موسوعة الفرق

المطلب الأول: صفتا السمع والبصر


قال الأشاعرة في تعريف صفة البصر: "صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالموجودات الذوات وغيرها" ((تحفة المريد)) (ص: 73). وقالوا في تعريف صفة السمع: "صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالموجودات, والأصوات, وغيرها كالذوات" ((تحفة المريد)) (ص: 73).
وهذه الطريقة سلكها السنوسي– فإنه قال: "والسمع والبصر المتعلقان بجميع الموجودات ((أم البراهين)) للسنوسي مع شرحها (ص: 18). ". وللسعد التفتازاني طريقة أخرى، وهي أن متعلق البصر المبصرات، ومتعلق السمع المسموعات انظر ((شرح المقاصد)) للتفتازاني (4/138-139) و((انظر تحفة المريد)) (ص: 73). وانظر: ((التنيبه)) في (ص: 11).
فعلى طريقة السنوسي يكون متعلق سمع الله وبصره واحداً، فهو يسمع ما نسمع جنسه, وما نبصر جنسه، ويبصر ما نبصر جنسه, وما نسمع جنسه انظر ((الشرح الجديد على جوهرة التوحيد)) للعدوي (ص: 57).
وحال الباجوري أن يوفق بين الطريقتين فقال موجهاً طريقة السعد: "ويحتمل أن مراده المبصرات في حق الله تعالى، وهي الموجودات الذوات وغيرها" ((تحفة المريد)) (ص: 74). فتصير طريقته كطريقة السنوسي!
ثم إن الأشاعرة أثبتوا للسمع والبصر ثلاثة تعلقات:- انظر ((تحفة المريد)) (ص: 86) و((شرح أم ))البراهين (ص: 18).
التعلق التنجيزي القديم: وهو التعلق بذات الله تعالى وصفاته. والتعلق الصلوحي القديم: وهو التعلق بالموجودات قبل وجودها. والتعلق التنجيزي الحادث: وهو التعلق بالموجودات بعد وجودها.
المناقشة:
ظهر من تعريف الأشاعرة لصفتي السمع والبصر الأمران الآتيان:-
الأول: اتحاد معلق السمع والبصر على طريقة السنوسي، بل وعلى طريقة السعد بجمع الباجوري.
الثاني: إنكار كون السمع, والبصرو صفتين ذاتيتين, فعليتين, فهما ذاتيتان فقط.
فقولهم باتحاد متعلق الصفتين لازمه اتحاد الصفتين، بل يلزم اندراجهما في صفة العلم, إذ أثبتوا للجميع انكشافاً، ولكنهم يجيبون على ذلك بما يأتي:-
1- إن السمع والبصر ثابتان بالشرع فقط، بخلاف العلم فإنه ثابت بالعقل.
2- إن المدلول لغة للسمع غير المدلول لغة للبصر، وكذلك يقال في العلم، فإذا ثبت تغايرها لغة كانت متغايرة شرعاً انظر ((تحفة ))المريد (ص: 86).
والجواب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: التفريق بين الصفات باعتبار الدليل فقط غير مسلم، ذلك لأن الدليل لا يقام إلا إذا تصور المستدل المستدل عليه، وأن الدليل دال عليه، فإذا كان السمع والبصر متحدين تعلقاً, ويندرجان في تعلق العلم, كانت الأدلة المتنوعة التي ذكروها دليلاً على شيء واحد لا على عدة أشياء، فيعود الإلزام السابق – وهو أن السمع والبصر راجعان إلى معنى العلم, فلا تثبت بذلك صفتا السمع والبصر – وقد صرح بعض الأشاعرة بالتزام ذلك، فقال المكلاتي:
"وقد تردد جواب أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه في ذلك، فتارة قال: إن كونه سميعاً بصيراً هما صفتان زائدتان على كونه عالماً، وإلى هذا المذهب ذهب القاضي. وأبو المعالي, وجماعة من الأشعرية، وتارة صرف كونه سميعاً بصيراً إلى كونه عالماً، وإلى هذا ذهب أبو حامد وجماعة من الأشعرية, وهذا المختار عندنا" ((لباب العقول)) للمكلاتي (ص: 213-214). !
ثم يقال لهم: إذا عادت الصفتان إلى العلم – وقد أثبتم اتحاد متعلق العلم والكلام، عادت الصفات الأربع إلى صفة واحدة, فيحصل بهذا زيادة تقارب مع المعتزلة!
الوجه الثاني: يقال للأشاعرة: إذا كنتم متبعين للشرع حقاً في إثبات صفتي السمع والبصر فأين الدليل النقلي الذي يدل على اتحاد متعلقهما؟ ولا دليل لهم-. ثم هذه ثلاثة أدلة عامة تثبت التمييز بين صفتي السمع والبصر انظر هذه الأدلة الثلاثة العامة في ((الشرح الجديد على جوهرة التوحيد)) للعدوي (ص: 57). :
1- ظاهر القرآن يدل على أن متعلق السمع ما من شأنه أن يسمع – وهو القول، قال الله تعالى: لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران: 181] ، وقال: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: 1]
2- إن الصحابة رضوان الله عليهم فهموا أن السمع هو إدراك المسموعات، فمن ذلك قول عائشة رضي الله عنها: ((سبحان الذي وسع سمعه الأصوات)) رواه البخاري تعليقاً (7385), والنسائي (6/168) (3460), وابن ماجه (188) بلفظ: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات..) والحديث صححه ابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (1/163), وابن حجر في ((تغليق التعليق)) (5/339), والألباني في ((صحيح النسائي)) و((صحيح ابن ماجه)). ، ولم تقل الأصوات والمبصرات.. وهم أعرف الناس بربهم، وأعرف باللغة، مما يؤكد أن الأشاعرة لم يوافقوا اللغة ولا السلف ولا القرآن في ذلك.
3- قد ورد الجمع بين السمع والبصر في جملة واحدة مما يدل على الفرق، كما في قوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: 46] ، والمعنى: أسمع القول, وأرى العمل, وإلا لما كانت فائدة من الجمع، قال ابن كثير في معنى الآية: "... فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه" ((تفسير ابن كثير)) (3/154) وانظر ((تفسير الطبري)) (9/16/170). ولما ناقش الدارمي بشراً المريسي قال: ".. ميز الله في كتابه السمع من البصر فقال: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: 46] ، إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ [الشعراء: 15] ، وقال: لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: 77] ففرق بين الكلام, والنظر دون السمع، فقال عند السماع والصوت: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: 1]، و: لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران: 181] ، ولم يقل قد رأى الله قول التي تجادلك في زوجها، وقال في موضع الرؤية: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: 218-219] ، وقال وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ [التوبة: 105] ، ولم يقل: يسمع تقلبك, ويسمع الله عملكم، لم يذكر الرؤية فيما يسمع، ولا السماع فيما يرى، لما أنهما عنده خلاف ما عندك" ((النقض على بشر ))المريسي (ص: 22-23).
الوجه الثالث في مناقشة الأشاعرة: تفريقكم بين صفتي السمع والبصر باعتبار الدلالة اللغوية هو استدلال عليكم لا لكم، إذ السمع في اللغة: إدراك المسموعات، والبصر: إدراك المبصرات كما هو معلوم ضرورة، فتبين أنهم مخالفون للوضع اللغوي كذلك.
وأما كون السمع والبصر صفتين ذاتيتين فعليتين، فإن الأشاعرة لا ينازعون في كونهما ذاتيتين، وإنما الكلام معهم في كونهما فعليتين أيضاً، وهم لا ينفون وجود تعلق بين السمع والمسموعات, والبصر والمبصرات بعد حدوثها، فيقال لهم عندئذ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا التعلق إما أن يكون وجوداً, وإما أن يكون عدماً، فإن كان عدماً فلم يتجدد شيء، فإن العدم لا شيء، وإن كان وجوداً بطل قولهم" – إذ هو الفعل عينه الذي فروا من إثباته بدعوى تنزيه الله من حلول الحوادث به – "وأيضاً فحدوث تعلق هو نسبة وإضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع، فلا تحدث نسبة وإضافة إلا بحدوث أمر وجودي يقتضي ذلك" ((رسالة في الصفات الاختيارية)) لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن ((جامع الرسائل)) (2/18).
ومن الأدلة الدالة على إثبات السمع والبصر الفعليين؛ ففي الرؤية والنظر قوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 105] فالسين من قوله: فَسَيَرَى اللّهُ تمحض الفعل المضارع للاستقبال، وهذا يدل على أنه يرى أعمالهم بعد نزول الآية. ومن ذلك قول الله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس: 14] فاللام في قوله لِنَنظُرَ هي لام كي الدالة على التعليل "وهذا يقتضي أن ما بعدها متأخر عن المعلول، فنظره كيف يعملون هو بعد أن جعلهم خلائف" ((رسالة في الصفات الاختيارية)) لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن ((جامع الرسائل)) (2/16).
وأما في السمع فكقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: 1] فأخبر الله أنه يسمع – بصيغة المضارع الدالة على الحال – تحاور المجادلة مع الرسول – صلى الله عليه وسلم- حين كانت تجادل وتشتكي إلى الله. وقال الرسول –صلى الله عليه وسلم-: ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم)) رواه مسلم (404) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ، فقوله: ((يسمع الله لكم)) إثبات لسمع يتضمن سمع القول, وسمع قبوله, وإجابته، وقد وقعت هذه الجملة جزاءً وجواباً للحمد، ومعلوم أن جواب الشرط والأمر يقع بعدهما، فدل ذلك على أن السمع هنا واقع بعد القول، وهذا إثبات للفعل ((انظر رسالة في الصفات الاختيارية)) لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن ((جامع الرسائل)) (2/16). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - 2/502
أشار شيخ الإسلام إلى الخلاف فيهما (أي: السمع والبصر) فقال: "وأما السمع, والبصر, والكلام فقد ذكر الحارث المحاسبي عن أهل السنة في تجدد ذلك عند وجود المسموع المرئي قولين انظر: ((فهم القرآن للمحاسبي)) (ص:344 – 346).
والقول بسمع وبصر قديم يتعلق بها عند وجودها قول ابن كلاب, وأتباعه, والأشعري، والقول بتجدد الإدراك مع قدم الصفة قول طوائف كثيرة, كالكرامية, وطوائف سواهم، والقول بثبوت الإدراك قبل حدوثها وبعد وجودها قول السالمية، كأبي الحسن بن سالم, وأبي طالب المكي، والطوائف الثلاثة تنتسب إلى أئمة السنة كالإمام أحمد، وفي أصحابه من قال بالأول، ومنهم من قال بالثاني، والسالمية تنتسب إليه" ((رسالة في تحقيق مسألة علم الله – جامع الرسائل –)) (1/181-182).
وقد شرح شيخ الإسلام المذهب الحق في ذلك فقال: "وقد دل الكتاب, والسنة, واتفاق سلف الأمة ودلائل العقل على أنه سميع بصير، والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم، فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه، وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم، كما قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: 1] أي تشتكي إليه وهو يسمع التحاور – والتحاور تراجع الكلام – بينها وبين الرسول، قالت عائشة: ((سبحان الذي وسع سمعه الأصوات, لقد كانت المجادلة تشتكي إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- في جانب البيت وإنه ليخفى علي بعض كلامها فأنزل الله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: 1])) رواه البخاري تعليقا (7385), والنسائي (6/168) (3460), وابن ماجه (188) بلفظ: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات..) والحديث صححه ابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (1/163), وابن حجر في ((تغليق التعليق)) (5/339), والألباني في ((صحيح النسائي)) و((صحيح ابن ماجه)). وقال تعالى لموسى وهارون: قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: 46] وقال: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: 80]" ((الرد على المنطقيين)) (ص: 465).
فالله تعالى إذا خلق العباد فعملوا وقالوا، فلابد من القول أنه تعالى يرى أعمالهم ويسمع أقوالهم، ونفى ذلك تعطيل لهاتين الصفتين، وتكذيب لنصوص القرآن انظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/288). خاصة وأن فهم هؤلاء الأشاعرة لصفة السمع والبصر ليس هو فهم السلف – الذي يقولون إنه يطلق بمعنى ما به يسمع ويبصر – بل يفسرونهما بمجرد الإدراك فقط.
وقد بين شيخ الإسلام في رده على الأشاعرة أن بعض أئمتهم كالرازي اعترفوا بأنه لا مانع من التزام القول بحلول الحوادث هنا، وهذا نموذج لمنهج شيخ الإسلام العام في رده على الأشاعرة, حين يذكر ردود بعضهم على بعض – وقد سبق تفصيل ذلك في منهجه العام في رده عليهم -.
فإن شيخ الإسلام وهو يرد على الجويني في مسألة حلول الحوادث وعلاقتها بصفة الكلام، انظر: ((التسعينية)) (ص: 196) وما بعدها. ، ألزمه ذلك في مسألة السمع والبصر فقال: "ما ذكره (أي الجويني) أن المعتزلة قصدهم من طرد الدليل في هذه المسألة (أي مسألة حلول الحوادث) أنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات من غير أن يدل على الحدوث، لم يبعد مثل ذلك في اعتوار الأعراض على الذات" ((التسعينية)) (ص: 202)، و((كلام الجويني في الإرشاد)) (ص: 45). – قال ابن تيمية – يلزمه مثل ذلك في تجدد حكم السمع والبصر، فإنه إنما يتعلق بالموجود دون المعدوم، وأما أن يكون الرب بعد أن خلق الموجودات كحاله قبل وجودها في السمع والبصر، أو لا يكون. فإن كان حاله قبل كحاله بعد، وهو قبل لم يكن يسمع شيئاً ولا يراه فكذلك بعد، لاستواء الحالين، فإن قيل: إن حاله بعد ذلك خلاف حاله قبل، فهذا قول بتجدد الأحوال والحوادث، ولا حيلة في ذلك، ولا يمكن أن يقال في ذلك ما قيل في العلم، لأن العلم يتعلق بالمعدوم، فأمكن المفرق أن يقول حاله قبل وجود المعلوم وبعده سواء" ((التسعينية)) (ص: 202).
وقول ابن تيمية هنا في "العلم" ليس رجوعاً عن قوله السابق: إن الله يعلم الشيء كائناً بعد وجوده، مع علمه السابق, وإنما قصد هنا أن مسألة السمع والبصر أكثر وضوحاً من مسألة العلم,  لأن العلم يتعلق بالمعدوم، أما السمع والبصر فيتعلقان بالمسموع والمبصر من الموجودات، فلو احتج محتج على جواز تعلقهما بالمعدوم حتى لا يقال عند وجود المبصر والمسموع إنه تعالى حلت به الحوادث – على صفة العلم لم تقبل حجته، لأن العلم يجوز أن يتعلق بالمعدوم قبل وجوده ففارق السمع والبصر في ذلك، فابن تيمية قطع الاحتجاج بالعلم أولاً، مع أن التحقيق في مسألة العلم أنه لو احتج بها لم يكن له بها حجة، لأن القول بأن علمه تعالى بالشيء بعد وجوده هو نفس علمه به قبل وجوده قول غير صحيح، والدليل على ما قصده ابن تيمية أن الرازي في غالب كتبه سار على طريقة الأشاعرة في أن علم الله واحد لا يتغير مع وجود المعلوم وإن كان قد مال في بعض كتبه – كـ((المطالب العالية))، و((شرح الإرشادات)) – إلى جواز التغير، فإنه قال في ((شرح الإرشادات)) (1/76): بأن التغير في العلم تغير في الإضافة وذلك غير ممتنع، وقال في المطالب العالية عن الزركان ص: 309: "المذهب الصحيح هو قول أبي الحسين البصري وهو أن يتغير العلم عند تغير المعلوم". ، إلا أنه في صفة السمع والبصر لم يحتج بالعلم، بل اعترف بضعف جواب المعترضين وقال: إن قول الكرامية بحلول الحوادث ليس محالاً.
وذلك أن شيخ الإسلام قال بعد الكلام السابق: "وقد ذكر هذا الإلزام أبو عبدالله الرازي, والتزم قول الكرامية، بعد أن أجاب بجواب ليس بذلك؛ فإن المخالف احتج عليه بأن السمع والبصر يمتنع أن يكون قديماً, لأن الإدراك لابد له من متعلق، وهو لا يتعلق بالمعدوم، فيمتنع ثبوت السمع والبصر للعالم قبل وجوده، إذ هم لا يثبتون أمراً في ذات الله به يسمع ويبصر، بل السمع والبصر نفس الإدراك عندهم، ويمتنع أن يكون حادثاً لأنه يلزم أن يكون محلاً للحوادث، ويلزم أن يتغير وكلاهما محال، وقال – أي الرازي – في الجواب في ((نهاية العقول)) (160-ب). : "لم لا يجوز أن يكون الله سميعاً بصيراً بسمع قديم, وبصر قديم، ويكون السمع والبصر يقتضيان التعلق بالمرئي والمسموع بشرط حضورهما ووجودهما، قال: وهذا هو المعني بقول أصحابنا في السمع والبصر: إنه صفة متهيئة لدرك ما عرض له، فإن قال قائل: فحينئذ يلزم تجدد التعلقات. قلنا: وأي بأس بذلك إذا لم يثبت أن التعلقات أمور وجودية في الأعيان، فهذا هو تقرير المذهب، ثم (لئن) سلمنا فساد هذا القسم فلم لا يجوز أن يكون محدثاً في ذاته على ما هو مذهب الكرامية. وقوله: يلزم أن يكون محلاً للحوادث، قلنا: إن عنيتم حدوث هذه الصفات في ذاته تعالى بعد أن لم تكن حادثة فيها فهذا هو المذهب، فلم قلتم: إنه محال، وإن عنيتم شيئا آخر فبينوه لنتكلم عليه، هذا هو الجواب عن قوله: يلزم وجود التغير في ذات الله. قال شيخ الإسلام معلقاً على قول الرازي هذا: "قلت: وقد اعترف في هذا الموضع بضعف الجواب الأول، وذلك أن قول القائل: صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه... عند وجود هذا الدرك هل يكون سامعاً مبصراً لما لم يكن قبل ذلك سامعاً له مبصراً، أم لا يكون، فإن لم يكن كذلك لزم نفي أن يسمع ويبصر، وإن كان سمع ورأى ما لم يكن سمعه ورآه فمن المعلوم بالاضطرار أن هذا أمر وجودي، قائم بذات السامع والرائي، وأنه ليس أمراً عدمياً، ولا واسطة بين الوجود والعدم" ((التسعينية)) (ص: 202-203).
فالأشاعرة فسروا السمع والبصر بالإدراك، ثم جعلوه ثابتاً في العدم، ثم قالوا إنه لا يتعلق إلا بالموجود، وجعلوا تعلقه بالموجود عدماً محضاً، وهذه أقوال فاسدة انظر: ((التسعينية)) (ص: 203). ولاشك أن اعتراف الرازي مهم جداً لأنه بين إلى أي حد كانت قناعة الأشاعرة بمنهجهم في إثباتهم لهذه الصفات.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1049

انظر أيضا: