trial

موسوعة الفرق

المبحث الرابع: السَّمَاع وَ الذِكر


في البداية، وعند أوائل الصوفية كانوا يحضرون مجلس (السماع) وهو الاجتماع في مكان معين لسماع منشد صاحب صوت حسن مع استعمال الإيقاع الموسيقي، ينشد قصائد الزهد وترقيق القلوب، ثم تطوروا إلى إنشاد قصائد الغزل وذكر (ليلى) و (سعدى) ويقولون نحن نقصد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه القصائد التي تهيج الحب المطلق، الحب غير المعين، فكلٌ يأخذه حسب هواه وما يعتلج في قلبه من حب الأوطان أو حب النساء...
  وقد أباح لهم هذا السماع أبو حامد الغزالي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وغيرهم، واحتجوا بأشياء واهية ضعيفة، وليس هذا موضوع مناقشة حكم الإسلام في الغناء، فقد رد عليهم العلماء مثل ابن الجوزي، وأجاد ابن القيم في مناقضة هذا الموضوع في كتابه (إغاثة اللهفان)، وتبقى الحقيقة أن الأمة المسلمة أمة جادة ولا يحلل هذا الغناء إلا من لا يفقه الإسلام حق الفقه.
  ولم يقتصر الأمر على هذه القصائد بل تطور إلى ذكر الله بالرقص والدف والغناء، وعندما تقام الحضرة مصطلح عند الصوفية يعني الاجتماع على ذكر الله بالرقص على شكل حلقة يكون الشيخ في وسطها وكأنه قائد أوركسترا. تبدأ التراتيل بذكر اسم الله المفرد (الله) بصوت واحد، ولكن عندما يشتد الرقص ويلعب الشيطان برؤوسهم يرفعون عقيرتهم أكثر ويتحول اسم الله إلى (هو) ثم لا تسمع بعدها إلا همهمة، وقد يجتمع مع هذا الصراخ والقفز في الهواء أخلاط الناس من النساء والأولاد لرؤية هذا (التراث الشعبي)، حقاً إنها مهزلة اتبعوا فيها سنن الذين من قبلنا فقد جاء في مزأمير العهد القديم عن اليهود " ليبتهج بنو صهيون بملكهم، ليسبحوا اسمه برقص، بدف وعود، سبحوه برباب، سبحوه بصنوج الهتاف "   ((هذه هي الصوفية))  (143). .
  جاء في (ترتيب المدارك) للقاضي عياض: " قال التنيسي: كنا عند مالك بن أنس وأصحابه حوله فقال رجل من أهل نصيبين: عندنا قوم يقال لهم الصوفية يأكلون كثيراً ثم يأخذون في القصائد، ثم يقومون فيرقصون. فقال مالك: أصبيان هم ؟ فقال: لا. قال: أمجانين هم ؟ قال: لا هم مشايخ وعقلاء. قال: ما سمعت أن أحداً من أهل الإسلام يفعل هذا " ((ترتيب المدارك ))  (4/5) ط. المغرب وقد حاو ل صاحب الكتاب ((حقائق عن التصوف ))    محاولة سمجة للاستشهاد بالإمام مالك والإمام الشافعي على أنهما يمدحان الصوفية وهؤلاء الأئمة أعقل وأكبر من هذا. .
  وقد يكون من أسباب فعلتهم هذه هو أن النفس ترى أن تغطى شهواتها باسم الدين والذكر والحضرة. ولو كشفت بصراحة عن نوازعها لكان الخطب أهون، لأنها عندئذ تبقى في دائرة المعصية وهي أقل خطراً من البدعة. والله سبحانه وتعالى  وصف الذاكرين له باطمئنان قلوبهم وخشوعهم وإخباتهم، وقد كان السلف إذا سمعوا القرآن خافوا وبكوا واقشعرت جلودهم، وهذا عكس الرقص والطرب، ولم يأمر الله سبحانه حين أمر الناس بالعبادة – أن يأكلوا أكل البهائم ثم يقوموا للرقص، بل هذا الرقص الذي يسمونه (ذكراً) وما يرافقه من منكرات مستقبح ديناً وعقلاً، و هو وصمة عار أن يكون في المسلمين من يفعل هذا، وصدق قول الشاعر فيهم:


ألا قل قول عبد نصـــــــوح  





وحـــق النــصــيـحـة أن تسـتمع



متى علم النــــاس في دينـنـا  


 


بــأن الـغــنـــا ســنــة تـتـبــــــــع



وأن يأكل المـرء أكل الحمار  




ويــرقص في الجــمـع حتى يقــع



وقالوا: سكـرنــا بحب الإله   




ومــــا أسكر الـــقوم إلا القـــصــع



ويسكـــره النــاي ثم الغنــا  




و(يسن) لو تليت ما انصدع ابن القيم: ((إغاثة اللهفان ))  

الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم/ ص 89

انظر أيضا: