موسوعة الفرق

المبحث الثالث: نزول الوحي وإتيان الملائكة


وبعد هذا نرجع إلى أفكار الصوفية الأخرى ومعتقداتهم الخاصة بهم، لنرى التشيع المتستر الظاهر فيها، وتأثيره خفياً جلياً ليرى الباحث والقارئ منهل التصوف ومنبعه، مصدره ومأخذه.
فإن الشيعة يرون بأن النبوة لم تختم على محمد صلوات الله وسلامه عليه، حيث لم يكن وحده في زمانه الذي كان ينزل عليه الوحي، ويأتي إليه الملك، ويكلمه الله من وراء حجاب، بل كان هناك شخص آخر في زمانه وبعده، كان له تلك الأوصاف كلها، بل وأكثر منها.
حيث أن رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يكلمه الله إلا وحياً، أو من وراء حجاب، أو بإرسال رسول، فيوحي بإذنه ما يشاء.
وأما الإمام فكان ينزل عليه الوحي، ويرسل إليه رسول، ويكلمه الله ويناجيه بلا حجاب، وقد أعطي خصالا لم يسبقه إليها أحد، ثم توارث هذه الأوصاف من خلفه بعده إلى خاتم الأئمة.
ولقد ورد في كتب الشيعة الإثني عشرية – لا في كتب الإسماعيلية  حيث إن الإسماعيلية يرون النبوة مقتسمة بين محمد صلى الله عليه وسلم،  وعلي رضي الله عنه،  فكان رسول الله محمد ناطقا بينما كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه صامتا،  وهو الأساس والأصل. فانظر لتفصيل ذلك كتابنا ((الإسماعيلية تاريخ وعقائد)). والغلاة  لأنهم يعتقدون أن جبريل اشتبه عليه فنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بدل أن ينزل على عليّ رضي الله عنه،  وطائفة منهم ترى الألوهية المتجسدة في عليّ رضي الله عنه،  لا النبوة فحسب. - وفي أصحها عندهم ما ينصّ على ذلك مثل ما ذكر الكليني – وهو كالبخاري عند أهل السنة – في كافيّه وهو أحد الأصول الأربعة الشيعية،  وصحاحهم. عن جعفر الصادق – الإمام المعصوم السادس لدى القوم – أنه قال:
(ما جاء به عليُّ عليه السلام آخذ به وما نهي  عنه انتهي  عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الفضل على جميع من خلق الله عز وجل، المتعقّب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حدّ الشرك بالله، كان أمير المؤمنين عليه السلام باب الله الذي لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيراً ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار وأنا الفاروق الأكبر وأنا صاحب العصا والميسم ولقد أقرّت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقرّوا به لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الربّ وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعى فيكسى، وادعى فأكسى ويستنطق واستنطق فأنطق على حد منطقه، ولقد أعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلي علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب ما غاب عني   ((الأصول من الكافي))  (1/ 196،  197) ط إيران.
ونقل محمد بن حسن الصفار شيخ الكليني وأستاذه، الذي يعدّونه من أصحاب إمامهم الحادي عشر – حسب زعمهم – روايات كثيرة في صحيحه لإثبات نزول الوحي على أئمتهم، ونزول الملائكة عليهم تحت عناوين كثيرة في أبواب شتى، منها ما رواها عن حمران بن أعين أنه قال: (قلت لأبي عبد الله (جعفر) عليه السلام: جعلت فداك، بلغني أن الله تعالى  قد ناجى عليا عليه السلام ؟ قال: أجل، قد كان بينهما مناجاة بالطائف نزل بينهما جبريل   ((بصائر الدرجات للصفار ))  الباب السادس عشر (ص430) ط إيران.
لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم خيبر، فتفل في عينيه وقال له: إذا أنت فتحتها فقف بين الناس، فإن الله أمرني بذلك، قال أبو رافع: فمضى عليّ عليه السلام وأنا معه، فلما أصبح افتتح خيبر ووقف بين الناس و أطال الوقوف، فقال الناس: إن عليا عليه السلام يناجي ربه، فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها، قال أبو رافع: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: إن عليا عليه السلام وقف بين الناس كما أمرته، قال قوم منهم: (إن الله ناجاه، فقال: نعم يا رافع، إن الله ناجاه يوم الطائف ويوم عقبة ويوم حنين، ويوم غسل رسول الله  أيضا (ص431).
ومثل هذه الروايات كثيرة لا تعدّ ولا تحصى وقد أشبعنا الكلام في هذا الخصوص في كتابنا ((الشيعة والسنة ))   وقد صدرت له حتى اليوم أكثر من ثلاثين طبعة و ((الشيعة وأهل البيت))  و ((الشيعة والتشيع فرق وتاريخ))  وكذلك كتابنا الجديد ((بين الشيعة وأهل السنة))،  ومن أراد الاستزادة  فليرجع إلى تلك.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يرى الشيعة أن أئمتهم أولئك أفضل من الأنبياء كما صرح بذلك الكليني أن الإمامة فوق النبوة والرسالة والخلة حيث نقل رواية عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال: (إن الله اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا، وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما كتاب ((الحجة من أصول الكافي )) (1/ 175) ط إيران، ومثله نقل عن أبيه أيضا.
وروى أيضا عن يوسف التمار أنه سمع جعفر بن الباقر أنه قال: (ورب الكعبة، ورب البنية –ثلاث مرات – لو كنت بين موسى والخضر عليهما السلام لأخبرتهما أني أعلم منهما، و لأنبئتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة ((الكافي في الأصول ))  (1/ 261) ط إيران.
وعنه أنه قال: (إني لأعلم ما في السموات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة وما في النار، وأعلم ما كان وما يكون  أيضا باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان،  وأنه لا يخفى عليهم الشيء (1/ 261) ط إيران.
وقد بوب الحر العاملي صاحب موسوعة حديثية شيعية كبيرة بابا مستقلا بعنوان (الأئمة الاثني عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم، وأن الأنبياء أفضل من الملائكة).
ثم أورد تحته روايات عديدة، منها ما رواها عن جعفر أنه قال: (إن الله خلق أولي العزم من الرسل، وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ما لم يعلمهم، وعلمنا علم الرسول وعلمهم ((الفصول المهمة في أصول الأئمة ))   للحر العاملي (ص152) ط إيران.
وعلى ذلك قال الخميني زعيم شيعة إيران اليوم في كتابه (ولاية الفقيه) ما نصّه: (إن من ضروريات مذهبنا أنه لا ينال أحد المقامات المعنوية الروحية للأئمة حتى ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما روي عندنا بأن الأئمة كانوا أنوارا تحت ظل العرش قبل تكوين هذا العالم.... وأنهم قالوا: إن لنا مع الله أحوالا لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهذه المعتقدات من الأسس والأصول التي قام عليها مذهبنا ((ولايت فقيه در خصوص حكومت إسلامي)) لنائب الإمام الخميني تحت باب ولايت تكويني من الأصل الفارسي (ص58) ط طهران.
فهذه هي عقائد الشيعة الإثني عشرية في أئمتهم بأنه يأتي إليهم جبريل، وينزل عليهم الوحي، ويكلمهم الله من وراء حجاب، ويناجيهم من دون حجاب، وأن النبوة لم تنقطع ولم تختم بمحمد صلوات الله وسلامه عليه، وأن الولاية أعظم وأفضل من النبوة والرسالة، وعلمهم بدون واسطة فصاروا يعلمون علم ما كان وما يكون، وفضلهم على الخلائق من الأنبياء والرسل.
والنصوص والروايات في هذا الخصوص جاوزت المئات، وعليها أسست وبنيت الديانة الشيعية نتيجة مؤامرة يهودية للقضاء على الإسلام ودعوة خاتم النبيين الناطق بالوحي صلى الله عليه وسلم.
هذا، وبعد هذا عندما نرجع إلى آراء الصوفية، وأفكارهم، عقائدهم ومعتقداتهم، كتبهم ورسائلهم، رواياتهم ومقولاتهم، تصريحاتهم وعباراتهم، نجد معظم هذه الأفكار وطابعها واضحا جليا، بل إنها عين هذه الترهات والخزعبلات، مبثوثة منشورة في كتب الأولين منهم والآخرين. وهاهي النصوص: فيقول الصوفي الكبير عبد القادر الحلبي المعروف بابن قضيب البان: (كل ما خصّت به الأنبياء، خصّت به الأولياء ((المواقف الإلهية ))  لابن قضيب البان المتوفى 1040هـ (ص160) ملحق بكتاب ((الإنسان الكامل))   لعبد الرحمن البدوي ط وكالة المطبوعات الكويت 1976م.
وما هي اختصاصات الأنبياء غير الوحي، ونزول الملائكة، وكلام الربّ معهم، وإخبارهم عن الغيب، وكونهم معصومين عن الخطأ والزلل في تبليغ رسالات الله وسوف نفرد للعصمة كلاما في محله إن شاء الله. ، التي يريد ابن البان إشراك غيرهم معهم من الصوفية ؟
وهل لسائل أن يسأل: أو بعد مشاركة الغير يبقى الاختصاص اختصاصا ؟
وقبل أن نتعمق في هذا نريد أن نضع النقاط على الحروف، كي لا يتوهم المتوهم أننا نلزم القوم على ما لا يتقولونه ويعتقدونه. فنثبت من كتبهم أنفسهم، وبعباراتهم هم ما يبرهن قولنا، فيقول الشيخ الأكبر للصوفية رادّا على الغزالي: إن الغزالي  غلط في التفريق بين نزول الملك على النبي والوليّ، مع أن النبي والوليّ كلاهما ينزل عليه الملك ((الإبريز ))   لعبد العزيز الدباغ (ص151) ط مصر.
وقد ذكر الشعراني أيضا بقوله: (فإن قلت: قد ذكر الغزالي  في بعض كتبه: إن الفرق بين تنزّل الوحي على قلب الأنبياء وتنزله على قلوب الأولياء نزول الملك، فإن الوليّ يلهم ولا ينزل عليه ملك قط، والنبي لا بد له في الوحي من نزول الملك به، فهل هذا صحيح ؟
فالجواب كما قاله الشيخ في الباب الرابع والستين وثلاثمائة: أن ذلك غلط... قال الشيخ: وسبب غلط الغزالي  وغيره في منع تنزل الملك على الوليّ عدم الذوق، وظنهم أنهم قد علموا بسلوكهم جميع المقامات ولما  ظنوا ذلك بأنفسهم ولم يروا ملك الإلهام نزل عليهم أنكروه، وقالوا: ذلك خاص بالأنبياء، فذوقهم صحيح وحكمهم باطل، مع أن هؤلاء الذين منعوا قائلون بأن زيادة الثقة مقبولة، وأهل الله كلهم ثقات.
قال: ولو أن أبا حامد وغيره اجتمعوا في زمانهم بكامل من أهل الله وأخبرهم بتنزل الملك على الوليّ لقبلوا ذلك ولم ينكروه. قال: وقد نزل علينا ملك فلله الحمد  ((اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ))   للشعراني (2/ 85) ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة.
ولا ندري كيف يرد على الغزالي  وهو القائل: (ومن أول الطريق تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد.
ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق ((المنقذ من الضلال  ))  للغزالي (ص127) المنشور في مجموعة مؤلفات الدكتور عبد الحليم محمود ط دار الكتاب اللبناني بيروت الطبعة الأولى 1979 م. أيضا ((المنقذ من الضلال)) (ص50) بنجاب الباكستان.
هذا ويقول ابن عربي في كتابه (الجواب المستقيم عما سأل عنه الترمذي الحكيم) زيادة على نزول الملك على الولي ّ: (وليس الأمر كذلك، فقد رآه الأولياء في حال حديثه لهم، فكل قال ما شاهد... ومشهده صحيح، وهذا كله إذا كان الحديث من الملك والروح  ((الجواب المستقيم ))   لابن عربي مخطوط ورقة ب 246 المندرج في كتاب  ((ختم الأولياء))  للحكيم الترمذي (ص221) ط المطبعة الكاثوليكية بيروت بتحقيق عثمان إسماعيل يحيى.
يعني أن الوليّ ينزل عليه الملك ويحدثه ويشاهده الوليّ ويراه وقت نزوله عليه، وكلامه به.
وبمثل ذلك يقول صوفي قديم آخر نجم الدين الكبري المتوفى 618 هـ أن الملائكة تنزل على الصوفية انظر ((فوائح الجمال وفواتح الجلال ))   لنجم الدين الكبري (ص10).
و بمثل ذلك قال الدباغ، وبعبارة أكثر وضوحا من هذه العبارات: (وأما ما ذكروه في الفرق بين النبي والوليّ من نزول الملك وعدمه فليس بصحيح، لأن المفتوح عليه سواء كان وليا أو نبيا لا بد له أن يشاهد الملائكة بذواتهم على ما هم عليه، ويخاطبهم ويخاطبونه، وكل من قال: إن الوليّ لا يشاهد الملك و لا يكلمه فذاك دليل على أنه غير مفتوح عليه ((الإبريز ))   للدباغ (ص151).
ونقل النفزي الرندي عن بعض المشايخ أنه قال: (إن الملائكة تزورني فآنس بها، وتسلم عليّ فأسمع تسليمها ((غيث المواهب العلية ))   للنفزي الرندي (1/ 262 ).
وليس عامة الملائكة فحسب، بل جبريل أيضا كما ينص على ذلك الشعراني ناقلا عن الشيخ عبد الغفار القوصي أنه قال في كتابه المسمّى بـ (الوحيد): (أنّ الشيخ تاج الدين بن شعبان كان إذا سأله إنسان في حاجة يقول له: اصبر حتى يجيء جبريل ((الأخلاق المتبولية ))   للشعراني بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود (1/ 454) ط مطبعة حسان القاهرة.
وبذلك يقول ابن عربي أن القطب ينزل على قلبه الروح الأمين حيث يذكر في كتابه (مواقع النجوم): (وهذا المقام (أي مقام القطب) وهذه أسراره  رفع الحجاب وأشرقت أنواره وبدا هــلال التــــــــمّ يســــــطع نــــــــــــــــوره  للناظرين وزال عنه أســـــراره وتنـــــزل الـــــــروح الأميــــــــــــــــن لقـــــلبه  يوم العروبة وأنقضت أوطاره ((مواقع النجوم ))   لابن عربي (ص102) الطبعة الأولى 1325 هـ مطبعة السعادة مصر.
وينزل عليه بالأمر والنهي كما نص على ذلك الدباغ بقوله: (ينزل الملك على الوليّ بالأمر والنهي  ((الإبريز ))   للدباغ (151). (وتصير قلوبهم مهبطا للوحي) إبراهيم المتبولي: ((الأخلاق المتبولية ))   للشعراني (ص100 ). ويسمعون كلام الله (فإذا تحقق الصوفي بهذا الوصف صار وقته سرمدا، وشهوده مؤبدا، وسماعه متواليا متجددا يسمع كلام الله تعالى ) ((عوارف المعارف ))  للسهروردي (ص27). و (يتلقاهم ملائكة الله مشرقين، يحيونهم بتحايا الملكوت، ويصبون عليهم ماء النبع من ينبوع البهاء... ويقومون في هياكل القربات، يناجون مع أصحاب حجرات العزة ويسمعون صوتا كصوت رعد أو دويّ في الدماغ) ((حكمة الإشراق ))  لشهاب الدين السهروردي (ص242 – 244)  نقلا عن  ((ختم الأولياء))  للترمذي (ص466) وما بعد.
ويقول السهروردي المقتول سنة 587 هـ هذا أيضا أن الأولياء، ويسميهم إخوان التجريد (يتعلمون العلم من روح القدس بلا تعلم بشرى، وتطيعهم مادة العالم العنصري، وينذرون الكون ويخبرونه بالجزئيات الواقعة في الماضي والمستقبل ((اللمحات الإشراق ))   لشهاب الدين السهروردي المورد السادس (ص172،  173)  المندرج في كتاب يشتمل على رسائله الثلاثة باسم سه رسالة از شيخ إشراق ط مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان 1984 م. 
ويكتب الحكيم الترمذي في قضية مكالمة الله مع الوليّ: (الولاية لمن ولى الله حديثه على طريق أخرى فأوصله إليه، فله الحديث، وينفصل ذلك الحديث من الله عز وجل على لسان الحق معه السكينة تتلقاه السكينة التي في قلب المحدّث، فيقبله  ويسكن إليه   ((ختم الأولياء))  للحكيم الترمذي (ص346) ط المطبعة الكاثوليكية بيروت.
ونختم هذا على ما قاله ابن عربي في هذا الخصوص: (اعلم يا بنيّ أن العبد المحقق الصوفي إذا صفا وتحقق صار كعبة لجميع الأسرار الإلهية من كل حضرة وموقف، ويرد عليه في كل يوم جمعة ما دام في ذلك المقام ستمائة ألف سرّ ملكوتي، واحد منها إلهي، وخمسة أسرار ربانية، ليس لها في حضرة الكون مدخل ((مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار ))   لابن عربي (ص171) ط مطبعة السعادة مصر 1325هـ. وليس هذا فحسب، بل يقولون بعروج المتصوفة إلى السماء، ووقوفهم بين يدي الربّ، ومناجاتهم به، وتكليمه إياهم، فيحكي ابن البان عن نفسه: (أوقفني الحق على بساط الأسرار... وارتقيت إلى السماء الأولى... ثم ارتقينا إلى السماء الثانية... ثم انتهينا إلى السماء السابعة... وفيها ملك على كرسي من نور... وفي هذه السماء رضوان خازن الجنان، وأجمل الملائكة من جنده، وفيها إسرافيل رئيس عالم الجبروت، وهو الذي بشرني بالقرب والمنزلة الكريمة عند ربي، وبالسعادة في الآخرة والشفاعة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذه السماء رأينا إبراهيم الخليل مسندا إلى البيت المعمور... ثم انتهينا إلى سبعين حجابا آخر... حتى انتهيت إلى آخر حجاب هناك، وإذا بكرسي من اللؤلؤ منصبة قوائمه من الجوهر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، فأخذ آخذ بيدي وأجلسني عليه، ثم نزّل علىّ شيء ودخل جوفي من حيث لا أعلم، فقال لي شيئا في قلبي. ها قد أكرمك مولاك بالسكينة الربانية. فلما أحسّ باطني بها سكن كل جارحة فيّ. فكأني لم أر أشياء ولم يهلني شيء.
ثم نوديت من مكان قريب. وذلك من جهاتي الستّ: يا حبيبي و مطلوبي، السلام عليك، فغمضت عينيّ، وكنت أسمع بقلبي ذلك الصوت حتى أظنه من جوارحي لقربه مني، ثم نوديت: انظر عليّ، ففتحت عينيّ فصرت كلي أعينا، وكأن في باطني ما أراه في ظاهري، وصرت كأني برزخ بين كونين وقاب، كما يرى الرائي عند النظر في المرآة ما بخارجها. ثم سمعت بقارئ يقرأ قوله: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
وإذا بذلك الحجاب قد رفع وأذن لي بالدخول. ولما دخلته رأيت الأنبياء صفوفا صفوفا ودونهم الملائكة، ورأيت أقربهم للحق أربعة أنبياء، ورأيت أولياء أمة محمد أقرب الناس إلى محمد وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى  وأقرب إليه أربعة أولياء، فعرفت منهم السيد محيى الدين عبد القادر، وهو الذي تلقاني إلى باب الحجاب، وأخذ بعضدي حتى دنوت من سيدنا محمد صلى الله عليه وآله، فناولني يمينه فأخذته بكلتا يديّ، فلا زال يجذبني ويدنيني حتى ما بقي بيني وبين ربي أحد، فلما حققت النظر في ربي ورأيته على صورة النبي، إلا أنه كالثلج أشبه شيء أعرفه في الوجود من غير رداء ولا ثياب. ولما وضعت شفتي على محل منه لأقبله أحسست ببرد الثلج سبحانه وتعالى، فأردت أخر صعقا، فمسكني سيدنا محمد صلى الله عليه وآله ((المواقف الإلهية ))   لابن البان (ص164 - 169).
وأما ابن عربي فيجعل لعروجه محاكيا المعراج النبوي الشريف ويقول: (بينما أنا نائم وسر وجودي متهجد قائم جاءني رسول التوفيق، ليهديني سواء الطريق، ومعه براق الإخلاص، عليه لبد الفوز ولجام الإخلاص، فكشف عن سقف محلىّ، وأخذ في نقضى وحلىّ، وشق صدري بسكين السكينة، وقيل لي: تأهب لارتقاء الرتبة المكينة، وأخرج قلبي في منديل، لآمن من التبديل، وألقى في طست الرضا، بموارد القضا، ورمى منه حظ الشيطان، وغسل بماء: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان... ثم أتيت بالخمر واللبن، فشربت ميراث تمام اللبن، وتركت الخمر حذرا أن أكشف السر بالسكر... استفتح لي سماء الأجسام فرأيت سر روحانية آدم عليه السلام... فاستفتح الرسول الوضاح، سماء الأرواح... قال لي: مرحبا وأهلا – إلى آخر الخرافات والمختلقات  انظر كتاب ((الإسراء  ))   لابن عربي (ص18) من ((رسائل ابن عربي))  الطبعة الأولى ص حيدر أباد دكن الهند 1367 هـ.
ويقول أحد من المتقدمين من الصوفية نجم الدين كبري المقتول 618 هـ:
(أنه أيضا ممن عرج به إلى السماء انظر ((فوائح الجمال وفواتح الجلال ))   لنجم الدين الكبري بتصحيح دكتور فريتزمائر أستاذ بجامعة بازيل بسويسرا مطبعة فرانتزشتاينز ويسبادن ألمانيا  1957م. كما نقل عن أبي الحسن الخرقاني أنه قال: (صعدت ظهيرة إلى العرش لأطوف به فطفت عليه ألف طوفة أو كما قال، ورأيت حواليه قوما ساكنين مطمئنين فتعجبوا من سرعة طوافي وما أعجبني طوافهم، فقلت: من أنتم، وما هذه البرودة في الطواف ؟
فقالوا: نحن ملائكة، ونحن أنوار، وهذا طبعنا لا نقدر أن نجاوزه، فقالوا: ومن أنت وما هذه السرعة في الطواف ؟ فقلت: بل أنا آدميّ، وفيّ نور، ونار هذه السرعة من نتائج نار الشوق)  انظر ((فوائح الجمال وفواتح الجلال ))   لنجم الدين الكبري (ص13).
والجيلي كذلك ذكر عروجه ومعراجه، ورؤيته لسدرة المنتهي  وتجليات الربّ تبارك وتعالى  انظر ((الإنسان الكامل))  للجيلي الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى (2/ 12 - ‍‍‍13).
وكذلك يذكر النفزي الرندي المتوفى 792 هـ في تفسير قوله تعالى: وملكا كبيرا:
(أنه يرسل الله تعالى  الملك إلى وليه، ويقول له: استأذن على عبدي، فإن أذن لك فادخل، وإلا فارجع، فيستأذن عليه من سبعين حجابا، ثم يدخل عليه ومعه كتاب من الله عز وجل عنوانه: من الحيّ الذي لا يموت إلى الحيّ الذي لا يموت، فإذا فتح الكتاب وجد مكتوبا فيه عبدي، اشتقت إليك فزرني، فيقول: هل جئت بالبراق ؟
فيقول: نعم، فيركب البراق، فيغلب الشوق على قلبه، فيحمله شوقه، ويبقى البراق إلى أن يصل إلى بساط اللقاء ((الإنسان الكامل))  للجيلي الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى (ص65 -  66 ).
وهناك آخرون كثيرون ادعوا عروجهم إلى السماء، ومعراجهم أو مكالمتهم الرب، ومخاطبتهم إياه، ومنهم صالح بن بان النقا السوداني انظر كتاب ((الطبقات ))  لمحمد ضيف الله الجعلي الفضلي (ص 105) ط لبنان.
ودفع الله بن محمد الكاهلي الهذلي السوداني ((الطبقات ))  لمحمد ضيف الله الجعلي الفضلي (ص89). وفتح الله بوراس القيرواني انظر ((الوصية الكبرى ))   لعبد السلام الفيتوري (ص74) ط طرابلس ليبيا 1976 م. ومحمد بن قائد اللواني العراقي ((الجواب المستقيم ))  لابن عربي ورقة أ،  ب المنقول من كتاب  ((ختم الأولياء))  للترمذي (ص224). وأبو العباس المرسي انظر ((النفحة العلية في أوراد الشاذلية ))  (ص 230). ومثل هؤلاء كثيرون لا يعدون ولا يحصون. ويذكر الصوفي القديم المشهور عزيز الدين النسفي عن عروج المتصوفة إلى السماء:
(إن بعض الصوفية يعرجون إلى السماء الأولى ويطوفون حولها، وبعضهم يتجاوزون من السماء الأولى... وبعضهم يصلون إلى العرش إذا أمكن لهم  انظر ((زبدة الحقائق ))  لعزيز الدين نسفي (ص 58) تصحيح وتقديم حق وردي ناصري ط كتابخانة طهوري  طهران.
هذا بالنسبة للعروج، وأما من ناحية مكالمة الربّ لهؤلاء المتصوفة فللأهمية ننقل عبارة الجيلي كاملة، فيقول تحت عنوان (تجليّ الصفات): (ومن المكلمين من يذهب به الحق من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح وهؤلاء أعلى مراتب. فمنهم من يخاطب في قلبه، ومنهم من يصعد بروحه إلى سماء الدنيا، ومنهم إلى الثانية والثالثة كل على حسب ما قسم له، ومنهم من يصعد به إلى سدرة المنتهي  فيكلمه الله هناك، وكل من المكلمين على قدر دخوله في الحقائق تكون مخاطبات الحق له لأنه سبحانه وتعالى  لا يضع الأشياء إلا في مواضعها. ومنهم من يضرب له عند عند تكليمه إياه نور له سرادق من الأنوار. ومنهم من ينصب له منبرا من نور. ومنهم من يرى نورا في باطنه فيسمع الخطاب من تلك الجهة النورية، وقد يرى النور كثيرا وأكثر مستديرا ومتطاولا. ومنهم من يرى صورة روحانية تناجيه، كلّ ذلك لا يسمى خطابا، إلا إنْ أعلمه الله أنه هو المتكلم، وهذا لا يحتاج فيه إلى دليل، بل هو على سبيل الوهلة فإن خاصية كلام الله لا تخفى، وأن يعلم أن كل ما سمعه كلام الله فلا يحتاج هناك إلى دليل ولا بيان، بل بمجرد سماع الخطيب يعلم العبد أنه كلام الله، وممن صعد به إلى سدرة المنتهي  من قيل له حبيبي إنيتك هي هويتي وأنت عين هو وما هو إلا أنا، حبيبي بساطتك تركيبي وكثرتك واحديتي، بل تركيبك بساطتي وجهلك درايتي، أنا المراد بك أنا لك لا لي، أنت المراد بي أنت لي لا لك، حبيبي أنت نقطة عليها دائرة الوجود فكنت أنت العابد فيها والمعبود، أنت النور أنت الظهور أنت الحسن و الزين كالعين للإنسان والإنسان للعين:


أيا روح روح الروح والآية الكبرى





 ويا سلوة الأحزان للكبد الحرّى


ويا منتهي  الآمـــــال يا غاية المنى


 


 حديثك ما أحلاه عندي ومــا أمرا


ويا كعبة التحقيق يا قبلة الصـــــفا




ويا عرفــان الغيب يا طلعة الغرا


أتيناك أخلفناك في مــــــــــلك ذاتنا




تصرف لك الدنيا جميعا مع الأخرى


فلولاك ما كنا ولولاي لم تــــــــكن




فكنت وكنا والحقيـــــــقة لا تدرى


فإياك نـــــعني بالمـــــعزة والغنى




وإياك نعني بالفقيـــــــــر ولا فقرا   ((الإنسان الكامل))  لعبد الكريم الجيلي (ص 65 - 66) الطبعة الرابعة مصطفى البابي الحلبي 1402 هـ.

  فلينظر الباحث، وليتعمق و هل بقي هناك شيء خفي بعد هذا كله ؟
ولكننا لتوثيق ما هو موثق نورد نصوصا أخرى من أكابر القوم الآخرين، وأعاظمهم.
منها ما نقل المتصوفة عن أبي يزيد البسطامي أنه كثيرا ما كان يقول للفقهاء:
(أخذتم علمكم ميتا عن ميت، ونحن أخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت  ((الجواهر والدرر ))  للشعراني بهامش ((الإبريز ))  (ص 268)،  أيضا ((ذخائر الأعلاق ))  لابن عربي (ص 153).
وهو الذي يذكرون عنه أنه ذكر معراجه ومكالمته الرب – تعالى  الله عما يقولون به علوا كبيرا – فيقول: (أدخلني في الفلك الأسفل، فدوّرني في الملكوت السفلي، فأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى، ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوّف بي في السموات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش.
ثم أوقفني بين يديه فقال لي: سلني أيّ رأيت حتى أهبه لك، فقلت: يا سيدي ما رأيت شيئا استحسنته فأسألك إياه، فقال: أنت عبدي حقا تعبدني لأجلي صدقا لأفعلن بك ((قوت القلوب ))  لأبي طالب المكي (2/ 70)،  كذلك ((محاسن المجالس ))  لابن العريف ((ص 77 ))،  أيضا ((غيث المواهب العلية ))  للنفزي الرندي (ص 305).
ونقل الآخرون الكثيرون عنه أيضا أنه قال: (رفعني مرة فأقامني بين يديه، وقال لي: يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك. فقلت: زيّني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا  انظر كتاب ((اللمع ))  للطوسي (ص 461). ونقلوا مثل ذلك عن السري السقطي رواية عن الجنيد أنه قال: بتّ عند سري ليلة، فقال لي: أنائم أنت ؟ فقلت: لا. فقال: أوقفني الحق بين يديه، فقال: أتدري لم خلقت الخلق ؟ قلت: لا. قال: خلقتهم فادّعوا محبتي، فخلقت الدنيا، فاشتغل بها من عشرة آلاف تسعة آلاف، وبقي ألف، فخلقت الجنة فاشتغل بها تسعمائة، وبقي مائة، فسلطت عليهم شيئا من بلائي، فاشتغل تسعون، وبقي عشرة، فقلت لهم: لا الدنيا أردتم، ولا في الجنة رغبتم، ولا من البلاء هربتم، فماذا تريدون ؟
قالوا: إنك تعلم ما نريد. فقال: سأنزل عليكم من البلاء ما لا تطيقه الجبال، أفتثبتون ؟
قالوا: ألست أنت الفاعل ؟ قد رضينا بذلك. نحمد ذلك بك وفيك ولك. فقال: أنتم عبادي حقا ((روضة التعريف ))  للسان الدين بن الخطيب (ص 537 - 538) ط دار الفكر العربي القاهرة. ورووا عن الجنيد أنه قال: (لي ثلاثون سنة أتكلم مع الله تعالى ) ((طبقات الشعراني))  (ص 200).
وعن صوفي قديم آخر سهل بن عبد الله التستري أنه قال: (أنا منذ ثلاثين سنة أكلم الله والناس يتوهمون أني أكلمهم   ((التعرف لمذهب أهل التصوف))  بتحقيق محمود أمين النواوي (ص 172) ط القاهرة الطبعة الثانية 1980م.
والشعراني نقل عن علي الخواص أنه قال: (قد سمعت سيدي إبراهيم المتبولي يقول كثيرا:
لي ثلاثون سنة وأنا مقيم في حضرة الله لم أخرج، وجميع ما أتكلم به إنما أكلم به الحق سبحانه وتعالى انظر ((الأخلاق المتبولية ))  للشعراني (1/ 482). والرفاعية أيضا لا يريدون أن يقل شأن مرشدهم وهاديهم، وتنحط مكانته في أعين مريديه ومقلديه، فنقلوا عنه أنه كان كثيرا بينه وبين الربّ مناجاة ومخاطبات فنقلوا عن ابن جلال في جلاء الصد وا نصه: (نقل عن السيد إبراهيم الأعزب أنه قال: كنت جالسا في الغرفة مع السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى  عنهما، ورأسه على ركبتيه، فرفع رأسه وضحك بأعلى صوته فضحكت أنا أيضا ثم ألححت عليه ليخبرني عن سبب ضحكه، فقال: أي إبراهيم، ناداني العزيز سبحانه: أني أريد أن أخسف الأرض، وأرمي السماء على الأرض. فلما سمعت هذا النداء تعجبت، وقلت: إلهي، من ذا الذي يعارضك في ملكك وإرادتك ؟ قال سيدي إبراهيم: فأخذته الرعدة ووقع على الأرض وبقي في ذلك الحال زمانا طويلا) انظر ((قلادة الجواهر في ذكر الرفاعي وأتباعه الأكابر ))  للسيد محمد أبي الهدى الرفاعي (ص 180). وحينما رأى الشاذلية هذه المكانة العالية، والمنزلة الرفيعة لمرشد الرفاعية، الرفاعي، لم يرضوا أن يتخلفوا عنهم، فقالوا: إن ما لشاذلينا لم تكن مخاطبات فحسب، بل إن الله جل مجده هو الذي سماه بهذا الاسم، فيذكر الإمام الأكبر السابق للأزهر، الدكتور عبد الحليم محمود نقلا عن أبي الحسن الشاذلي كيفية نزوله من جبل زغوان، ومغادرته خلوته، فيقول: (قيل لي: يا علي: اهبط إلى الناس ينتفعوا بك.
فقلت: يا ربّ أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخالطتهم. فقيل لي: انزل فقد أصحبناك السلامة، ودفعنا عنك الملامة. فقلت: تكلني إلى الناس آكل من دريهماتهم.
فقيل لي: أنفق يا علي، وأنا الملي، إن شئت من الجيب، وإن شئت من الغيب.
ونزل الشاذلي رضي الله عنه من على الجبل ليغادر شاذلة، ويستقبل مرحلة جديدة، فقد انتهت المرحلة الأولى التي رسمها له شيخه.
وقبل أن نغادر معه شاذلة إلى رحلته الجديدة نذكر ما حكاه رضي الله عنه فيما يتعلق بنسبته إلى شاذلة، قال: قلت: يا ربّ لم سميتني بالشاذلي ؟ ولست بشاذلي ؟
فقيل لي: يا علي، ما سميتك بالشاذلي وإنما أنت الشّاذّ لي. بتشديد الذال المعجمة يعني: المنفرد لخدمتي ومحبتي   انظر كتاب الدكتور عبد الحليم محمود ((المدرسة الحديثة الشاذلية وإمامها أبو الحسن الشاذلي ))  (ص 34)،  35 ط  دار الكتب الحديثة القاهرة.
هذا ولقد نقلوا مثل هذه المكالمات والمناجاة بين ذي النون المصري والربّ تبارك وتعالى  أيضا انظر ((تذكرة الأولياء))  للعطار (ص 74) ط باكستان.
وقلما يوجد صوفي أو متصوف إلا وقد ادّعى مثل هذه الدعوى، وكتب التراجم وطبقات الصوفية مليئة بمثل هذه الأكاذيب والشناعات، والجرأة على الله، والإنتقاص من شأن نبينا صلوات الله وسلامه عليه خاتم النبيين وسيد المرسلين، حيث ينسبون إلى أنفسهم، أو إلى مرشديهم ومتصوفيهم ما لم يكن لبشر أن يحصل عليه، حتى سيد الخلائق وأفضل النبيين والمرسلين مثل ما أوردنا عنهم، ومثل مارووا عن فتح الله بوراس القيرواني أنه كان يقول:
(أشهدني الله تعالى  ما في السموات السبع وما في الكرسي وما في اللوح المحفوظ وجميع ما في الحجب، وفككت طلاسم السماوات السبع والفلك الثامن الذي فيه جميع الكواكب وجميع الفلك الثامن، وهم بنات نعش والجدي والقطب، ووصلت إلى الفلك التاسع الذي يسمونه الأطلس، ورصدت جداوله وأنا عند ذلك طفل صغير لم أبلغ الحلم ((الوصية الكبرى ))  لشيخ العروسية عبد السلام الفيتوري (ص 75) ط مكتبة النجاح طرابلس ليبيا.
وكان يقول:
(وفي الســــــماء الســـــــابعة شــــــاهدت ربي وكـــــــلّمته  
                 وفوق العــــــرش والكرسي قـــــــــــد ناداني وخاطبته
 وما في اللوح المحفوظ من الآي والأمر والنهي قد حفظته
                وبيدي بــــــــــــــــاب الجنــــــــــان قد فتحتـــــه ودخلته
وما فــــــــــيه من الحـــــــــــور العين قد رأيته وحصـــــيته
                ومــــن رآني ورأي مــــــــــــــن رآني وحضـــــر مجلسي
في جنة عدن وبــــــستانـــــها قد أســـــــكنتـــــــــــــــــــــه).
ومثل ذلك ذكر الشعراني عن الدسوقي المتوفى 776هـ حيث قال:
(أنا كل وليّ في الأرض خلعته بيدي. ألبس منهم من شئت، أنا في السماء شاهدت ربي، وعلى الكرسي خاطبته، أنا بيدي أبواب النار أغلقتها، وبيدي جنة الفردوس فتحتها. من زارني أسكنته جنة الفردوس  انظر ((الطبقات الكبرى ))  للشعراني (1/ 180).
نعوذ بالله من مثل هذه الخرافات، ولا يؤاخذنا الله على نقل ما اقترفته الأيدي الأثيمة والألسن الخبيثة، ربنا لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا إنْ هي إلا فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا و ارحمنا وأنت خير الغافرين.
ثم إن الصوفية أصّلوا قاعدة وحكما عاما، وقالوا: (ما كان وليّ متصل بالله تعالى  إلا وهو يناجي ربه كما كان موسى عليه السلام يناجي ربه ((الطبقات الكبرى ))  للشعراني (1/ 180).
(وإذا صفا قلب الفقير صار مهبط الوحي  ((الأخلاق المتبولية ))  للشعراني (1/ 100) المنقول عن إبراهيم المتبولي. والدباغ يقول: (وكلام الحق سبحانه يسمعه المفتوح عليه إذا رحمه الله عز وجل سماعا خارقا للعادة فيسمعه من غير حرفه ولا صوت ولا إدراك لكيفية، ولا يختص بجهة دون جهة، بل يسمعه من سائر الجهات، بل ومن سائر جواهر ذاته، وكما لا يخص السماع له جهة دون أخرى، كذلك لا يخص جارحة دون أخرى يعني أنه يسمعه بجميع جواهره وسائر أجزاء ذاته فلا جزء ولا جوهر ولا سنّ ولا ضرس ولا شعرة منه إلا وهو يسمع به، حتى تكون ذاته بأسرها كأذن سامعة،، ثم ذكر اختلاف أهل الفتح في قدر السماع وبيّنه بما لا يذكر) ((الإبريز ))  للدباغ (ص 156).
(وأن معراج الصوفية، وخرقهم السماوات، ومكالمتهم الربّ، ومخاطبته إياهم جائز شرعا ونقلا، وهو المنقول عن الشاذلي، وابن عطاء الله في (لطائف المنن)، ومحمد السنوسي في كبراه، والشيخ عبد الباقي وغيرهم   ((كتاب الطبقات ))  للجعلي الفضلي (ص 107).
وقد نقل الشعراني عن الشاذلي قوله: (لا إنكار على من قال: كلّمني الله كما كلّم موسى ((مقولة الشاذلي المنقولة في طبقات الشعراني ))  (2/ 69). وأما ابن عربي القائل دوما: (حدثني قلبي عن ربي، في كتبه ورسائله، و: ما صنفت كتابا عن تدبير واختيار إلا بأمر من الله وإرشاده) انظر ((تنبيه المغترين ))  للشعراني (ص 136).
يقول في سماع الصوفي كلام الربّ عندما يبلغ الدرجة العليا، ويتحقق في مقامه، يقول:
(إنما يسمع الصوفي في هذا المقام ويمتثل ما يسمع – كما أنا ما زلت أسمع متحققا في مقامي من الحق انظر ((مواقع النجوم ))  لابن عربي (ص 164) وما بعد الطبعة الأولى 1325 هـ مطبعة السعادة مصر.
وأما إطلاعهم على الغيب، وإحاطتهم بعلم ما كان وما يكون، وإخبارهم بكل ما ظهر وما بطن فكتب القوم مليئة بهذه المختلقات، بل يمكن لقارئ كتب الصوفية والباحث في تراجمهم وطبقاتهم أن يقول: إن شخصا ما ينسب إلى هؤلاء الناس ويعدّ منهم إلا أن يكون حاملا لذلك العلم الذي هو من خاصة رب السماوات والأرض، حيث أخبر عن ذاته سبحانه تبارك وتعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ[الأنعام:59]
وقال: وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[هود:123]
وقال:  إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ[فاطر:38]
وأخبر عن نفسه بنفسه:  عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ[الرعد:9]
و:  عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[التغابن:18]
والآية التي هي نصّ في المسألة حيث أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يقول: قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ[النمل:65]
كما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينفي عن نفسه الغيب: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ[الأنعام:50]
ونقل عن مصطفاه عليه الصلاة والسلام أنه قال: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير[الأعراف:188]
وقال نبيه مخاطبا إياه: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ[المائدة:116]
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا، والأحاديث النبوية كذلك.
ولكن القوم يقولون عكس ذلك متأثرين بالتشيع، وآخذين أفكارهم ومعتقداتهم، فيقول القشيري في بيان درجات السلوك: (ثم في خلال هذه الأحوال قبل وصوله إلى هذا المقام الذي هو نهاية كان يرى جملة الكون يضيء بنور كان له حتى لم يخف من الكون عليه شيء وكان يرى جميع الكون من السماء والأرض رؤية عيان ولكن بقلبه، وكان لا يرى في هذا الوقت بعين لأنه شيء ولكن لم يكن هذه رؤية علم، بل لو تحرك في الكون ذرة أو نملة)   ((رسالة ترتيب السلوك ))  للقشيري من ((مجموعة الرسائل القشيرية ))  لعبد الكريم القشيري المتوفى 465 ط المعهد المركزي للأبحاث الإسلامية باكستان 1384 هـ. ونقل الكلاباذي عن أبي عبد الله الأنطاكي أنه قال: (إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق، فإنهم جواسيس القلوب، يدخلون في أسراركم، ويخرجون من هممكم)  ((التعرف ))  للكلاباذي (ص 33).
ويقول ابن عجيبة الحسني: (إن الحق سبحانه قسّم الخلق قسمين وفرقهم فرقتين: قسم اختصهم بمحبته، وجعلهم من أهل ولايته، ففتح لهم الباب، وكشف لهم الحجاب، فأشهدهم أسرار ذاته، ولم يحجبهم عنه بآثار قدرته ((إيقاظ الهمم))  لابن عجيبة الحسني (ص 77).
فإذا كشف الحجاب، وفتح لهم الباب (علم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى المعاد وعلم كل شيء، كيف كان ؟ وكيف هو كائن ؟ وكيف يكون ؟ وعلم ما لم يكن، ولم لا يكون ما لم يكن ؟ ولو كان ما لم يكن كيف كان يكون ؟ كل ذلك علماً أصليا حكيما كشفيا ذوقيا من ذاته لسريانه في المعلومات علما إجماليا تفصيلاً كليا جزئيا مفصلا في إجماله... ومنهم من تجلى الله عليه بصفة السمع فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات، وكلام الملائكة واختلاف اللغات، وكان البعيد عنه كالقريب   ((الإنسان الكامل))  للجيلي (1/ 63 - 64).
وقال عماد الدين الأموي: (إذا انكشفت الحجب عن القلب تجلى فيه شيء مما هو مستور في اللوح المحفوظ، ولمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم ((حياة القلوب في كيفية الوصول إلى الجنوب ))  لعماد الدين الأموي (ص 261) بهامش ((قوت القلوب ))  لأبي طالب.
وأيضا: (يشرف على الملكوت الأعظم، ويرى عجائبه، ويشاهد غرائبه، مثل اللوح، والقلم، واليمين الكاتبة، وملائكة الله تعالى  يطوفون، حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وبالبيت المعمور، ويسبحونه ويقدسونه، ويفهم كلام المخلوقين من الحيوانات والجمادات، ثم يتخطى منها إلى معرفة الخالق للكل والمالك للكل فتغشاهم الأنوار، وتتجلى لقلوبهم الحقائق ((حياة القلوب ))  (ص 275 -  276) بهامش ((قوت القلوب ))  لأبي طالب المكي.
ويقول الدباغ وهو يذكر بعض ما يشاهده المفتوح عليه وهو الولي عنده، فيقول:
(أما في المقام الأول فإنه يكاشف فيه بأمور، منها: أفعال العباد في خلواتهم.
ومنها: مشاهدة الأرضين السبع والسماوات السبع، ومنها مشاهدة النار التي في الأرض الخامسة، وغير ذلك مما في الأرض والسماء... ومن الأشياء التي يشاهدونها: اشتباك الأرضين بعضها ببعض، وكيف تخرج من أرض إلى أرض أخرى، وما تمتاز به أرض عن أرض أخرى، والمخلوقات التي في كل أرض.
ومنها: مشاهدة اشتباك الأفلاك بعضها ببعض، ما نسبتها من السماوات وكيف وضع النجوم التي فيها.
ومنها: مشاهدة الشياطين وكيف توالدها. ومنها: مشاهدة الجن وأين يسكنون ؟
ومنها: مشاهدة سير الشمس والقمر والنجوم... وأما ما يشاهده في المقام الثاني فإنه يكاشف بالأنوار الباقية كما كوشف في المقام الأول بالأمور الظلمانية الفانية، فيشاهد في المقام الملائكة والحفظة والديوان والأولياء الذين يعمرونه... وأما المقام الثالث فإنه يشاهد فيه أسرار القدر في تلك الأنوار المتقدمة.
وأما المقام الرابع فإنه يشاهد فيه النور الذي ينبسط عليه الفعل، وينحل فيه كانحلال السمّ في الماء، فالفعل كالسم والنور كالماء... وفي المقام الخامس يشاهد انعزال الفعل عن ذلك النور، فيرى النور نورا، والفعل فعلا... والمفتوح عليه لا يغيب عليه ما في أرحام الأنثى فضلا عن غيره  ((الإبريز ))  للدباغ (ص 151) وما بعد.
وكان الدباغ هذا يرى أيضا أن المتصوفة لا يعرفون الغيب فحسب، بل يعرفون الغيوب الخمسة التي ذكرها الله تعالى  في محكم كتابه أنه لا يعلمها أحد غيره بقوله: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[لقمان:34]
ولكنه ابن المبارك ينقل عنه قائلا: (قلت للشيخ: (أي عبد العزيز الدباغ) رضي الله عنه: إن علماء الظاهر من المحدثين وغيرهم اختلفوا في النبي صلى الله عليه وسلم، هل كان يعلم الخمس المذكورات في قوله:  إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[لقمان:34] ،  فقال رضي الله عنه وعن سادتنا العلماء: كيف يخفى أمر الخمس عليه والواحد من أهل التصوف من أمته الشريفة لا يمكنه التصرف إلا بمعرفة هذه الخمس ((الإبريز ))  (ص 167). والجدير بالذكر أن هذا هو القائل: (ما السماوات والأرضون السبع في نظر العبد المؤمن إلا كحلقة ملقاة في فلاة) ((الإبريز ))   (ص 242).
وأيضا: (إن الجنين إذا سقط من بطن أمه يراه العارف في تلك الحالة إلى آخر عمره ((الإبريز ))   (ص 274).
أما الرفاعي أحمد فنقلوا عنه أنه قال: (إن العبد ما يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث، ثم ترتفع صفته إلى أن تصير صفة من صفات الحق، فيطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة، ولا تحضر ورقة إلا بنظره، ويتكلم هناك عن الله بكلام لا تسعه عقول الخلائق... وكان يقول: إن القلب إذا انجلى من حبّ الدنيا وشهوتها صار كالبلّور، وأخبر صاحبه بما مضى وبما هو آت من أحوال الناس ((قلادة الجواهر في ذكر الرفاعي وأتباعه الأكابر ))  (ص 148).
ونقل ذلك الشعراني أيضا منه في طبقاته انظر ((الطبقات الكبرى ))  للشعراني (1/ 142).
ونقلوا عن الشبلي أنه قال: (لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أشعر بها أو لم أعلم بها لقلت أنه ممكور بي  مجموع مخطوط بالفاتكان عربي (رقم  1242) ورقة (51 ب -  52)،  أيضا  ((الإنسان الكامل))  للجيلي (1/ 122).
وهذا قول الله الجليّ الصريح الواضح البيّن: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ[الأنعام:59]
 ومع أمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول:  قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ[الأحقاف:9]
وقول الله عز وجل: تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إليك مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ[هود:49]
ولكن القوم عكس ذلك يقولون ما ألقى الشيطان إليهم من عقائد شيعية، ومعتقدات يهودية، وكان السحرة والكهان.
ولقد أدّب الله تبارك وتعالى  نبيه ونجيه وصفيه سيد البشر قائد النبيين والمرسلين صلى الله عليه وسلم على جوابه لمن سأله عن أصحاب الكهف وعددهم، رجاء بأن ينزل عليه الوحي، ويخبر الله عز وجل عنهم، والوحي كان ينزل، وجبريل كان يأتي، واتصاله كان قائما بالسماء فقال مرسله ومنزل الوحي عليه:  وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا[الكهف:23-24]
وقبله أقرت الملائكة بقصور علمهم، واعترافهم بعدم إحاطتهم بملكوت السماء يوم قالوا: قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ[البقرة:32] فأقرهم الله عز وجل على القصور وعدم المعرفة بالغيب بقوله:
 قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ[البقرة:33]
هذا وأما المنوفي الحسيني فينقل عن إبراهيم الدسوقي أنه كان يقول: (إن للأولياء الاطلاع   على ما هو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء وما في البر والبحر وما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء، وما في جباه الإنس والجان مما يقع لهم في الدنيا والآخرة   ((جمهرة الأولياء))  للمنوفي الحسيني (ص 242).
وأما الشاذلي فنقلوا عنه: (من عبد الله باسمه الحيّ المحيي وأكثر منه، ولا حد لأكثره، شاهد حياة كل شيء ومحييه.
ومن ذكر بهم جميعا صعدت روحه إلى الملأ الأعلى، وصعدت روحه إلى العرش، ليكتب عند الله من الكاملين الصديقين ((أبو الحسن الشاذلي ))  للدكتور عبد الحليم محمود (ص 614).
وقال أفضل الدين: (لا يعطى أحد القطبية حتى يعرف جميع عوالم هذه العروش والكراسي والسموات والأرضين بأسمائهم وأنسابهم وأعمارهم وأعمالهم ((الأخلاق المتبولية ))  للشعراني (1/ 99).
ونقل الشعراني عن إبراهيم المتبولي أنه قال: (يرتسم الوجود كله في قلب الفقير (أي الصوفي) فيراه من قلبه. وإيضاح ذلك أن القلب إذا انجلى صار كالمرآة الكبيرة، فإذا قابلها بالعالم العلوي والسفلي ارتسم كله فيها  ((الأخلاق المتبولية ))  للشعراني  (3/ 145).
وروى أيضا عن علي الخواص أنه قال: (لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب  ((طبقات الشعراني))  (1/156).
ويقول محمد ضيف الله الجعلي السوداني: (كشف الأولياء على قسمين: منهم من ينظر في اللوح فإنه لا يتغير ولا يتبدّل كسيدي علي الخواص. ومنهم من ينظر في ألواح المحور والإثبات، وعدتها ثلاثمائة وستون لوحا فإنها تتغير وتتبدّل، فإذا أخبر الوليّ بكلام ولم يقع فلا ينكر عليه بأن يقال: كذب، بل يحمل على أنه نظر في ألواح المحور والإثبات كتاب ((الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان ))  لمحمد ضيف الله الجعلي الفضلي المتوفى سنة 1224 هـ المكتبة الثقافية بيروت لبنان.
فانظر هذه الخرافة المختلقة ما أشنعها وأقبح بها.
وأما ابن عربي ومدرسته فقد تكلموا في مثل هذا كثيرا، ولا يخلو كتاب من كتبهم عن مثل هذه الخرافات والموبقات، فيقول ابن عربي: (فأما العلم اللدني، فمتعلقه الإلهيات وما يؤدي إلى تحصيلها من الرحمة الخاصة. وأما علم النور فظهر سلطانه في الملأ الأعلى قبل وجود آدم بآلاف السنين من أيام الرب.
وأما علم الجمع والتفرقة فهو البحر المحيط، الذي اللوح المحفوظ جزء منه، ومنه يستفيد العقل الأول، وجميع الملأ الأعلى منه يستمدون. وما ناله أحد من الأمم سوى أولياء هذه الأمة. وتتنوع تجلياته في صدورهم على ستة آلاف ومائتين.
فمن الأولياء من حصّل جميع هذه الأنواع، كأبي يزيد البسطامي، وسهل بن عبد الله، ومنهم من حصّل بعضها  ((شرح المسائل الروحانية ))  لابن عربي المنشور في كتاب ((ختم الولاية ))  للترمذي الملقب بالحكيم (ص 142)،  143 ط المطبعة الكاثوليكية بيروت.
ويقول في إحدى رسائله: (للأرواح الإنسانية إذا صفت وزكت معارج في العالم العلوي المفارق وغير المفارق فينظر مناظر الروحانيات المفارقة، فترى مواقع نظرهم في أرواح الأفلاك ودورانها بها، فينزل مع حكم الأدوار وترسل طرفها في رقائق التنزيلات حتى ترى مساقط نجومها في قلوب العباد، فتعرف ما تحويه صدورهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، وما تدل عليه حركاتهم... وإذا توجهت الأسرار نحو قارئها بفناء وبقاء، وجمع وفرق سقطت عليها أنوار الحضرة الإلهية من حيثها، لا من حيث الذات، فأشرقت أرض النفوس بين يديه فالتفت فعلم ما أدركه بصره وأخبر بالغيب وبالسرائر وبما تكنه الضمائر وما يجري في الليل والنهار كتاب ((التجليات ))  لابن عربي (ص 22) من مجموعة رسائله ط حيدر أباد دكن الهند 1367 هـ.
ويقول: (من يكن الحق سمعه وبصره فكيف يخفى عليه شيء ((التدبيرات الإلهية ))  لابن عربي (ص 118) ط ليدن 1336 هـ.
وقال: (يرتقي الوليّ إلى عالم الغيب فيشاهد اليمين ماسكة قلمها وهي تخطط في اللوح ((مواقع النجوم ))  لابن عربي (ص 82).
و: (من الصوفية من لا يزال عاكفا على اللوح، ومنهم من يشهده تارة تارة ((مواقع النجوم ))  لابن عربي (148).
ونقل ابن عربي في كتابه عن الجنيد أنه قال:  (العارف هو الذي ينطق عن سرّك وأنت ساكت ((مواقع النجوم ))  لابن عربي  (149).
ولقد بيّن في إحدى كتبه طريق إطلاع الصوفية على الغيب فقال: (الكشف والاطلاع   على الغيب يكون بطريق التجلي، إما بالتنزل أو بالعروج ((إنشاء الدوائر ))  لابن عربي (ص 35) ط مطبعة بريل ليدن 1336 هـ.
ويقول أيضا: (تتجلى صورة العقل في ذات الخليقة، فتلوح له أسرار والعلم المنقوشة فيه ((التدبيرات الإلهية ))  لابن عربي (ص 159)،  ومثله في (ص 171). فهذه هي آراء ابن عربي وأقواله، صريحة في معناها، جلية في مغزاها، واضحة في مرادها، لا غموض فيها ولا تعقيد، ولا تحتاج إلى التبيين والتوضيح.
وأما تلميذه محمد بن إسحاق القونوي المتوفى 673 هـ فيقول: (إن الكمل ومن شاء الله من الأفراد أهل الاطلاع   على اللوح المحفوظ، بل وعلى المقام القلمي، بل وعلى حضرة العلم الإلهي، فيشعرون بالمقدر كونه لشبق العلم بوقوعه  ((رسالة النصوص ))  لمحمد بن إسحاق القونوي (ص 40 -  41) ط مشهد إيران.
ويقول شهاب الدين السهروردي المقتول: (الأنبياء والفضلاء المتألهون يتيسر لهم الاطلاع   على المغيبات، لأن نفوسهم إما قوية بالفطرة أو تتقوى بطرائقهم وعلومهم، فينتقشون بالمغيبات، لأن نفوسهم كالمرايا المصقولة تتجلى فيها نقوش من الملكوت. فقد يسري شبح إلى الحس المشترك، يخاطبهم ألدّ مخاطبة وهو في أشرف صورة، وربما يرون الغيب بالحس المشترك مشاهدة، وربما يسمعون صوت هاتف، أو يقرؤن من مسطور ((الألواح العمادية ))  للسهروردي (ص 64) المطبوع ضمن رسائله الثلاثة باسم سه رسالة شيء إشراق بتحقيق نجف قلي الإيراني ط مركز تحقيقات فارسية إيران باكستان.
وقال لسان الدين بن الخطيب في روضته: (النفوس عند صفائها تتشبه بالملأ الأعلى، وتنتقش فيها أمثلة الكائنات المتعشقة فيه بنوع ما، وتشاهد المحجوبات، وتؤثر في العوالم السفلية  ((روضة التعريف ))  للسان اليدن ابن الخطيب (ص 463) بتحقيق عبد القادر أحمد عطاط دار الفكر العربي.
وبمثل ذلك يقول داود بن محمود القيصري: (إذا خلص الرجل، وصفا وقته، وطاب عيشه بالإلتذاذ بما يجده في طريق المحبوب، بصر باطنه، فيظهر له لوامع أنوار الغيب، وينفتح له باب الملكوت، ويلوح منه لوايح ((شرح مقدمة التائية الكبرى ))  لداود القيصري مخطوط (ص 104) نقلا عن كتاب  ((ختم الأولياء))  (ص 496).
والترمذي الملقب بالحكيم يقول: (إن الأولياء لهم علامات وعلوم، وأما ما يعرفونه من العلوم فهي (علم البدء، وعلم الميثاق، وعلم المقادير، وعلم الحروف، فهذه أصول الحكمة، وهي الحكمة العلمية، وإنما يظهر هذا العلم عن كبراء الأولياء ويقبله من له حظ في الولاية ((ختم الولاية ))  للحكيم الترمذي (ص 362).
ويقول الجيلي عبد الكريم: (كل واحد من الأفراد والأقطاب له التصرف في جميع المملكة الوجودية، ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في الليل والنهار فضلا عن لغات الطيور.
وقد قال الشبلي رحمه الله تعالى: لو دبّت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت: أني مخدوع أو ممكور بي.
وقال غيره: لا أقول: ولم أشعر بها لأنه لا يتهيأ لها أن تدبّ إلا بقوتي وأنا محركها   ((الإنسان الكامل))  للجيلي (ص122).
هذا ومثل هذا أكثر من أن يسعه كتاب، أو تشمله رسالة.التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير/ ص 159 -185

انظر أيضا: