trial

موسوعة الفرق

المبحث الثالث عشر: التقية


من أهم المبادئ الشيعية وأسسهم ومعتقداتهم الإخفاء والكتمان، وإظهار ما لا يعتقدونه في السر، وإعلان ما يبطنون خلافه، وهذا من أخطر ما يؤمن به الشيعة، ويميزهم من الطوائف المسلمة الأخرى، ويحول بينهم وبين الالتقاء بهم، لأنه لا يعلم ظاهرهم من باطنهم، وكذبهم من صدقهم، كما قال السيد محب الدين الخطيب: (وأول موانع التجاوب الصادق بالإخلاص بيننا وبينهم ما يسمونه التقية، فإنها عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر لنا بغير ما يبطنون، فينخدع سليم القلب منا بما يتظاهرون له به من رغبتهم في التفاهم والتقارب، وهم لا يريدون ذلك ولا يرضون به ولا يعملون له   ((الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها مذهب الشيعة الإثني عشرية ))  (ص 8) الطبعة السادسة. .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (النفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف، بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق، فإن أساس النفاق الذي بني عليه الكذب، وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه كما أخبر الله تعالى  عن المنافقين: أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية، وتحكي هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك حتى يحكوا ذلك عن جعفر الصادق أنه قال: التقية ديني ودين آبائي، وقد نزّه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم عن ذلك، بل كانوا من أعظم الناس صدقا وتحقيقا للإيمان، وكان دينهم التقوى، لا التقية ((منهاج السنة النبوية))  لشيخ الإسلام ابن تيمية  (1/ 159) ط  باكستان. .
فهناك روايات كثيرة فوق الحصر، التي أوردها الشيعة في كتبهم لاعتناق هذه العقيدة من أئمتهم المعصومين... نذكر هنا روايتين عن القوم:
روى الكشي عن حسين بن معاذ بن مسلم النحوي: (عن أبي عبد الله  قال:
(قال لي (أبو عبد الله): بلغني أنك تقعد في الجامع، فتفتي الناس ؟ قال: قلت: نعم، وقد أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج أني أقعد في الجامع، فيجيء الرجل، فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف أخبرته بما يقولون... قال (أي معاذ بن مسلم) فقال لي (أبو عبد الله): اصنع كذا، فإني اصنع كذا   ((رجال الكشي ))   (ص 218) تحت ترجمة معاذ بن مسلم ط  مؤسسة الأعلمي كربلاء العراق. .
ورواية أخرى رواها الكليني عن جعفر أنه قال لأصحابه معلى بن خنيس: (يا معلى، أكتم لأمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا، وجعله نورا بين عينيه في الآخرة، يقوده في الجنة.
يا معلىّ، من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا، ونزع النور من بين عينيه في الآخرة، وجعله ظلمة تقوده إلى النار.
يا معلى، إن التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له   ((الأصول من الكافي))  للكليني (2/ 223،  224) ط إيران. .
وعلى ذلك قال صدوقهم ابن بابويه القمي: (اعتقادنا في التقية أنها واجبة، لا يجوز رفعها إلى أن يقوم القائم، ومن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة  ((الاعتقادات ))   لابن بابويه القمي (ص 44). .
وقال مفيدهم: (التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين أو الدنيا، وفرض ذلك إذن علم بالضرورة أو قوي في الظن   ((شرح اعتقادات الصدوق ))   فضل التقية (ص 241). .فهذا هو معتقد الشيعة ومبدؤهم الذي اشتهروا به، وعيّروا عليه، وطعنوا فيه.
ولكن المتصوفة أخذوه بكامله عنهم، وزادوا عليهم حيث اتهموا رسول الله بتهمة برّأ الله ساحته عنها بقوله: وما هو على الغيب بضنين التكوير الآية 24. .
واستندوا بحديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمهم بأنه هو القائل: ((من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري (1291) ومسلم (3) .
فقالوا: (أمر الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بكتم أشياء مما لا يسعه غيره للحديث المروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أوتيت ليلة أسري بي ثلاثة علوم، فعلم أخذ عليّ في كتمه، وعلم خيّرت في تبليغه، وعلم أمرت بتبليغه)) لم نجده بهذا اللفظ
الذي أمر بتبليغه هو علم الشرائع، والعلم الذي خيّر في تبليغه هو علم الحقائق، والعلم الذي أخذ عليه في كتمه هو الأسرار الإلهية ولقد أودع الله جميع ذلك في القرآن. فالذي أمر بتبليغه ظاهر. والذي خيّر في تبليغه باطن لقوله سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53]  وقوله وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ[الحجر: 85] وقوله (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ [الجاثية: 13] وقوله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي [الحجر: 29] فإن جميع ذلك له وجه يدلّ على الحقائق ووجه يتعلق بالشرائع، فهو كالتخير، فمن كان فهمه إلهيا فقد بلغ ذلك، ومن لم يكن فهمه ذلك الفهم وكان مما لو فوجئ بالحقائق أنكرها، فإنه ما بلغ إليه ذلك لئلا يؤدي ذلك إلى ضلالته وشقاوته. والعلم الذي أخذ عليه في كتمه فإنه مودع في القرآن بطريق التأويل لغموض الكتم، فلا يعلم ذلك إلا من أشرف على نفس العلم أولا، وبطريق الكشف الإلهي، ثم سمع القرآن بعد ذلك، فإنه يعلم المحلّ الذي أودع الله فيه شيئا من العلم المأخوذ على النبي صلى الله عليه وسلم في كتمه وإليه الإشارة بقوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران: 7] على قراءة من وقف هنا، فالذي يطلع تأويله في نفسه هو المسمى بالله فافهم   ((الإنسان الكامل))  لعبد الكريم الجيلي (1/ 117) الطبعة الرابعة 1402 هـ مصر. .
ويقول أبو نصر السراج الطوسي: (إن حقائق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وما خصّه الله تعالى  به من العلم، لو وضعت على الجبال لذابت إلا أنه كان يظهرها لهم على مقاديرهم كتاب ((اللمع ))  للطوسي (ص 159). .
أي لم يظهر النبي صلى الله عليه وسلم جميع العلوم التي كان قد خصه الله بها – حسب زعمهم – وذلك لأجل أن الناس لم يكونوا يقدرون على حملها ومعرفتها.
وبمثل ذلك نقل الشعراني عن سيده محمد الحنفي أنه قال: (وههنا كلام لو أبديناه لكم لخرجتم مجانين لكن نطويه عمن ليس من أهله ((طبقات الشعراني))  (2/ 98). .
وهذا عين ما ذكره الشيعة عن جعفر بن الباقر أنه قال: (إن عندنا والله سرا من سرّ الله، وعلما من علم الله، أمرنا الله بتبليغه، فبلّغنا من الله عز وجل ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعا ولا أهلا ولا حمالة يحتملونه   ((الأصول من الكافي))  (1/ 402)،  أيضا ((بصائر الدرجات الكبرى ))  للصفار (ص 40). .
ونسبوا إلى علي رضي الله عنه أنه قال: (إن أمرنا صعب مستصعب لا يحمله إلا عبد امتحن الله قلبه للإيمان، ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة، وأحلام رزينة انظر ((نهج البلاغة )). .
أيضا (لا يحتمله ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن امتحن الله  قلبه للإيمان   ((الأصول من الكافي))  (1/ 402). .
هذا وأن الصوفية اتهموا أبا هريرة رضي الله عنه أنه قال: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من العلم: أما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم  ((إيقاظ الهمم)) لابن عجيبة الحسني (ص 145) ط مصر. .
كما كذبوا على عليّ بن الحسين زين العابدين أنه قال:


(يا ربّ جوهر علم لو أبوح به





 لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثـــنا


 ولاستحل رجال مسلمون دمي   


 


 يرون أقبح ما يأتـــونه حســــــنا


إني لأكتم من علمي جـــواهره   




كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتننا)

    وقال النفزي الرندي: (في قلوب الأحرار قبور الأسرار، والسر أمانة الله تعالى  عند العبد، فافشى بالتعبير عنه خيانة، والله تعالى  لا يحب الخائنين، وأيضا فإن الأمور المشهودة لا يستعمل فيها إلا الإشارة والإيماء، واستعمال العبارات فيها إفصاح بها وإشهار لها، وفي ذلك ابتذالها وإذاعتها، ثم إن العبارة عنها لا تزيدها إلا غموضا وانغلاقا، لأن الأمور الذوقية يستحيل إدراك حقائقها بالعبارات النطقية، فيؤدي ذلك إلى الإنكار والقدح في علوم السادة الأخيار.
قال أبو علي الروذباري رضي الله تعالى  عنه: علمنا هذا إشارة، فإذا صار عبارة خفي ((غيث المواهب العلية ))  للنفزي الرندي (1/ 214). .وأما لسان الدين بن الخطيب فقال: (حملة علم النبوة هم الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل))   قال ابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (2/37): لم أجد له أصلا ولا يصح. وقال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (466): لا أصل له. ، قالوا: وهذا العلم هو الذي لا يجوز كشفه، ولا إذاعته ولا ادعاؤه، ومن كشفه وأذاعه وجب قتله واستحل دمه وينسبون في ذلك إلى خواص النبوة وخلفائها كثيرا كقوله:


يا ربّ جوهر علم لو أبوح به




لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثـــنا


ولاستحل رجال مسلمون دمي




يرون أقبح ما يأتـــونه حســــــنا   ((روضة التعريف بالحب الشريف))  (ص 432).

وكان كبار المتصوفة يعملون بهذا المبدأ، ولم يكونوا يظهرون للناس علومهم وأفكارهم كما روى الكلاباذي عن الجنيد أنه قال للشبلي: (نحن حبّرنا هذا العلم تحبيرا، ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت، فأظهرته على رؤوس الملأ.
فقال: أنا أقول وأنا أسمع، فهل في الجارين غيري   ((التعرف لمذهب أهل التصوف))  للكلاباذي  (ص 172) ط  القاهرة. .
ونقل الشعراني كذلك عن الجنيد أنه (كان يستر كلام أهل الطريق عمن ليس منهم، وكان يستتر بالفقه والإفتاء على مذهب أبي ثور، وكان إذا تكلم في علوم القوم أغلق باب داره، وجعل مفتاحه تحت وركه ((اليواقيت والجواهر99  للشعراني (2/ 93) ط  مصطفى البابي الحلبي مصر 1378 هـ. .
وأيضا روى عن الشاذلي أنه كان يقول: (امتنعت عني الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رأيته، فقلت: يا رسول الله، ماذنبي ؟ فقال: إنك لست بأهل لرؤيتنا لأنك تطلع الناس على أسرارنا انظر ((الطبقات))  للشعراني (2/ 75 ). .
والصوفية يكتمون آراءهم ومعتقداتهم عن غيرهم، ويوصون مريديهم في كتبهم ومؤلفاتهم التي كتبت للخاصة وخاصة الخاصة، فالصوفي الشهير عبد السلام الفيتوري يكتب في كتابه (الوصية الكبرى):
(إخواني، وسنذكر لكم كلاما في المغيبات لكن يجب الإمساك عنها إلا لأهله الذين يكتمونه، ولا ينبغي إظهاره للسفهاء الذين يلحقون به إلى الأمراء والجبابرة وأهل الدنيا ((الوصية الكبرى ))  لعبد السلام الأسمر الفيتوري (ص 105) "  مكتبة النجاح طرابلس ليبيا  الطبعة الأولى. . وهناك نص مهم جدا ذكره الشعراني يقطع في هذا الموضوع فيقول:
وكان بعض العارفين يقول: (نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقتنا، وكذلك لا يجوز لأحد أن ينقل كلامنا إلا لمن يؤمن به، فمن نقله إلى من لا يؤمن به دخل هو والمنقول إليه جهنم الإنكار، وقد صرح بذلك أهل الله تعالى  على رؤوس الأشهاد وقالوا: من باح بالسرّ استحق القتل ((اليواقيت والجواهر))  للشعراني (ص17) ط  مصطفى البابي الحلبي مصر. .
وقد ذكر الدباغ حكايات كثيرة عن الذين لم يكتموا السرّ فابتلاهم الله ببلايا عديدة، من القتل والصلب والحرق والعمى وغير ذلك انظر ((الإبريز ))  للدباغ (ص 12 ). .
وكان منهم الحلاج، لأنه لم يقتل إلا لإفشاء سرّه انظر ((تذكرة الأولياء))  لفريد الدين العطار (ص 252) ط  باكستان. .
وكما يروون أن الخضر عبر على الحلاج وهو مصلوب، فقال له الحلاج: (هذا جزاء أولياء الله ؟ فقال له الخضر: نحن كتمنا فسلمنا، وأنت بحت فمتّ  ((شرح حال الأولياء))   لعز الدين المقدسي مخطوط ورقة (251). .
وكما رووا عن أبي بكر الشبلي أنه قال: (كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت ((أربعة نصوص ))  (ص 19) بتحقيق ماسينيون ط باريس. .
وننقل أخيرا أن أحمد بن زروق، وابن عجيبة ذكرا عن الجنيد أنه كان يجيب عن المسألة الواحدة بجوابين مختلفين، فكان يجيب هذا بخلاف ما يجيب ذاك انظر ((قواعد التصوف ))   لابن زروق (ص 11). ط  القاهرة،  أيضا ((إيقاظ الهمم))  لابن عجيبة (ص 144). .
هذا عين ما رواه الشيعة على محمد الباقر كما ذكر الكليني عن زرارة بن أعين أنه قال:
(سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني. ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه ؟
فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم الناس علينا، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.
قال: ثم قلت لأبي عبد الله عليه السلام: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب أبيه   ((الأصول من الكافي))  كتاب فضل العلم باب اختلاف الحديث (1/ 65). ط  طهران. .
فهذا هو المبدأ الخطير الآخر الذي أخذه المتصوفة من الشيعة ليكونوا حزبا سرّيا يعمل في الخفاء لهدم مبادئ الإسلام وتعاليمه، ولتأسيس ديانة جديدة تعمل لتوهين القوى الإسلامية ونشاط المسلمين لنشر الكتاب والسنة، والتقاعد عن الجهاد والغزوات، وبناء المجتمع الإسلامي على أسس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد وضعناه أمام الباحثين والقراء مع المقارنة بين أفكار الآخذين والذين أخذ عنهم، معتمدين على أوثق الكتب وأثبتها وأهمها لدى الطرفين.التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير/ ص 236


انظر أيضا: