موسوعة الفرق

المبحث الثامن: صلة الأشعرية بالصوفية، وأثر هذه الصلة


يظهر من كتب الأشعرية والصوفية أن بينهما صلة قديمة، فقد ذكر أبو المظفر الإسفراييني في كتابه (التبصير في الدين) فصلاً بعنوان: "من فصول المفاخر لأهل الإسلام, وبيان فضائل أهل السنة والجماعة, وبيان ما اختصوا به من مفاخرهم" ((التبصير في الدين)) للإسفراييني (ص: 187). فعدد العلوم التي يفضلون بها غيرهم فذكر منها: التصوف فقال: "وسادسها علم التصوف, والإشارات, وما لهم فيها من الدقائق, والحقائق, لم يكن قط لأحد من أهل البدعة فيه حظ, بل كانوا محرومين مما فيه من الراحة, والحلاوة, والسكينة, والطمأنينة...." ((التبصير في الدين)) للإسفراييني (ص: 192).
ثم إن الحافظ ابن عساكر ذكر طبقات الآخذين عن الأشعري والمنتسبين إليه. وهي خمس طبقات، وفي كل طبقة يوجد من ينتسب إلى الصوفية، وسأكتفي بذكر واحد فقط في كل طبقة:
فمن جملة من ذكر في الطبقة الأولى الآخذين عن أبي الحسن الأشعري: أبو عبدالله محمد بن خفيف.
وفي الطبقة الثانية: وهم من تلقى الأشعرية عن أصحاب الأشعري – ذكر أبا علي الدقاق.
وفي الطبقة الثالثة: ذكر أبا ذر الهروي.
ثم ذكر في الطبقة الرابعة: أبا القاسم القشيري.
ثم ذكر في الطبقة الخامسة: أبا حامد الغزالي ((تبين كذب المفتري)) (ص: 291).
ولاشك أن هؤلاء الخمسة الذين ذكرهم ابن عساكر فيهم من كان أكثر إثباتاً للصفات من غيره, كابن خفيف, وأبي ذر الهروي – وأكثر المذكورين من هؤلاء كان قد قيد علمه بالكتاب والسنة في الجملة, فلم يكن كبقية الصوفية – وفي ذلك يقول ابن خفيف: "إني أحببت أن أذكر عقود أصحابنا المتصوفة فيما أحدثته طائفة نسبوا إليهم ما قد تخرصوا من القول بما نزه الله تعالى المذهب وأهله من ذلك..." ((الفتوى الحموية الكبرى)) (ص: 81) وهي ضمن ((مجموع الفتاوى)) (5/78). إلى أن أتى لموضع أشار فيه ابن جرير الطبري إلى أن الصوفية يقولون برؤية الله في الدنيا والآخرة كلام الطبري نصه هكذا... "وقال جماعة متصوفة – وممن ذكر عنه مثل ذلك ابن أخت عبدالواحد: الله جل وعز يرى في الدنيا والآخرة، وزعموا أنهم قد رأوه وأنهم يرونه كلما شاءوا" ((تبصير أولى النهى)) (ق23/ب). وكلامه ليس نصاً في نسبة ما ذكره إلى الصوفية قاطبة. قال ابن خفيف معلقاً على قول الطبري: "ونسب هذه المقالة إلى الصوفية قاطبة لم يخص طائفة، فبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المخلصين منهم"... إلى أن قال بعد أن بين الصواب: "هذا قولنا, وقول أئمتنا, دون الجهال من أهل الغباوة فينا" ((الفتوى الحموية الكبرى)) (ص: 82) وهي في ((مجموع الفتاوى)) (5/79).
ومع هذا القول – وهو التفريق بين طوائف الصوفية – إلا أن الأمر قد تغير عند أبي حامد الغزالي الذي جمع في كتابه (إحياء علوم الدين) بين قواعد عقائد الأشعرية, وبين جمل غامضة آيلة إلى وحدة الوجود، ويرى أن مرتبة الوحدة هي أعلى المراتب, وأنه لا يجوز كشفها في كتاب, إذ إفشاء سر الربوبية كفر انظر ((قواعد العقائد في إحياء علوم الدين)) (1/89-114)، و((وحدة الوجود)) في الكتاب نفسه (4/91، 262-263). !!
ثم مع تقدم الزمن كثر الجهل, وانتشرت الصوفية, وكثرت طوائفها، فتجد الشخص الواحد ينتمي إلى أبي الحسن الأشعري عقيدة وإلى الشافعي – مثلاً – مذهباً, وإلى الصوفية طريقة وسلوكاً – وقد يحدد طريقته -، فلما كثر الجهل, وفشا في الناس الشرك بالله في الاستغاثة, والنذر, والذبح, وغير ذلك أنكر كبار أهل العلم ذلك, وبينوا بطلانه وذرائعه التي أوقعت كثيراً من الناس فيه – ومن أولئك شيخ الإسلام ابن تيمية, وتلاميذه, ثم الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمهم الله جميعاً، فظهر من علماء الأشاعرة من يدافع عن العوام بحجة أن فعلهم: توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الولي!!
وفيما يلي طائفة من علماء الأشاعرة الذين ارتبطوا ارتباطاً وثيقاً بالصوفية, أو دافعوا عن أفعالهم:
1) السبكي: وقد ألف كتابه: (شفاء السقام في زيارة خير الأنام)، يرد به على شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة شد الرحال، وقد رد عليه الحافظ ابن عبدالهادي في كتابه: (الصارم المنكي).
2) ابن حجر الهيتمي: وقد ألف كتابه: (الجوهر المنظم في زيارة النبي المعظم) – يرد به على شيخ الإسلام ابن تيمية كذلك.
فهذان العالمان الأشعريان قد تكلما في مسألة هي من أكبر ذرائع الشرك، بل قد ذكرا جواز المجيء إلى القبر النبوي لطلب الاستغفار, والتشفع, والاستغاثة به قال السبكي في كتابه: ((شفاء السقام)) (160-161): "اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى..... وجواز ذلك من الأمور المعلومة لكل ذي دين.... حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام ليس فيه على الضعفاء الأغمار... وحسبك أن إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوكل قول لم يقله عالم قبله"!! ا هـ.
3) ابن عاشر: وقدر أشار في نظمه: المرشد المعين ((المرشد المعين)) (ص: 6) مع شرحه الحبل المتين. : إلى ارتباط الأشعرية بالصوفية فقال:


وبعدُ فالعونُ من اللهِ المجيد





 في نظم أبيات للأمي تفيد


في عقد الأشعري وفقه مالك


 


 وفي طريقة الجنيد السالك

ثم قال شارحه: "أخبر أن نظمه هذا جمع مهمات العلوم الثلاثة وهي:
العقائد, والفقه, والتصوف، المتعلقة بأقسام الدين الثلاثة وهي: الإيمان, والإسلام, والإحسان. ا((لحبل المتين شرح المرشد المعين)) (ص: 7). " ا هـ.
4) الباجوري، وقد ذكر في آخر شرحه تحفة المريد على جوهرة التوحيد شيئاً من مبادئ التصوف، وقد نقل كلاماً غريباً هو فتح لباب دعاء الموتى والاستغاثة بهم لقضاء الحوائج فقال: "قال الشعراني، ذكر لي بعض المشايخ أن الله تعالى يوكل بقبر الولي ملكاً يقضي الحوائج، وتارة يخرج من قبره ويقضيها بنفسه!!." ((تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد))(ص: 153). ا هـ. ولم يتعقبه بشيء – إلا محشي الكتاب فقد تعقبه – فهذا الكلام فتح صريح للشرك.
5) محمد الأمير, وهو صاحب الحاشية المشهورة على شرح جوهرة التوحيد، وقد ذكر عن نفسه بعد فراغه من حاشيته على شرح الجوهرة التي هي في عقيدة الأشاعرة أنه مالكي المذهب, شاذلي الطريقة فقال: "يقول من لا قول له: محمد الأمير المصري الأزهري المالكي الشاذلي: وافق الكمال ليلة..." ((حاشية الأمير على شرح جوهرة التوحيد)) (ص: 160). الخ.
6) أحمد دحلان وهو شافعي المذهب، أشعري العقيدة، ألف كتابه: (الدرر السنية في الرد على الوهابية) فيه مسائل خطيرة شنيعة في الشرك في الألوهية.
7) النبهاني، وهو شافعي المذهب، شاذلي الطريقة، أشعري العقيدة، ألف كتابه (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق) ونص فيه على أن الأشعرية والماتريدية مذهبان لأهل السنة! انظر ((شواهد الحق)) في (ص: 72). :- وقد حشد في كتابه المذكور أقوالاً شنيعة, صريحة في الشرك في الألوهية.
8) محمد الطاهر يوسف – وهو صوفي أشعري معاصر – ألف رسائل منها: "رسالة قوة الدفاع والهجوم"، قال في مقدمة رسالته: "رسالة قوة الدفاع عن أولياء الله والنبي المعصوم، والهجوم على أنصار فرق الشيطان المرجوم، وهم أنصار الفرق المعتزلة عن السنة المحمدية وهو بهذا يعرض بأنصار السنة المحمدية بالسودان – إذ الكتاب طبعه مؤلفه في الرد عليهم وقد افترى عليهم كثيراً – كما يظهر في مقدمته المنقولة أعلاه. , والمستخفة, والمستنقصة لقدر سيدنا محمد خير البرية صلى الله عليه وسلم, والمكفرة لأولياء الله أهل المقامات العلية رضوان الله عليهم بكرة وعشية. تأليف عبيد ربه محمد بن الطاهر بن يوسف الفاني، المالكي الأشعري التجاني" ((رسالة قوة الدفاع والهجوم)) (ص: 1)، وهي كذلك في آخر صفحة من الكتاب.
9) محمد علوي المالكي – وهو معاصر -، الذي صنف كتاباً سماه: (مفاهيم يجب أن تصحح)، قال في كتابه المذكور: (التصوف ذلك المظلوم المتهم قليل من ينصفه...) في (ص: 35) – تحت عنوان: دعوة أئمة التصوف إلى العمل بالشريعة! وقال: "الأشاعرة هم أئمة أعلام الهدى من علماء المسلمين" في (ص: 38) تحت عنوان: حقيقة الأشاعرة!
فما تقدم نماذج من ارتباط الأشعرية بالصوفية – والأمثلة كثيرة، والمقصود التمثيل – وكما تقدم فإن الواقع اليوم شاهد على هذه العلاقة.
الأول: ما علاقة الأشعرية الصوفية المتقدمة مع الأشعرية الصوفية المتأخرة؟
والسؤال الثاني: هل ينسب ما وقع فيه الصوفية اليوم في بعض صور الشرك إلى الأشعرية كلها – ولو كان ذلك في بعضهم؟
أما الجواب عن السؤال الأول:
فهو كما تقدم أن المتقدمين من هؤلاء الصوفية المنتسبين إلى الأشعرية لم يكن تصوفهم كتصوف الملاحدة, والباطنية, ودعاة وحدة الوجود, والاتحاد والحلول، بل لا يعرف عنهم الوقوع في شرك العبادة كما حصل عند المتأخرين، فالعلاقة إذاً في الاسم العام. ثم حصل التدرج في الضلال كما في مرحلة الغزالي, ثم من جاء بعده إلى أن استقر الأمر على ما هو عليه في العصور المتأخرة التي نعيشها, حيث الشرك الصريح في العبادة، فإذا ألف أشعري كتاباً على نهج الأشعرية ذيل كتابه بالتصوف، وقد يوجد منه نقد لبعض الأخطاء الجسيمة في الربوبية, والبدع إجمالاً, ولا ينبه على الخطأ في الألوهية انظر مثالاً لهذا في ))شرح جوهرة التوحيد للباجوري(( من (ص: 209 إلى آخر الكتاب). ، وقد يؤلف آخر مدافعاً عن ما يفعله الناس من الشرك في الألوهية باسم التوسل والتبرك! والبدع كالموالد وغير ذلك، ثم ينص على بعض الفضلاء من الصوفية كالجنيد, وعبدالقادر الجيلاني, ويفر من ذكر الحلاج, وابن الفارض!! وغيرهما دون ذم أو مدح، مع وجود تأثيرها على الصوفية في هذه العصور..!! وإن كان يوجد قليل ممن رأيتهم – وقد يوجد غيرهم – ممن لا يقع في شرك العبادة، وسيأتي الكلام عليهم في الجواب عن السؤال الثاني إن شاء الله.
الجواب عن السؤال الثاني:
وهو أنه لا يمكن نسبة صور الشرك التي ظهر بعضها إلى كل الأشعرية المتقدمين منهم والمتأخرين، إذ المتقدمون على خلاف هذا الأمر ولكن تبقى مسألة التبني العام للصوفية – كما ذكر الإسفراييني – مؤثرة في قبول ما عليه التصوف عند المتأخرين!
أما المتأخرون فهم قسمان: قسم صرح بالقول بجواز بعض صور الشرك كالنذر لغير الله, والطواف بقبور الصالحين, والاستغاثة بغير الله، كما سيأتي النقل عنهم عند عرض شبههم إن شاء الله.
وقسم لم يصرح بذلك – وقد رأيت بعضهم – وهم قليل جداً – ولكنهم لم يجاهروا بالإنكار قولاً, ولا فعلاً, مع سماعهم نسبة التصوف بجميع طوائفه إلى الأشعرية وإخوانهم الماتريدية.
ولا شك أن أمثال هؤلاء داخلون في عموم الوعيد المذكور في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران: 187] – كيف وقد ينتسب بعضهم إلى التصوف, فيشتغل ببعض البدع غير المكفرة – فيزداد إيهامه للناس بنسبته إلى التصوف, فيغتروا به, فيستحسنوا عندئذ ما هم عليه من الشرك.
فخلاصة الأمر هو أن المتقدمين من الأشاعرة لم يظهر منهم ما يخالف توحيد الألوهية، بل ثبت أن بعضهم أنكر بعض مظاهر الشرك التي تحدث عند القبور: كالرازي, وأبي شامة – أما الأشعرية المتأخرة فيمكن نسبة بعض المخالفات إليهم إما وقوعاً منهم فيها, أو سكوتاً عنها إذا رأوا غيرهم يقع فيها، ومثل هذا يعد تغيراً, وزيادة انحراف في المنهج الأشعري تجب مراعاته, إذ تغير الفرق أمر وارد، فيجب الإنكار اليوم على الأشعرية في هذه المسألة كما أنكر عليهم سلفاً ما تكلموا فيه من مسائل الصفات. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – 1/162

انظر أيضا: