال كنت أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل الناس وطفت على الرمل، فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني – لو كان هناك أحد – وهي قوله:


ليت شعري هل دروا




أيّ قلــــــــــب ملكوا


وفؤادي لـــــــو درى




أيّ شــــــعب سلكوا


أتراهم سلـــــــــــموا




أم تــــــــراهم هلكوا


حار أرباب الــــهوى




في الهوى وأرتكبوا

فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي بكف ألين من الخزّ، فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم لم أر أحسن وجهاً، ولا أعذب منطقاً، ولا أرق حاشية، ولا ألطف معنى، ولا أدق إشارة، ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفاً وأدباً وجمالا ومعرفة، فقالت: ياسيدي كيف قلت ؟ فقلت:
ليت شعري هل دروا    أيّ قلــــــــــب ملكوا
فقالت: عجباً منك وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا ! أليس كل مملوك معروف ؟ وهل يصح الملك إلا بعد المعرفة وتمني الشعور يؤذن بعدمها والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا ؟ قل ياسيدي: ماذا قلت بعده ؟ فقلت:
وفؤادي لـــــــو درى    أيّ شــــــعب سلكوا
فقالت: ياسيدي الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد هو المانع له من المعرفة، فكيف يتمنى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه إلا بعد المعرفة، والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا ياسيدي !؟ فماذا قلت بعده ؟ فقلت:
أتراهم سلـــــــــــموا    أم تــــــــراهم هلكوا
فقالت: أما هم فسلموا، ولكن أسأل عنك فينبغي أن تسأل نفسك: هل سلمت أم هلكت ياسيدي ؟ فما قلت بعده ؟ فقلت:
حار أرباب الــــهوى    في الهوى وأرتكبوا
فصاحت وقالت: ياعجباً كيف يبقى للمشغوف فضلة يحاربها، والهوى شأنه التعميم. يخدر الحواس ويذهب العقول ويدهش الخواطر ويذهب بصاحبه في الذاهبين فأين الحيرة وما هنا باق فيحار والطريق لسان صدق والتجوز من مثلك غير لائق. فقلت: يابنت الخالة ما أسمك ؟ قالت: قرة العين. فقلت: لي. ثم سلمت وانصرفت. ثم إني عرفتها بعد ذلك وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف الأربع ما لا يصفه واصف  ((ذخائر الأعلاق ))  لابن عربي (ص 7،  8). .
ولا أدري كيف يستسيغ المدافعون عن ابن عربي أن يبرئوه من هذه الشهادة التي شهد بها على نفسه، وأن يخلصوه من ذلك المأزق الذي أوقع نفسه بنفسه فيه، وهل يبيح أحد هؤلاء المدافعين عنه أن يذكره أحد – لا سمح الله – هكذا بإسمه، ثم يذكر كريمته ويتسبب فيها ويتغزل كما تغزل وتشبب شيخهم الأكبر في كريمة ذلك الشيخ المكي، فكيف يرضون لغيرهم ما لا يرضون لأنفسهم ؟
وما دمنا بدأنا بذكر الإعترافات نورد ههنا اعترافا آخر من أحد مشائخ القوم يدل على سيرتهم وعلى سريرتهم أيضا، وهو أن أحمد بن المبارك راوية عبد العزيز الدباغ يذكر أن كاتبه عبد الله بن علي وأخاه عبد الرحمن صعدا يوما على سطح مدرسة العطارين، ثم ماذا حدث؟
إسمع عنهما، ما يقولان: (فرأينا على سطوح الدور نسوة مجتمعات ومتفرقات، فجعلنا ننظر إليهن ونتذاكر أمرهن فيما بيننا، نضحك أحيانا، ثم وثب أحدنا مرة إلى الهواء من قوة ما غلب علينا من المزاح.
فلما قدمنا دار الشيخ رضي الله عنه وجلسنا في الصقلابية المعروفة جعل رضي الله عنه يضحك ضحكا كثيرا. ويقول: ما أملح الشيخ الذي لا يكاشف، ثم قال: أين كنتما ؟ أصدقاني، ولا تكذبا عليّ. فذكرنا له الأمر الذي كان.
فجعل رضي الله عنه يذكر لنا أمر النسوة ومكانتهن في السطوح كأنه حاضر معنا، وذكر لنا أيضا الوثبة المتقدمة من غير أن نذكرها له، فذكر لنا رضي الله عنه أنه كان حينئذ جالسا مع بعض من قصده للزيارة فلم يشعروا به حتى تفرقع بالضحك، وذلك حين شاهد تلك الوثبة فظن من حضر أنه كان يضحك عليه ((الإبريز ))  لعبد العزيز الدباغ (ص 27). .
هذا وإن هناك صوفيا كبيرا من شبه القارة الهندية الباكستانية لا زال مشهده قائما يزار ويقام عليه العرس سنويا، ولعله من أكبر الأعراس في باكستان، وهو مشهد الصوفي المشهور بمادهو لعل حسين.
وأن أصحاب السير والطبقات ذكروا في ترجمته أنه كان من أولياء الله ومستجاب الدعوات، وما كان يطلب شيئا من الربّ إلا لبى طلبه، فكان حافظا للقرآن وعالما فقيها، ويوما من الأيام كان يدرس عند شيخه سعد الله تفسير مدارك التنزيل، فلما بلغ إلى قوله عز وجل:  إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ[محمد:36]طرأ عليه الوجد، وبدأ يرقص ويقول: ما دام أن الحياة لهو ولعب فلماذا لا نلهو ونلعب ؟
فأخذ كتبه ورماها في البئر، وحلق لحيته وشواربه، وأخذ كأس الخمر، وبدأ يرقص في الشوارع  والأسواق، كما بدا يرتاد بيوت المومسات، ويقضي أوقاته فيها، إلى أن وقع نظره على أمرد هندوكي جميل، فوله به وكلف، وعشقه، وما زال يطوف حول بيته ست عشرة سنة حتى أوقعه في حباله وفخه، وجعل إسمه جزء من اسمه، فصار مادهو لعل الحسين، بعد أن كان حسينا فقط، وبعد وفاته صار مزاره مهبط الأنوار، ومحط البركات، مثل ما كان هو في حياته انظر ((تذكرة أولياء الباكستان والهند ))  للدكتور ظهور الحسن شارب (2/ 259) وما بعد. .
هذا من جانب، ومن جانب آخر يذكر الشعراني صوفيا آخر صاحب كشف، فيقول:
(سيدي شريف رضي الله عنه ورحمه كان يأكل في نهار رمضان، ويقول أنا معتوق، أعتقني ربي ((طبقات الشعراني))  (2/ 151). .
ومثل هذا يذكرون عن أبي يزيد البسطامي أنه (أخرج من كمّه رغيفا، وأخذ في أكله في المدينة، وكان هذا في شهر رمضان ((كشف المحجوب ))  للهجويري  ترجمة عربية (ص 262). .
وينقلون عن الشبلي أنه كان يقول: (يا ويلاه، إن صليت جحدت، وإن لم أصلّ كفرت  ((التعرف ))  للكلاباذي (ص 163). .
والقصص والحكايات مثل هذه كثيرة جدا لا تعدّ ولا تحصى، تدل على رفع التكاليف وإسقاط الشريعة، وقد نورد بعضا منها في محله في الجزء الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله.
وهناك عقائد وآراء وأفكار أخرى عديدة، فيها تشابه كامل وتوافق تام مع الشيعة، تدل على أنها مأخوذة مقتبسة منهم، ولكننا نكتفي بهذا القدر منها، لجلاء الموضوع ووضوح المبحث، بعد ما أثبتناها من كتب الفريقين، المعتمدة الموثوقة، وبسرد ألفاظهم وعباراتهم، ومع تأييد الشيعة، وتوثيق السنة، وشهادة الآخرين من اليهود والنصارى من المستشرقين.
فإن الشيعي الإيراني المعاصر قد صرّح في كتابه: (تذهب جماعة إلى أن التصوف ليس إلا رد فعل أوجده الفتح العربي الإسلامي في نفوس العنصر الآري الإيراني، وخلاصة قولهم أن الإيرانيين بعدما غلبوا على أمرهم بسيوف العرب في مواقع القادسية وجلولاء وحلوان ونهاوند، أدركوا أنهم فقدوا إستقلالهم وأضاعوامجدهم، ثم إنهم اعتنقوا الديانة الإسلامية، ولكن العرب الذين كان الإيرانيون ينظرون إليهم منذ القدم بنظرة غير راضية لم يستطيعوا أن يغيروا رغم إنتصاراتهم مجرى التفكير الإيراني، وأن يجعلوهم مشاركين لهم في أسلوب تفكيرهم وإتجاهاتهم وميولهم وسليقتهم ومنطقهم وكذلك في آمالهم وأمانيهم وغاياتهم الروحية المثالية لأن التباين الشكلي والمعنوي أي الفروق العنصرية والإختلاف في أسلوب المعيشة والأوضاع الإجتماعية بين هاتين الأمتين كان شديدا للغاية. وبناء على ذلك بعدما إنتهت المعارك الحربية باندحار الإيرانيين بأسلوب المساجلات الفكرية التي كان لها أثر بالغ في التاريخ الأدبي والمذهبي والإجتماعي والسياسي للعرب والإسلام.
ومن أهم تلك الإنعكاسات التي ترتبت على تلك الإنفعالات الفكرية التشيع أولا والتصوف ثانيا. وينبغي أن نضيف إلى هذه الملاحظة أن الغرض من ذ كر الإنفعالات في هذا الباب ليس القول بأن الإيرانيين أقدموا على هذا العمل اختاروا أو تعمدوا وقد تأتت في أكثر الظروف بحكم الإنفعالات النفسية وبتأثير العواطف و الأحاسيس الخفية بصورة ثابتة كما يرى علماء النفس، أي من غير أن يعرف الناس أنفسهم غالبا السبب الحقيقي أو يستطيعوا تحليل أفكارهم وأحاسيسهم إنساقت أفكارهم إلى أمثال هذه الإنفعالات العكسية ((تاريخ التصوف في الإسلام))   للدكتور قاسم غني الإيراني ترجمة عربية لصادق نشأت (ص 14). ط  مكتبة النهضة المصرية 1970 م. .
وأما الشيعي العراقي فقد كتب كتابا مستقلا لإثبات تأثر التصوف بالتشيع، واستفادة الصوفية من الشيعة، وأخذهم عنهم، فيقول:
(وينبغي أن نذكر الدور الذي قام به الفرس من إخالهم مثلهم الدينية في التشيع الغالي الأول حين نصروا المختار، وعاضدوا حركة الغلو العجلية، وانضموا إلى حركة أبي هاشم، وانضافوا إلى الحركة السرية العباسية التي ورثت حركة أبي هاشم، حتى أدى بهم الأمر إلى تأليه أبي مسلم الخراساني، كما فعلوا مع أئمة الشيعة من العلويين. يضاف إلى ذلك أنهم نصروا حركة عبد الله بن معاوية في فارس أيضا، وأسبغوا عليه النور الإلهي الذي سنجده في التصوف واضحا جليا.
وهذا كله يعني أن الفرس قد بدأوا إضافة القداسة إلى البيت النبوي بإعتبارها أساسا موازيا لأسسهم السياسية والدينية السابقة من تأليههم الملوك، وقولهم بالنور الذي ينتقل من ملك إلى آخر، فثبتت الولاية لعليّ بن أبي طالب على نحو مبالغ فيه، وأنتقلت هذه الولاية المقدسة مع زيادات وإضافات وحواش إلى الأئمة من بعده حتى بلغ الأمر حدّ التأليه ((الصلة بين التصوف والتشيع ))  للدكتور كامل مصطفى الشيبي (1/ 372). ط  دار الأندلس بيروت. .
وأما السنة فلقد نقلنا فيما سبق رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن خلدون وغيرهما في ذلك الخصوص، كما ذكرنا أيضا رأي المستشرق الإنجليزي المشهور المتعاطف مع التصوف والصوفية – وهو نيكلسون – وبمثل ما قاله قال جولد زيهر انظر ((العقيدة والشريعة في الإسلام ))  لجولد زيهر (ص 139) وما بعد. .
وأخيرا نختم كلامنا في هذا الخصوص على مقولة المستشرق براون (BROWN)  المشهورة: (إن التشيع والتصوف كانا من الأسلحة التي حارب بها الفرس العرب  Brown: A Literary History Of Persia Vol. 1 P 410. التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير/ ص 260

انظر أيضا: