trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: أبو يزيد البسطامي


أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي، وكان جده مجوسياً فأسلم انظر: ((الأنساب))، و((معجم البلدان)) بسطام، و((اأعلام)) (3/235). ، واسمه سروشان من أهل بسطام – بلدة بين خراسان والعراق – أصله منها ووفاته بها، وأبو يزيد ثاني إخوته – آدم وطيفور وعلي – كلهم كانوا من الصوفية، ولكن أبا يزيد كان أشهرهم، وكان له أحوال وأقوال لم يسبق إليها... وكان يستشعر اتحاد ذاته بذات الله انظر: ((الموسوعة العربية)) البسطامي. .
وهو أول من استخدم لفظ الفناء بمعناه الصوفي الذي يقصد منه الاتحاد، ويؤيد ذلك نيكولسن خلافاً لما ذكر ماسينيون انظر: ((موسوعة المستشرقين)) (ص: 363). في نسبة ذلك إلى ذي النون المصري انظر: ((في التصوف الإسلامي وتاريخه)) (7، 8). ، توفي أبو يزيد عام (261هـ) ((السير)) وغيرها. .
نماذج من فكره:
يعد أبو يزيد البسطامي أول من أشاع – في الساحة الإسلامية – فكرة الفناء الصوفي بمعنى الاتحاد بذات الله وإن كانت النظرية هندية الجذور حيث إنها أخذت عن عقيدة الواحدية التي أساسها فكرة المراقبة التي يرادفها في الفلسفة الصوفية الهندية البوذية مصطلح الذيانا والسماذي (Dhyana and Samadhi). والذيانا عبارة عن التأمل والمراقبة، والسماذي: هو الاستغراق، وبمجموع المراقبة والاستغراث يصل المريد – في زعم أصحاب النظرية – إلى مرتبة يصبح فيها المراقب والمراقَب واحداً، وتلك هي جوهر نظرية البسطامي التي أخذها عن صوفية الهند في فلسفة الذيانا والسماذي، بواسطة شيخه أبي علي السندي الذي علمه الطريقة الهندية في مراقبة الأنفاس، تلك التي عدها البسطامي جوهر عبادة العارف بالله انظر: في ((لتصوف الإسلامي وتاريخه)) (ص: 75)، و((الفلسفة الصوفية في الإسلام)) عبد القادر محمود (ص: 309). .
وفي تقرير مذهبه في الاتحاد يمضي البسطامي فيقول: (من ثلاثين سنة كان الحق مرآتي فصرت اليوم مرآة نفسي، لأني لست الآن من كنته، وفي قولي: أنا والحق إنكار لتوحيد الحق؛ لأني عدم محض) ((النور من كلمات طيفور)) تحقيق عبد الرحمن بدوي (ص: 65) مع ((شطحات الصوفية)). .
إذن بعد أن كان منذ ثلاثين سنة يربي نفسه على الآداب الشرعية أو الرياضيات الصوفية حان وقت الوصول والمعرفة، وحان وقت الانقطاع عن التقيد بتلك الآدات، فصار بذلك مرآة نفسه يقنن لها السبيل الذي ينبغي أن تسلكه، وذلك بعد أن شب عن الطوق وبلغ رشده، ولم يعد أبا يزيد الذي كان معروفاً بالأمس القريب، حيث صار عدماً محضاً بعد أن تم له الاتحاد الذي كان ينشده ويسير وراءه ويبتغيه، وصار هو والحق شيئاً واحداً بل أصبح مجرد قوله: أنا والحق إنكاراً لتوحيده الذي هو الاتحاد، ومن هنا ساغ له أن يقول: (خرجت من بايزيديتي كما تخرج الحية من جلدها، ونظرت فإذا العاشق والمعشوق والعشق واحد؛ لأن الكل واحد في عالم التوحيد) انظر: فريد الدين العطار ((تذكرة الأولياء)) (1/137)، و((التصوف الإسلامي بين الدية والفلسفة)) (ص: 5). .
ويقول أبو يزيد: (رفعني الله فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك. فقلت: زيني بوحدانيتك وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك) ((اللمع)) (ص: 382). .
هذا بلا أدنى شك أسلوب فريد في ادعاء الاتحاد بالله والتقمص بلباس الألوهية، ولكن لنسمع التحليل من صوفي معاصر غارق في تصوفه وهو د. عبد الرحمن بدوي حيث يقول: (لقد نصب الله الخلائق بين يدي أبي يزيد وها هي ذي تتحرق إلى رؤياه في هذا المقام... لكن لكي يمكنهم أن يروه كان عليه أن يطلب إلى الله أن يزين أبا يزيد بوحدانيته ويلبسه أنانيته... أي أنه يلتمس من الله أن يخلع عليه ثوب الألوهية ويطلق لسانه عن نفسه فيتحدث بصيغة المتكلم ويتحد بالله نهائياً، بحيث تكون الإشارة إليه وإلى الله واحدة... ولقد أجابه الله إلى طلبته هذه وزيادة فصرخ هذه الصرخة القوية الرهيبة لما أن خلع عليه الحق رداء الربوبية: (سبحاني ما أعظم شأني) وأي شأن أعظم من أن يبلغ مرتبة الألوهية ويتحقق له الاتحاد التام بالحق، لقد كان هذا أقصى ما يسعى إليه فما أعظم شأنه إذن وقد بلغ الغاية وتحقق بالنهاية) ((السير) (14-314). .تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوح - 1/483

انظر أيضا: