trial

موسوعة الفرق

المبحث الخامس: ابن سبعين


ابن سبعين هو: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن سبعين الأشبيلي المرسي. قطب الدين أبو محمد أحد الفلاسفة المتصوفة القائلين بوحدة الوجود. ولد سنة أربع عشرة وستمائة وفي ((اللسان)) (624). ، ودرس العربية والآداب في الأندلس وبرع في العلوم العقلية والفلسفية حتى أجاب عن أسئلة الإمبراطور فردريك الثاني الفلسفية التي كانت تعجز العلماء والباحثين الفلاسفة قبل ابن سبعين.
يقول أصحاب (الموسوعة الميسرة): (وتدل أجوبته على سعة علمه بفلسفة أرسطو والأفلاطونية المحدثة) (1/18). .
ثم سلك الطريقة الصوفية الشوذية المنسوبة إلى أبي عبد الله الشوذي وانتقل إلى سبتة، ثم هاجر من سبتة إلى تونس فمصر، وحج إلى مكة فأقام بها، حيث أعلن مذهبه في وحدة الوجود ودعا إليه بلسانه وصنف فيه مصنفات شهرها أتباعه المعروفون بالسبعينية حتى انخدع بدعوته أمير مكة فصارت له عنده منزلة عظيمة، يقول المناوي: (شاع ذكره وعظم صيته وكثرت أتباعه على رأي أهل الوحدة المطلقة، وأملى عليهم كلاماً على رأي الاتحادية، وصنف في ذلك أوضاعاً كثيرة وتلقوها عنه وبثوها في البلاد شرقاً وغرباً) ((الشذرات)) (5/329). .
ويبدو أنه استغل مكانته عند صاحب مكة فأخذ يضايق من كان بها من علماء السنة، مما أدى إلى خروج الشيخ قطب الدين القسطلاني من مكة وأقام بمصر انظر: ((مرآة الجنان)) (4/171). .
وعلى ذلك علق الشيخ عبد القادر السندي فقال: (ومن هنا يدرك بأن العالم الإسلامي كله تقريباً إلا ما شاء الله كان تحت وطأة هؤلاء الزنادقة الحلولية بصفة عجيبة غريبة... بحكم تأثير هؤلاء على الأمراء والحكام والمسئولين في ذلك الوقت بما كان عندهم من أحوال شيطانية وأفعال منكرة شنيعة حتى في مكة أحب البقاع إلى الله تعالى. وكانت لهؤلاء سطوة وصولة وجولة وكل من يخالفهم آذوه... من أهل العلم والفضل الذين بقي عندهم شيء من الفكر الإسلامي كالشيخ القسطلاني الذي فر من مكة إلى ديار مصر لسيطرة هذا الزنديق على أمير مكة) ((التصوف في ميزان البحث)) (ص: 210). .
قلت: ومن الأقوال الكفرية المنكرة التي تنقل عنه قوله:
(لقد حجر ابن آمنة واسعاً حيث قال: لا نبي بعدي) ((العقد الثمين)) (5/329) و((اللسان)) (3/392). . ولذا (كان يجاور بغار حراء يرتجي أن يأتيه وحي كما أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بناء على ما اعتقده من استمرار النبوة وأنها مكتسبة) ((البداية والنهاية)) (13/261) ((اللسان)) (3/392). .
ولعل ذلك كان في بداية أمره وقبل أن يصل إلى قمة ضلاله وغيه، لأن القائل بوحدة الوجود غير محتاج إلى نبوة أو غيرها، لأن الكل عنده آلهة وأرباب.
مات ابن سبعين سنة تسع وستين وستمائة ((اللسان)) (3/392). بمكة. وزاد في الموسوعة الميسرة (منتحراً أو مسموماً). وخلف عدداً من الكتب أشهرها كتاب (البد) أي ما لابد للعارف منه. بين فيه مذهبه القائم على الوحدة المطلقة ورد على مذاهب الفقهاء والمتكلمين.
نماذج من فكره في هذا الباب:
أشهر مصدر من مخلفات ابن سبعين يمكن الرجوع إليه هو (رسائل ابن سبعين) التي جمعها وحققها د. عبد الرحمن بدوي، ومنه نقتبس النصوص الدالة على عقيدته في وحدة الوجود ولابد من التنبيه هنا إلى أمرين:
الأول: أن ابن سبعين يتكلم بأسلوب يغلب عليه طابع الفلسفة والسفسطة، فيظهر للناظر فيه أنه يقرر حقائق بالغة في العمق، وهو في الواقع كلام سطحي صيغ بمفردات مهلهلة مفككة. ذكر ابن دقيق العيد أنه جلس مع ابن سبعين من ضحوة إلى قريب من الظهر وهو يسرد كلاماً يعقل مفرداته ولا يعقل مركباته انظر: ((اللسان)) (3/392). .
إلا أننا نحلل من كلامه ما يحتاج إلى تحليل بالتعويل على ما ذكره أهل الخبرة به وبثقافته الفلسفية، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
الثاني: أن الوحدة التي دعا إليها ابن سبعين هي الوحدة الفلسفية المعروفة (بالصدور الفيضي) وحقيقتها: أن وجود الحق هو الثابت بدء، وأنه مادة كل شيء، والخلق منبثق منه فائض عنه، ولذا يقول ابن تيمية: إن ابن سبعين وإن قال: بأن الوجود واحد فهو يقول بالاتحاد والحلو من هذا الوجه، لأن معنى كلامه أن الحق محل للخلق انظر: ((بغية المرتاد)) (ص: 418). .
وقال الذهبي: (كان من زهاد الفلاسفة القائلين بوحدة الوجود) ((العبر)) (3/320). .
والآن إليك نماذج من كلامه:
الأول: يقول: (فإن عرفته في كل شيء عين كل شيء لا الصورة المتعينة لم تجهله في صورة أصلاً، ولم تكن ممن يتجلى له في غير الصور التي يعرفها يتعوذ منه، حتى يتجلى له في الصورة التي يعرفها فيتبعه وهذا وإن كان من السعداء فهو بعيد من أهل العلم بالله جداً، وأي معرفة لمن يعرف المطلق مقيداً بصورة ما فهذا إلى الجهل أقرب منه إلى العلم) إلى أن قال: (وأين هذا المقام من مقام من رآه مذ عرفه في كل شيء عين كل شيء سوى تقيد الشيء وتعينه بأنه هذا، فإنه لا تجوز إليه الإشارة لأنه لم تقيده صورة قط، فمن عرفه كما قلنا ورآه في كل شيء لم ينسه قط) ((رسائل ابن سبعين)) (ص: 192-193). .
قلت: كلامه في هذا النص واضح جلي في تقرير وحدة الوجود التي يدعو إليها، فإنه يشير إلى الحديث النبوي الذي يفيد أن الله تعالى يتجلى للمؤمنين يوم القيامة في غير الصورة التي يعرفونها فيتعوذون منه، ثم يظهر لهم في الصورة التي عرفوها فيسجدون له، فيقول: إن من يعتقد وحدة الوجود فيعرف أن الله عين كل شيء وأنه ليس هناك غير ولا سوى فإنه لن يمنعه مانع من أن يرى ربه عين كل صورة، فمثل هذا الشخص ليس ممن يظهر له ربه يوم القيامة من غير الصورة التي يعرفه بها، لأنه لا يعرفه أصلاً في صورة واحدة بل يراه في كل صورة وهو عين كل شيء. ثم يصف الذين عرفوا ربهم حسب ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالبعد من العلم بالله، لأن المعرفة بالله – في دين هؤلاء – يقتضي الإطلاق لا التقييد.
وهذا الكلام فيه من السخف ما لا يخفى، ولو لم يكن فيه إلا وصفه من يعتقد وحدة الوجود بأنه لن يكون ممن يتجلى له الله يوم القيامة كما في الحديث، لكان في ذلك ما يكفي للحكم على عقيدتهم بالبطلان وعليهم بالخذلان، لأن من يتجلى الله لهم هم المؤمنون، فنتيجة هذا الكلام أن ابن سبعين وحزبه ليسوا من المؤمنين، فحري بمذهب يحكم رواده على أهله بالخروج عن دائرة الإيمان أن لا يجد أنصاراً من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن لما كانت دائرة الفكر الصوفي مستنقعاً لكل غثاء فقد وجد أولئك في هذه الدائرة الأرض القابلة لنشر أوبئتهم وجراثيمهم الفتاكة التي سرعان ما تسري إلى قلوب السذج والمغفلين فتخرب عقائدهم أيما تخريب.تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوح - 1/535

انظر أيضا: