trial

موسوعة الفرق

المصدر الثالث: المسيحية المحرَّفة


 جاء الإسلام وزالت بمجيئه نظريات الرهبنة والتبتل والهروب إلى الصحاري والغابات وترك الأهل والأولاد واعتزال المجتمعات بحجة تطهير النفس وتربيتها وصار للرهبنة في الإسلام مفهوماً جديداً يخالف تماماً ذاك المفهوم الذي كان عليه سابقاً في العهود الماضية قبل الإسلام فقد صارت الرهبنة رمز الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى ومقارعة الأعداء والدخول في خضم المعارف بعد أن كانت رمزاً للخلوات المظلمة التي كثيراً ما تكون هذه الخلوات المظلمة مأوى لمردة الشياطين والتبتلات وقطع العلائق مع البشرية الذي نتج عنه الخلل العقلي والخيالات، ولما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مستوصياً قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام)).
لكن التصوف أعاد مفهوم الرهبنة السابق إلى الأمة الإسلامية ودعا إلى الخلوات المظلمة وإلى الهروب عن الناس وإلى ترك التزوج ودعا إلى تطهير الروح عن طريق تعذيب الجسد بأنواع من المجاهدات الشاقة القاتلة وإلى لبس الصوف الخشن من الثياب عامة وتجويع النفس لتطهيرها والسياحة في البلاد ولذلك فالمتصوفة كانوا يستمعون إلى مواعظ الرهبان وأخبار رياضاتهم الروحية حتى يقتدوا بهم في سلوكهم، وكتب المتصوفة مليئة بقصص كثيرة مروية عن رهبان النصارى.
وإليك نموذج لذلك من كتاب (إحياء علوم الدين) للغزالي وهو يدل على حرص الصوفية على الاستفادة من رياضات رهبان النصارى فقد أورد الغزالي عن إبراهيم بن أدهم وهو يعتبر من الرجال الذين يشار لهم بالبنان في الأوساط الصوفية:
(قال إبراهيم بن أدهم: تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان، دخلت عليه في صومعته، فقلت: يا سمعان مذ كم كنت في صومعتك؟ قال: منذ سبيعين سنة، قلت: فما طعامك؟ قال: يا حنيفي وما دعاك إلى ذلك؟ قلت: أحببت أن أعلم قال: في كل ليلة حمصة، قلت: فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة؟ قال: ترى الدير الذي بحذائك؟ قلت: نعم، قال: إنهم يأتون كل سنة يوماً واحداً فيزينون صومعتي ويطوفون حولها ويعظموني فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها عز تلك الساعة فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة فاحتمل يا حنيفي جهد الساعة لعز الأبد.
قال إبراهيم بن أدهم: فوقع في قلبي المعرفة.
فقال: حسبك أو أزيدك؟ قلت: بلى. قال: انزل عن الصومعة؟ فنزلت فأدلى لي بركوة فيها عشرون حمصة) ((الإحياء)) (3/334). .
وقال الغزالي أيضاً: بأنه لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتنزه عن الشهوات والكف عن اللذات والتجرد لله في الحركات والسكنات.
ثم بدأ يثني على انفراد رهبان النصارى عن الخلف واعتزالهم في قمم الجبال بعيداً عن الخلق وطلباً للأنس بالله عز وجل وذكر أن الله أثنى عليهم لذلك بقوله: ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون [المائدة: 82].
وبالإضافة إلى ذلك فإن الغزالي قد شحن كتابه (الإحياء) بروايات كثيرة منسوبة إلى المسيح في التعبدات والأمثال والحكم والأحكام انظر: ((الإحياء)) (1/266). .
وأن أثر المسيحية والفلسفة الأفلاطونية الحديثة والفلسفة البوذية عامل لا سبيل إلى إنكاره في تكوين التصوف الإسلامي وقد كانت هذه المذاهب والفلسفات متغلغلة في الأوساط التي عاش فيها المتصوفة فلم يكن مخرج من أن تترك طابعها في مذاهبهم ((في التصوف الإسلامي وتاريخه نيكلسون)) (ص: 43-43). .
وأخطر مسألة تأثر فيها المتصوفة بالمسيحية المحرفة هي مسألة الحلول.
ففي المفهوم المسيحي لطبيعة المسيح عليه السلام تتمحور المواقف حول وجهين لشخصية المسيح هما اللاهوت الذي حل في الناسوت، فالمسيح وفق مفهوم أوريجنس وهو فيلسوف مسيحي قد بدأ وظهر أو تجلى في شخص عيسى عليه السلام وفكرة الحلول هذه تفيد أن عيسى إنسان إلهي صورته الخارجية صورة إنسان وطبيعته الداخلية مما ينتمي للإله فهو من طبيعتين امتزجتا وصارتا طبيعة واحدة إنه مركب من الناسوت واللاهوت كما يزعمون ((التصوف منشؤه ومصطلحاته)) د/ أسعد السحمراني (ص: 54) ط دار النفائس. .
وكل المسيحيين يعتقدون بحلول الله في المسيح ولكلنهم اختلفوا في كيفية الاتحاد والتجسد ففرقة ترى أنه إشراق النور على الجسد المشف وفرقة ترى أنه انطباع النقش في الشمعة وفرقة ترى أنه ظهور الروحاني بالجسماني وفرقة ترى أن اللاهوت تدرع بالناسوت وفرقة ترى أن الكلمة مازجت جسد المسيح ممازجة اللبن بالماء.
أما حقيقة الله عند المسيحية المحرفة فهو أنه جوهر واحد غير متحيز وليس بذي حجم بل قائم بالنفس وهو واحد بالجوهرية ثلاثة بالأقنومية.
والأقانيم هي الصفات: الوجود والحياة والعلم.. الأب والابن وروح القدس.
ولكن العلم من بين تلك الصفات تدرع وتجسد دون سائر الأقانيم.
والقاضي عبد الجبار يرى أن فرق المسيحية الثلاثة اتفقت على أن الخالق جوهر واحد ثلاثة أقانيم وأن أحد هذه الأقانيم أب والآخر ابن والثالث روح القدس وأن الابن هو الكلمة والروح هي الحياة والأب هو القديم الحي المتكلم...
ومضى القاضي عبد الجبار يقول: إن المسيحيين جميعاً اتفقوا على أن الابن اتحد بالشخص الذي يسمونه المسيح وأن ذلك الشخص ظهر للناس وصلب وقتل.
أما في كيفية صلبه فقد آمن المسيحيون أنه قتل وصلب ولكنهم اختلفوا هل القتل ورد على الجزء اللاهوت أم ورد على الجزء الناسوت أم على الجزءين معا ثم قام وصعد انظر: ((الملل والنحل)) للشهرستاني (2/33-44). .
وقال أبو علي الجبائي إن المسيحيين متفقون على أن الكلمة هي الابن وأن الذي له الروح والكلمة هو الابن والثلاثة في رأي المسيحيين جميعاً إله واحد وخالق واحد وأنها من جوهر واحد انظر: ((الملل والنحل)) للشهرستاني (2/39-44). .
وتابع بعض غلاة الصوفية المسيحيين في القول بالحلول حيث زعموا أن الحق اصطفى أجساماً حل فيها معنى الربوبية وأزال عنها معاني البشرية والأجسام التي اصطفاها الله تعالى أجسام أوليائه وأصفيائه اصطفاها بطاعته وخدمته وزينها بهدايته وبين فضلها على خلقه وهذا حسب زعم المتصوفة ((معجم مصطلحات الصوفية)) للدكتور عبد المنعم الحنفي – بيروت – دار السيرة – (1/1400هـ). .
ومن الأدلة على ذلك قول الحلاج في الأبيات الآتية:


سبحان من أظهر ناسوته




سر سنا لاهوته الثاقب


ثم بدا في خلقه ظاهرا




في صورة الآكل والشارب


حتى لقد عاينه خلقه




كلحظة الحاجب بالحاجب ((تلبيس إبليس)) لابن الجوزي – بيروت – دار الكتب العلمية (ص: 171).

والحلولية ليست من الإسلام في شيء...ولذلك نقول إن ما ظهر من هذا القبيل عند بعض المتصوفة هو من تأثير الحلولية المسيحية على الصوفية.
...وقد دعا كثير من المتصوفة إلى البعد عن الزواج وهذه نماذج من أقوال مشائخهم الكبار:
قال السهروردي: (التزوج انحطاط من العزيمة إلى الرخص ورجوع من الترمح إلى النقص وتقييد بالأولاد والأزواج ودوران حول مظان الاعوجاج، والتفات إلى الدنيا بعد الزهادة وانعطاف على الهوى بمقتضى الطبيعة والعادة) انظر: ((عوارف المعارف)) للسهروردي (ص: 104). .
ونقل أبو طالب المكي عن قطب من أقطاب الصوفية الأوائل أبي سليمان الداراني المتوفى سنة (215هـ) أنه قال: (من تزوج فقد ركن إلى الدنيا) انظر: ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي (1/252) دار صادر – بيروت. .
وهذه العبارات كلها المقصود منها هو التنفير عن الزواج وهذا خطأ كبير منهم وانحراف عن منهج خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام والخير كل الخير في أتباع هديه والشر كل الشر في مخالفته وهذه الأمور إنما ورثها المتصوفة من الرهبان النصارى الذين يمتنعون عن الزواج فيفسدون البنات في الأديرة لأن كبت الغريزة الجنسية بهذه الطريقة أمر من الصعوبة بمكان فالزواج هو السبيل الوحيد لبقاء الجنس البشري على هذه المعمورة وقد حث الرسول على الزواج في أحاديث كثيرة ولا نريد أن نوردها هنا لأن لها موضعاً آخر في الرسالة وسنتطرق ونناقش الموضوع بالتفصيل وسأقوم بالرد عليهم رداً مقنعاً إن شاء الله تعالى في انحراف مفهوم الصوفية في الزهد.
وقد وردت عدة آيات في الإنجيل المحرف تدعو إلى التبتل والبعد عن الزواج فمن هذه الآيات قول المسيح: (ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات من استطاع أن يقبل فليقبل) انظر: ((إنجيل متى العهد الجديد)) (الآية: 12). .
ويقول بولس في رسالته إلى أهل كورنتوس: (وأما من جهة الأمور التي كتبتم عنها فحسن للرجل أن لا يمس امرأة) انظر: ((رسالة بولس إلى أهل كورنتوس من العهد الجديد)) (الإصحاح السابع الآية: 1). وكذلك قال: (أقوم لغير المتزوجين الأرامل أنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا) انظر: ((رسالة بولس إلى أهل كورنتوس من العهد الجديد)) (الإصحاح السابع الآية: 8). .
ومما يؤكد بأن المسيحية المحرفة مصدر من مصادر التصوف قول الكاتب الأوروبي نيكلسون حيث كتب يقول: (لم يخرج الصوفية كثيراً على الحديث القائل: ((لا رهبانية في الإسلام))، إلا بعد مضي عدة قرون...) ثم قال: (وإننا لا نعلم إلا القليل عن نظام الزهد الرهباني ونشأته في العصور الإسلامية الأولى) ثم قال: (ويقال إن أول خانقاه أسست لمتصوفة المسلمين كانت برملة في فلسطين قبل نهاية المائة الثامنة الميلادية على ما يظهر وأن مؤسسها كان رابهاً مسيحياً....) ثم قال: (وقد ذكر الصوفية بعض الأحاديث المدخولة على النبي التي تشير لإباحة العزوبة لجميع المسلمين بعد المائتين من الهجرة... فقد ظهر نظام الرهبنة في الإسلام حوالي هذا التاريخ تقريباً، نعم لم يعم الزهد في العالم الإسلامي ولم تظهر فيه الربط والزوايا المظلمة إلا في عصر متأخر لأن القارئ للكتب التي ألفت في التصوف حتى منتصف القرن الخامس الهجري مثل (قوت القلوب) لأبي طالب المكي (و(حلية الأولياء) لأبي نعيم و(الرسالة) للقشيري قلما يجد فيها إشارة إلى هذه الربط والزوايا ومع ذلك نجد أن كبار الصوفية من رجال القرنين الثالث والرابع قد اجتمع حولهم المريدون ليأخذوا عنهم الطريق ويتأدبوا بآدابه ومن الطبيعي أن هؤلاء المريدين أقاموا في بيوت دينية من نوع ما  كلما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. ويذكر المقريزي أن الخانقاوات وجدت في الإسلام في القرن الخامس الهجري المقابل للقرن الحادي عشر الميلادي....
وبعد ذلك بمائتي سنة أي بين (450، 650) زيد في نظام الرهبنة وانتشر هذا النظام على أيدي رجال الطرق كالعدوية والقادرية والرفاعية وغير ذلك من الطرق التي توالى ظهورها سريعاً) ((في التصوف الإسلامي وتاريخه)) لنيكلسون ترجمة عربية للدكتور أبي العلاء عفيفي (ص: 56-58). .مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية وأثرها السيئ على الأمة الإسلامية لإدريس محمود إدريس –1/72


انظر أيضا: