trial

موسوعة الفرق

المطلب الثاني: التصوف عند النصارى


أعلنت الصوفية عن نفسها عند المسيحيين في القرن الثاني الميلادي باسم الغنوصية، أي: المعرفة، ومنها الغنوصي أي: العارف، وسماه العرب منهم الكاهن، وقد رفضتها الكنيسة أولاً، ومع الزمن قبلتها وتبنتها.
وهذا نص لصوفي مسيحي يصف كيفية وصوله إلى الجذبة.
يقول (نيمو) رجل دين إسباني من أهل النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي. خادم أم الإله، متلقي اعترافات القديسة تيريزا تيريزا الأفيلية من قرية آفيلا الإسبانية، ماتت سنة (1582م). ، في كتابه (الأسفار):
...وجدت فائدة كبيرة في الدعوات الصوتية التي تسمى بالأذكار، خصوصاً في الكلمات (أبانا الذي...) مما يكرره الفم ساعات طويلة، و(ليتقدس اسمك)، و(وفي القلب رغبة في أن ينحصر هناك)....
كنت أجد في هذه الكلمة وحدها (الله) رضاً بالغاً لنفسي، بحيث لم أشأ ولم أستطع أن أنتقل عنها إلى أفكار أخرى، وكنت أقتصر على ذلك حتى أصل إلى البركة ابن عربي، لآسين بلاثيوس، (ص:186) في الحاشية. ...
رجل دين إسباني من أهل النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي.
ويعرف القارئ أن البركة تعني الجذبة، كما يظهر في هذا النص تأثر متصوفة المسيحيين بأسلوب الذكر الإرهاقي الذي استعمله متصوفة المسلمين قبل نيمو بحوالي ستة قرون.
وبسبب عوامل ما، تشعبت الصوفية عند المسيحيين إلى أكثر من مذهب، فالقديسة تيريزا الأفيلية، مثلاً، تؤمن أن الخالق غير المخلوق، وتصف وصولها أو (فتوحها) بأنه اتحاد بينها وبين الله (تعالى  الله)، فتقول من قصيدة:
...واتحاد النفس بالله في القران الروحي شبيه بشمعتين تذوبان معاً حتى يصبح نوراهما نوراً واحداً ((يسوع المسيح شخصيته وتعاليمه ))  (ص:212). ...
ومن قصيدة أخرى:
...هاأنذا يا عريسي الأكبر، دعني أقترب منك... وليدخل هذا الجدول الصغير في خضمك، أغثني يا أعذب حليل... ولتسترح نفسي بين ذراعي عريسها ((عمر بن الفارض من خلال شعره ))  (ص:77). ...
حيث يظهر من أقوال القديسة هذه أن تجلياتها كانت جمالية لا جلالية، واتحادية لا وحدوية.
بينما نرى القديس خوان دي لا كروث إسباني متصوف من أهل القرن السادس عشر الميلادي. يؤمن بوحدة الوجود، فمن أقواله:
...حبيـبي هو الجبال، والوديان المنعزلة المليئة بالأشجار، والجزر الغريبة، والأنهار الرنانة، وصفير الرياح الحبيبة، والليل الساكن ((مجلة العربي ))، (عدد: 305)، (ص:40). ...
من النصوص المارة آنفاً، وكذلك من الفصول السابقة، ومن أية دراسة واعية لأية وثنية في التاريخ، يظهر واضحاً دور الإشراق فيها، بل إن الكاهن في كل الوثنيات لا يسمى كاهناً حتى يصل إلى الجذبة عن طريق الرياضة الصوفية، ويحصل على يده بعض الخوارق، وقد يكتفون بالمهلسات، أو يستعملونها كعامل مساعد، مع العلم أن بعض الوثنيات، كديانة الإينكا مثلاً، كانت كما يظهر تكتفي بالمهلسات، وبعضها كالديانة الهندوسية، كانت وما زالت تستعمل الطريقتين، المهلسات والرياضة الصوفية، وبعضها كان ولما يزل يكتفي بالرياضة الصوفيةالكشف عن حقيقة الصوفية لمحمود عبد الرؤوف القاسم - ص 769- 771


انظر أيضا: