موسوعة الفرق

المصدر الثاني: المذاهب الهندية والفارسية


وأما كون التصوف وتعاليمه وفلسفته، أوراده وأذكاره، وطرق الوصول إلى المعرفة، والمؤدية إلى الفناء، مأخوذة مستقاة من المذاهب الهندية والمانوية، والزرادشتية أيضا فلا ينكرها منكر، ولا يردها أحد، ولا يشك فيها شاك، بل إن كبار الكتاب عن التصوف والباحثين فيه من المستشرقين والمسلمين، وحتى الصوفية أقروا بذلك حيث لم يسعهم إلا الاعتراف بهذه الحقيقة الظاهرة الجلية التي لا يمكن تجاهلها ولا إغفالها البتة.
فإن الأستاذ أبا العلاء العفيفي كتب في ثنايا بحثه عن المشتغلين من المستشرقين في الدراسة عن التصوف:
(وأما ريتشورد هارتمان، وماركس هورتين فنزعتهما واحدة: وهي أن التصوف يستمد أصوله من الفكر الهندي، وإن كان هورتين قد بذل من المجهود في إثبات هذه النظرية ما لم يبذله أي كاتب آخر. فقد كتب في سنتي 1927، 1928 مقالتين حاول أن يثبت في إحداهما، بعد تحليل تصوف الحلاج والبسطامي والجنيد، أن التصوف الإسلامي في القرن الثالث الهجري كان مشبعا بالأفكار الهندية، وأن الأثر الهندي أظهر ما يكون في حالة الحلاج. وفي المقالة الثانية يؤيد النظرية نفسها عن طريق بحث المصطلحات الصوفية الفارسية بحثا فيلولوجيا، وينتهي إلى أن التصوف الإسلامي هو بعينه مذهب الفيدانتا الهندية.
ويستند هارتمان في إثبات نفس الدعوى إلى النظر في الصوفية أنفسهم وفي مراكز الثقافة القديمة التي كانت منتشرة في بلادهم، لا إلى المصطلحات الصوفية كما فعل هورتن. وقد نشر في مسألة أصل التصوف مقالا هاماً سنة 1916 في مجلةDe Islam وخلاصة بحثه أن التصوف الإسلامي مدين للفلسفة الهندية التي وصلت إليه عن طريق مترا وماني من جهة، وللقبّالة اليهودية والرهبنة المسيحية والغنوصية والأفلاطونية الحديثة من جهة أخرى. وهو يرى أن الذي جمع هذه العناصر كلها ومزجها مزجا تاما في التصوف هو أبو القاسم الجنيد البغدادي (المتوفى سنة 297 هـ)، فإليه يجب أن تتجه عناية الباحثين. أما حججه في تأييد الأصل الهندي فهي:
أولا: أن معظم أوائل الصوفية من أصل غير عربي كإبراهيم بن أدهم وشقيق البلخي وأبي يزيد البسطامي ويحيى بن معاذ الرازي.
ثانيا: أن التصوف ظهر أولا وأنتشر في خراسان.
ثالثا: أن تركستان كانت قبل الإسلام مركز تلاقي الديانات والثقافات الشرقية والغربية، فلما دخل أهلها في الإسلام صبغوه بصبغتهم الصوفية القديمة. وهذا كلام أشبه ما يكون بماذكره كل من ثولك وفون كريمر في هذا الموضوع.
رابعا: أن المسلمين أنفسهم يعترفون بوجود الأثر الهندي.
خامسا: أن الزهد الإسلامي الأول هندي في نزعته وأساليبه. فالرضا فكرة هندية الأصل، واستعمال الزهاد للمخلاة في سياحتهم،  واستعمالهم للسبح، عادتان هنديتان  مقدمة كتاب في ((التصوف الإسلامي وتاريخه)) 
ثم علق الأستاذ عفيفي على كلام هورتمان بقوله:
(ولكن المسألة أعقد من ذلك بكثير، فقد تبين لي من البحث في تصوف مشايخ خراسان وتصوف مدرسة نيسابور خاصة، أنه وإن كانت له صبغة محلية إلى حد ما، متأثر بتيارات غير محلية وصلت إليه من مراكز التصوف الأخرى في العراق والشام، وأنه كانت لبعض الحركات غير الدينية – كحركة الفتوة التي كانت في بدء أمرها اجتماعية بحتة – شأن كبير في تشكيل بعض تعاليم هؤلاء الصوفية).
ثم إن الأستاذ عفيفي في مقاله هذا لم يذكر واحدا من المستشرقين الذين كتبوا عن التصوف إلا وقد ذكروا رأيا يشبه رأي هاتمان، وهورتن.
وقد سبق هؤلاء المستشرقين والقائلين بهذا الرأي من الباحثين، سبقهم جميعا البيروني، حيث قارن بين العقائد الهندية والعقائد الصوفية في كتابه المشهور (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة).
وأوجه الشبه التي ذكرها البيروني بين العقائد الهندية والعقائد الصوفية هي تتلخص في أمور ثلاثة:
أولا: الأرواح.
ثانيا: في طريق الخلاص.
ثالثا: الغاء التمايز ومحو الأشارة  انظر لذلك كتاب ((تاريخ التصوف الإسلامي))  للدكتور قاسم غني ترجمة عربية لصادق نشأت،  وكتاب مدخل إلى ((التصوف الإسلامي))  للدكتور التفتازاني.
هذا والقارئ لأقوال الصوفية، والعارف بأحوالهم ورياضاتهم ومجاهداتهم يلاحظ بنفسه تشابها كبيرا بين هؤلاء وأولئك، وخاصة في تعذيب النفس، وتحمل المشاق، والتجوع، وحبس النفس، وإماتة الشهوات، والهروب من الأهل والأولاد، والجلوس في الخلوات، مراقبة صورة الشيخ، طرق الذكر، وكثير من العادات والتقاليد والرسوم، حيث لا يرى فيها إلا مشابهة تامة بتلك المذاهب وأصحابها، كمالا يرى فيها أي أثر للإسلام وتعاليمه، ولا ثبوت من حاملي رايته، ومتمسكي سبيله، متبعي طريقه.
ولوضع النقاط على الحروف لا نرضى مقولات الناس، بل نورد شهادات داخلية، واعترافات ذاتية، وعبارات ناطقة عن منابعها ومصادرها.
فنبدأ بسيد الطائفة الذي قال فيه أبو العباس عطاء: (إمامنا في هذا العلم و مرجعنا المقتدى به  ((نفحات الأنس))  للجامي الطبعة الفارسية (ص80). والذي قيل فيه: (إن الرجال من هذه الطائفة ثلاثة لا رابع لهم: الجنيد ببغداد. وأبو عبد الله بالشام، وأبو عثمان بنيسابور).
ونقل نيكلسون عن الجامي أنه قال: (أن الجنيد أول من صاغ المعاني الصوفية، وشرحها كتابة، وأنه كان يعلّم التصوف في بيوت خاصة وفي السراديب  في ((التصوف الإسلامي وتاريخه))  (ص20 ).
ويكفي لبيان مقامه ومكانته عند القوم تلقيبهم إياه بسيد الطائفة، فنبدأ به فيقول:
(ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات  ((الرسالة القشيرية))  (1/ 117) بتحقيق عبد الحليم محمود.
وسئل أبو يزيد البسطامي:  (بأي شيء وجدت هذه المعرفة ؟ فقال: ببطن جائع وبدن عار  أيضا (ص88)،  ((قوت القلوب ))  لأبي طالب المكي (2/ 168).
ونقل الطوسي عن يحيى بن معاذ أنه قال: (لو علمت أن الجوع يباع في السوق ما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره  كتاب ((اللمع ))  للطوسي (ص269).
ونقل النفزي الرندي المتوفى 792 هـ عن حاتم الأصم أنه قال: (من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت: موت أحمر، وموت أسود، وموت أبيض، وموت أخضر.
فالموت الأبيض الجوع، والموت الأسود احتمال أذى الناس،، والموت الأحمر مخالفة النفس، والموت الأخضر طرح الرقاع بعضها على بعض  ((غيث المواهب العلية))  للنفزي الرندي (2/ 166) بتحقيق عبد الحليم محمود.
والسلمي أيضا نقل عنه أنه قال: (ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل ؟ وما تلبس ؟ وأين تسكن ؟.
فأقول: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر  ((طبقات السلمي))  (ص23) ط مطابع الشعب 1380 هـ.
والشعراني نقل في طبقاته عن أبي محمد عبد الله الخراز أنه قال: (الجوع طعام الزاهدين  ((طبقات الشعراني))  (1/ 7 ).
ونقل الغزالي  عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: (ما صار الإبدال إلا بإخماص البطون، والسهر، والصمت، والخلوة  ((إحياء علوم الدين))  للغزالي (3/ 79) ط دار القلم بيروت الطبعة الأولى.
 وروى الغزالي  في إحيائه روايات كثيرة مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الجوع  انظر (ص77) وما بعد.
ومما يجدر ذكره أن المحقق كتب في تعليقاته عن جميع تلك الروايات في فضل الجوع أنه لم يجد لها أصلا.
هذا، ونقل عماد الدين الأموي عن عيسى عليه السلام أنه قال: (طوبى للجياع العطاش فإنهم هم الذين يرون الله  ((حياة القلوب))  لعماد الدين الأموي بهامش ((قوت القلوب ))  (2/ 9).
وقال السهروردي: (قد اتفق المشايخ على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء: قلة الطعام، وقلة المنام، وقلة الكلام، والاعتزال على الناس  ((عوارف المعارف ))  للسهروردي  (ص223) ط دار الكتاب العربي الطبعة الثانية 1983 م.
ثم بيّن طريق التدرّب على الجوع، وهي تشبه تماما طريقة يوجا الهندية حذو القذة بالقذة، وطبق النعل، فيقول: (وقد اتفق مشايخ الصوفية على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء: قلة الطعام وقلة المنام وقلة الكلام والاعتزال عن الناس، وقد جعل للجوع وقتان، أحدهما: آخر الأربع والعشرين ساعة فيكون من الرطل لكل ساعتين أوقية بأكلة واحدة يجعلها بعد العشاء الآخرة أو يقسمها أكلتين، كما ذكرنا، والوقت الآخر: على رأس اثنتين وسبعين ساعة، فيكون الطي ليلتين والإفطار في الليلة الثالثة، ويكون لكل يوم ثلث رطل، وبين هذين الوقتين وقت وهو أن يفطر من كل ليلتين ليلة، ويكون لكل يوم وليلة نصف رطل، وهذا ينبغي أن يفعله إذا لم ينتج عليه سآمة وضجراً وقلة انشراح في الذكر والمعاملة، فإذا وجد شيئا من ذلك فليفطر كل ليلة ويأكل الرطل في الوقتين أو في الوقت الواحد، فالنفس إذا أخذت بالإفطار من كل ليلتين ليلة، ثم ردت إلى الإفطار كل ليلة تقنع، وإن سومحت بالإفطار كل ليلة لا تقنع بالرطل وتطلب الإدام والشهوات، وقس على هذا، فهي إن أطمعت طمعت، وإن أقنعت قنعت، وقد كان بعضهم ينقص كل ليلة بقدر نشاف العود، ومنهم من كان ينقص كل ليلة ربع سبع الرغيف حتى يفنى الرغيف في شهر، ومنهم من كان يؤخر الأكل ولا يعمل في تقليل القوت ولكن يعمل في تأخيره بالتدريج حتى تندرج ليلة في ليلة، وقد فعل ذلك طائفة حتى انتهي  طيّهم إلى سبعة أيام وعشرة أيام وخمسة عشر يوما إلى الأربعين.
وقد قيل لسهل بن عبد الله: هذا الذي يأكل في كل أربعين وأكثر أكله أين يذهب لهب الجوع عنه ؟. قال: يطفئه النور  ((عوارف المعارف ))  للسهر وردي (ص223،  224 ).
وكذلك التعري لم يأخذه الصوفية إلا من البوذية والجينية.
وجلّ تماثيل البوذا وصور رجال الديانات الهندوكية كلها ناطقة منبئة عمن أخذها القوم هذه القباحة والوقاحة. حتى إن طائفة من طوائف الجينية تسمى ويجامبرة أي أصحاب الزي السماوي، الذين لم يتخذوا كساء لهم غير السماء، وهم الذين يقولون: (إن العرفاء الكاملين لا يقتاتون بشيء، وإن من يملك شيئا من متع الدنيا ولو كان ثوبا واحدا يستر به عورته لا ينجو  انظر ((فلسفة الهند القديمة))  لمحمد عبد السلام الامبوري (ص64)،  كذلك ((أديان الهند الكبرى))  للشلبي (ص126) ط القاهرة 1964 م.
وإننا لنجد كثيراً من الصوفية، ويسمون المجاذيب، يتجردون عن الثياب البتة، ويمشون في الأسواق، ويجلسون في الخانقاوات كما خلقهم الله.
ولقد ذكر أصحاب الطبقات الصوفية، الكثيرين من هؤلاء. ونورد ههنا واحدا ممن ذكرهم الشعراني (قطب زمانه وإمام عصره) في طبقاته، فيقول: (الشيخ إبراهيم العريان: كان رضي الله عنه إذا دخل بلدا سلّم على أهلها كبارا وصغارا بأسمائهم، حتى كأنه تربى بينهم (يعني كان يعلم الغيب)، وكان رضي الله عنه يطلع المنبر ويخطب عريانا  انظر ((طبقات الشعراني))  (2/ 143 ).
وأما هجر الأهل والأولاد، والخروج إلى الغارات والجبال، والجلوس في البراري والحفرات والسراديب، والمكوث مع الحيات والثعابين فليست منقولة إلا من الديانات الهندية التي عرفت واشتهرت بمثل هذه الأمور.
...وإننا ننقل ههنا بعض الآراء والوقائع التي لها علاقة مباشرة ووطيدة بالمذاهب والفلسفات الهندية.
فمنها ترك المال والخروج منه، وحتى القوت الذي يحتاج إليه لإبقاء الحياة، ثم التسول أمام الناس، والاستجداء منهم. كما ذكر أبو طالب المكي عن أحد الصوفية أنه دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول النهار ففرقه كله، ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الآخرة  ((قوت القلوب ))  لأبي طالب المكي الفصل الحادي والأربعون في فضل الفقر والفقراء (2/ 206 ).
وأورد الطوسي مثله عن أبي حفص الحداد أنه كان أكثر من عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الصوفية، ثم يخرج بين العشائين فيتصدق من الأبواب  ((اللمع ))  للطوسي
والمعروف أن التسول والاستجداء والوقوف على أبواب الناس، وحمل المخلاة والكشكول من لوازم الديانة البوذية، ومن نصائح بوذا الثمانية المشهورة التي نصح بها دراويشه ورهبانه، كما أنه ألزمهم سير البراري، وقطع الصحاري، أو المكوث في الخانقاوات، والانشغال فيها بالذكر.
ولقد أخذت الصوفية هذا النظام بكامله من البوذية، وألزموا أنفسهم به، كأنهم هم الذين نصحهم بوذا بذلك فيقول الطوسي: (الأكل بالسؤال أجمل من الأكل بالتقوى  ((اللمع ))  للطوسي (ص255 ).
وقال: (كان بعض الصوفية ببغداد لا يكاد يأكل شيئا إلا بِذُلّ السؤال  أيضا (ص253).
ويروي الهجويري عن ذي النون المصري أنه قال: (كان لي رفيق موافق دعاه عز وجل إليه، وأنتقل من محنة الدنيا إلى نعمة العقبى، ورأيته في النوم فقلت له: ما فعل الله بك ؟.
قال: غفر لي. قلت: بأي خصلة ؟. قال: أوقفني وقال: يا عبدي، لقد تحملت كثيرا من الذّل والمشقة من السفلة والبخلاء ومددت إليهم يدك، وصبرت في ذلك، وقد غفرت لك بذلك  كشف المحجوب للهجويري (ص605 ).
ونقل السهروردي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان معتكفا بجامع البصرة مدة، وكان يفطر في كل ثلاث ليال ليلا، وليلة إفطاره يطلب من الأبواب  انظر  ((عوارف المعارف))  للسهروردي (ص150)،  أيضا ((غيث المواهب العلية))  للنفزي الرندي (2/ 66)،  أيضا ((إيثاظ الهمم))  لابن عجيبة (ص333 ).
كما نقل عن أبي جعفر الحداد وكان أستاذ الجنيد أنه كان يخرج بين العشائين، ويسال من باب أو بابين  انظر ((عوارف المعارف ))  (ص150 )،  أيضا ((غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية))  (2/ 65). وذكر عن النوري أنه كان يمدّ يده ويسأل الناس  ((عوارف المعارف ))  (ص157).
وذكر النفزي الرندي عن أبي سعيد الخراز أنه كان يمدّ يده ويقول: (ثمّ شيء لله  ((غيث المواهب العلية))  للنفزي الرندي (2/ 65 ).
وذكر الشعراني أشياء طريفة عن فقراء الزاوية التي بناها يوسف العجمي، الذي قال عنه: هو أول من أحيا طريقة الشيخ الجنيد بمصر بعد إندراسها، يقول الشعراني عن هذا الصوفي وتلاميذه: (كانت طريقة التجريد، وأن يخرج كل يوم من الزاوية فقيرا يسأل الناس إلى آخر النهار فمهما أتى به يكون قوت الفقراء ذلك النهار كائنا من كان.
وكان الفقراء يأتي أحدهم بالحمار محملا خبزا وبصلا وخيارا وفجلا ولحما، ويوم سيدي يوسف يأتي ببعض كسيرات يابسة يأكلها فقير واحد، فسألوه عن ذلك، فقال:
أنتم بشريتكم باقية، وبينكم وبين الناس ارتباط فيعطونكم، وأنا بشريتي فنيت حتى لا تكاد ترى فليس بيني وبين التجّار والسوقة وأبناء الدنيا كبير مجانسة.
وكان صورة سؤاله أن يقف على الحانوت أو الباب ويقول: الله، ويمدّها حتى يغيب، ويكاد يسقط على الأرض، فيقول من لا يعرفه: هذا العجمي راح في الزقزية.
وكان رضي الله عنه يغلق باب الزاوية طول النهار لأحد إلا للصلاة.
وكان إذا دقّ داق الباب يقول للنقيب: اذهب فانظر من شقوق الباب، فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء فافتح له، وإلا فهي زيارات فشارات  ((طبقات الشعراني))  (2/ 66،  67).
فلاحظ ما فيه من الطرائف و الأضحوكات.
وابن عجيبة الحسني ذكر عن التجيبي ابن ليون أنه بين أصل السؤال ومسألة الزنبيل، فيقول:
(كيفيته: أن يتوضأ الرجل ويصلي ركعتين، ويأخذ الزنبيل (يعني وعاء) بيده اليمنى، ويخرج إلى السوق ومعه رجل آخر يذكر الله ويذكر الناس، والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسر من الطعام، ويعبّه بين الفقراء فيأكلون طعاما حلالا بلا تكلف ولا كلفة، هذا ما تيسر لنا في حكم السؤال  ((ايقاظ الهمم لابن عجيبة))  الحسني (ص333) ط مصطفى البابي الحلبي مصر الطبعة الثالثة 1402هـ.
وأما من عاش في الصحاري، وتجوّل في البراري فكثيرون جداً، وقد نقل السهروردي عن بشر بن الحارث أنه قال: (يا معشر القراء، سيحوا تطيبوا  ((عوارف المعارف ))  للسهروردي  (ص125).
وقال: أو من جملة المقاصد في السفر: رؤية الآثار والعبر، وتسريح النظر في مسارح الفكر، ومطالعة أجزاء الأرض والجبال ومواطئ أقدام الرجال، واستماع التسبيح من ذوات الجمادات، والفهم من لسان حال القطع المتجاورات، فقد تتجدد اليقظة بتجدد ومستودع العبر والآيات، وتتوفر بمطالعة المشاهد والمواقف الشواهد والدلالات. قال الله تعالى:  سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ٌ[فصلت:53]
وقد كان السري يقول للصوفية: إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار. ومن جملة المقاصد للسفر: إيثار الخمول وإطراح حظ القبول  ((عوارف المعارف ))  للسهروردي  (ص122).
وكان قسم منهم يسافر دوما، ولذلك سمو بالسياحيين كما قال الكلاباذي:
(ولكثرة أسفارهم سمّوا: سياحين، ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار شكفتية. والشكفت بلغتهم الغار والكهف   ((التعرف لمذهب أهل التصوف))  للكلاباذي  (ص29) الطبعة الثانية مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة 1400 هـ.
وقد ذكر أصحاب الطبقات وكتب الصوفية أحوال الكثيرين منهم.
فيذكر أحد الصوفية القدامى الهجويري عن أبي عثمان المغربي: (أنه في بداية حاله أعتزل عشرين سنة في البوادي بحيث لم يكن يسمع آدميا، حتى ذابت بنيته من المشقة، وصارت عيناه كسّم الخياط، وتحول عن صورة الآدميين، وجاءه الأمر بالصحب بعد عشرين عاما، وقيل له: أصحب الخلق. فقال لنفسه: فلأبدأ بصحبة أهل الله ومجاوري بيته، ليكون ذلك أكثر بركة، فقصد مكة، وأطلع المشايخ على مجيئه بقلوبهم، خرجوا لاستقباله، فوجدوه وقد تبدلت صورته، وفي حال لم يكن قد بقي عليه فيها شيء سوى رق الخلقة  ((كشف المحجوب))  للهجويري  (ص416)،  أيضا ((تذكرة الأولياء))  لفريد الدين العطار  (ص347) ط باكستان.
وقال أبو طالب المكي: قد كان الخواص لا يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما، ويرى أن ذلك علّة في توكله، فيعمل في إختبار نفسه وكشف حاله.
وحدثنا عن بعض الشيوخ قال: (لبثت في البرية أحد عشر يوما لم أطعم شيئا  ((قوت القلوب ))  لأبي طالب المكي  (2/ 207 ).
كما يقول: (خرجت طائفة الأبدال إلى الكهوف تخلّيا من أبناء الدنيا  أيضا (2/ 152).
ونقل السهروردي عن إبراهيم الخواص أنه ما كان يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما، وكان يرى: إن أقام أكثر من أربعين يوما يفسد عليه توكله، فكان علم الناس ومعرفتهم إياه سببا ومعلوما.
وحكى عنه أنه قال: مكثت في البادية أحد عشر يوما لم آكل، وتطلعت نفسي أن آكل من حشيش البر، فرأيت الخضر مقبلا نحوي فهربت منه، ثم التفت فإذا هو رجع عني، فقيل: لم هربت منه ؟. قال: تشوفت نفسي أن يغيثني، فهؤلاء الفرارون بدينهم  ((عوارف المعارف ))  للسهروردي (ص126 )،  أيضا ((قوت القلوب ))  لأبي طالب المكي (2/ 207) ط دار صادر بيروت.
ونقل الشعراني عن عدي بن مسافر الأموي الذي قال فيه: هو أحد أركان الطريقة وأعلى العلماء بها، والذي نقل فيه عن الشيخ عبد القادر أنه قال: لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها عدي بن مسافر، يقول عنه الشعراني: أنه أقام أول أمره زمانا في المغارات والجبال والصحاري مجردا سائحا يأخذ نفسه بأنواع المجاهدات، وكانت الحيات والهوام والسباع تألفه فيها  ((الطبقات الكبرى))  للشعراني (1/ 136،  137 ).
وكذلك ينقل الشعراني عن شيخه أمين الدين أنه قال: (كان شخص من أرباب الأحوال بناحية شان شلمون بالشرقية جالسا في البرية، وقد حلّق على نفسه بزرب شوك، وعنده داخل هذه الحلقة الحيات والثعالب والثعابين والقطط والذئاب والخرفان والأوز والدجاج).
هذا ومثل هذا كثير في كتب الطبقات العربية والفارسية والأردية، وكتب اللغات الأخرى التي ألفت تراجم الصوفية.
وأما الجلوس في الخانقاوات، وملازمة الربط والتكايا والزوايا فهو من لوازم التصوف، فإن الصوفية خصصوا أبوابا مستقلة في كتبهم لبيان فضائل ملازمتها، والمكوث فيها، كما أنهم بيّنوا فيها آداب الخلوة والدخول إليها والمكوث فيها.
كما قال السهروردي: (إعلم أن تأسيس هذه الربط من زينة هذه الملة الهادية المهدية، ولسكان الربط أحوال تميزوا بها عن غيرهم من الطوائف، وهم على هدى من ربهم  ((عوراف المعارف))  للسهروردي (ص111).
وذكر الصوفي المشهور الكمشخانوي في كتابه (جامع الأصول في الأولياء) آداب الخلوة، فيقول: (للدخول في الخلوة آداب وشروط، منها:
 أن يستأذن الشيخ في دخول الخلوة.
أن يدخل الشيخ الخلوة ويصلي فيها ركعتين قبل دخول المريد.
أن يدخلها كما يدخل المسجد مقدّما رجله اليمنى، مبسملا متعوذا.
أن تكون الخلوة مظلمة لا يدخلها شعاع الشمس ولا ضوء النهار.
أن لا يستند إلى جدار الخلوة.
الصوم.
أن يعتقد في نفسه أنه إنما يدخل الخلوة لكي يستريح الناس من شره.
أن لا يتكلم مع أحد في الخلوة أو خارجها إلا مع شيخه.
إذا خرج إلى الصلاة أو الوضوء فليغطِّ رأسه ورقبته بشيء مطرقا إلى الأرض غير ناظر إلى أحد.
دوام تخيل صورة شيخه، وهو الرابطة بينه وبين خالقه... فإنه إذا همّ بمعصية يتمثل له الشيخ فينزجر عن فعلها - إلى آخر الكلام  انظر  ((جامع الأصول في الأولياء))  لأحمد الكمشخانوي النقشبندي ط المطبعة الوهبية الشام 1298 هـ.
وأما التشابه بين الذكر الصوفي وذكر الطوائف الهندية فهو كما ذكر القشيري:
(المبتدئ في الأحوال يجب أن يسكن حواسه ولا يحرك أنفاسه ولا يحرك بدنه، ولا يحرك جزء منه ولا يردد طرفه ولا شيئا، ويكون مراعيا لهمته، ولا يحرك البتة جزء من نفسه ولا من بدنه ولا من باطنه حتى تبدو الأحوال له بعد طول المراعاة.
ثم يجب ألا ينظر إليها ولا إلى ما يبدو له البتة لئلا يحجب عنها، فلا يزال في المزيد منها إن شاء الله تعالى.
قال: وهذا الطريق الذي هو طريق الله تعالى  لا بدّ فيه من طول المجاهدة ومقاساة ما يحتمله الأسماع والقلوب من الشدائد لو حلّت بها... وكنت أحيانا في بدو المجاهدة وأحوال الذكر لو استتر مني في السماء لكان الستر علي أهون من أن أقوم للأكل، وأتحرك للوضوء والفرض لأنه كان يعيب عني الذكر  ((رسالة ترتيب السلوك من الرسائل القشيرية))  (ص76،  77) ط المعهد المركزي للأبحاث الإسلامية إسلام آباد باكستان.
وذكر الشعراني عن سيده البدوي أنه لازم الصمت، وما كان يكلم الناس إلا بالإشارة  ((طبقات الشعراني))  (ص182).
وملازمة الصمت من العادات البوذية كما يظهر من تماثيل بوذا.
وكذلك ذكر الشعراني أيضا عن سيده عبد الرحمن المجذوب أنه كان ثلاثة أشهر يتكلم، ثلاثة أشهر يسكت  ((طبقات الشعراني))  (2/ 141).
وهناك عقيدة بوذية تسمى سمادهي (SAMADHI) وهذه آخر درجات الذاكر يفنى فيها ذاته في الذات الإلهي  The Buddha And The Criste P. 84 By B.H Streeter London 1932.
يذكر نفس هذا الشيء صوفي مشهور بحرق الحضرمي في رسالته (ترتيب السلوك)، فيقول: من لم يتيسر له شيخ، وأراد دخول الخلوة فليقدم الاغتسال، وغسل ثيابه ومصلاه، ويهيئ أسبابه بحيث لا يحتاج إلى الخروج، ويرتب لحوائجه من قوت وغيره... ثم ليلازم الجوع فيكون صائما مقتصرا على قدر معلوم من الطعام والماء مقتصدا لا يزيد عليه أبدا، وليلازم السهر فلا ينام إلا في وقت معلوم، وليلازم الذكر فيقتصر على ملازمة ذكر واحد.
ينطق بذلك الذكر بعينه بحيث يظن من يسمعه أن معه في خلوته ألف ذاكر لله، ثم يغلب عليه حال الذكر فلا ينظر في الوجود شيئا يقع عليه نظره إلا معلنا بذلك الذكر بعينه بحيث لو كان عنده ألف شخص، كل منهم يذكر بذكر مخالف للآخر لم يسمعهم ينتطقون إلا بذكره الذي غلب عليه، وحينئذ يبقى منتظرا لما يفتح الله به على قلبه من رحمته وعلم غيبه، وأول ما يظهر غالبا أنوار إلهية كأنها البرق الخاطف تلمع بسرعة، ويختفي وهي لذيذة جدا يحصل بوجودها الوجد، وباختفائها الحنين إليها، وبما غشيته أنوارها.
ثم يصير قلبه كالمرآة المجلوة فيكون مقابلا للجناب القدس، فيصير كل شيء كأنه مشاهد للحق سبحانه علما وحالا فانيا عن نفسه، فضلا عن خيرها، فحينئذ يعبد الله كأنه يراه ويشهده  ((ترتيب السلوك إلى ملك الملوك))  لجمال الدين محمد بن عمر بحرق الحضرمي (ص248،  249) ط جامعة بنجاب لاهور باكستان.
وأما الفناء في الشيخ فيذكر الشعراني في كتابه (الأنوار القدسية): (اعمل أيها المريد على أن تتحد بشيخك، فيكون ما عنده من المعارف عندك على حدّ سواء ويكون تميزه عليك إنما هو بالإضافة لا غير، قال: وقد قال لي الشيخ أبو الحسن الشاذلي يوما: يا أبا العباس، ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا وأنا أنت   ((الأنوار القدسية))  لعبد الوهاب الشعراني (2/ 21) ط إحياء التراث العربي بغداد العراق.
وأما تعذيب النفس، وحبس الدم، والرياضات الشاقة فمنها ما ذكرناها أثناء الوقائع التي سردناها آنفا.
ومن ذلك ما ذكره الشعراني في طبقاته عن البدوي انه: (كان طول نهاره وليله قائما شاخصا ببصره إلى السماء وقد انقلب سواد عينيه بجمرة تتوقد كالجمر. وكان يمكث الأربعين يوما وأكثر لا يأكل ولا يشرب ولا ينام  ((الطبقات الكبرى))  للشعراني (1/ 183 )،  ((النفحة العلية في أوراد الشاذلية))  لعبد القادر زكي (ص253) ط القاهرة.
ويقول المنوفي، وأبو الهدى الرفاعي أن مكوثه هذا امتدّ إلى اثنتي عشرة سنة حيث يقولان: (ومكث على السطوح حوالي اثنتي عشرة سنة  ((جمهرة الأولياء))  للمنوفي الحسيني (2/ 237 )،  أيضا ((قلادة الجواهر في ذكر الرفاعي وأتباعه الأكابر))  لمحمد أبي الهدى الرفاعي (ص399) الطبعة الأولى 1400 هـ بيروت لبنان.
ويذكر الطوسي والقشيري والعطار والهجويري والغزالي  والشعراني وغيرهم
 (أن الشبلي كان يكتحل بالملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم، وأحيانا كان يحمي الميل فيكتحل به  انظر ((اللمع ))  للطوسي (ص275 )،  ((الرسالة القشيرية))  (ص160 )،  ((تذكرة الأولياء))  للعطار (ص305 )،  مكاشفة القلوب للغزالي (ص30 )،  ((الأنوار القسية))  للشعراني (ص54 )،  ((الطبقات الكبرى))  للشعراني (1/ 103 ).
وينقل القشيري في رسالته (ترتيب السلوك): (كنت أريد أن لا أنام لئلا أغيب عن الذكر لحظة، فكنت أقعد على حجر ناتئ من جدران بيتنا من الحجر قدر ما أضع عليه قدمي، وتحتي واد، وفوقي شاهق حتى لا يأخذني النوم  ((رسالة ترتيب السلوك من الرسائل القشيرية))  لعبد الكريم القشيرية المتوفى 465 هـ (ص78) ط باكستان.
وكتب الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر سابقا، وصوفي مشهور، عن أحمد الدردير أنه ردد الذكر ستة أشهر حتى أحرق الذكر جسمه، وأذهب لحمه ودمه حتى صار مجرد الجلد على العظم  ((سيدي أحمد الدردير))  للدكتور عبد الحليم محمود (ص76) ط القاهرة 1974 م.
وذكر الدريني عبد العزيز الصوفي المتوفى 697هـ عن داود بن أبي هند أنه
 (صام أربعين سنة لم يعد الناس عنه ولا أهل بيته، وكان يؤتى بالإناء ناقصاً فيتمه بالدموع  ((طهارة القلوب))  لعبد العزيز الدريني (ص209) وما بعد ط مصطفى البابي الحلبي 1971 م. ويذكر الطوسي عن أبي عبد الله الصبيحي أنه: (لم يخرج ثلاثين سنة من بيت من تحت الأرض)  ((اللمع ))  للطوسي (ص500 ).
ويذكر فريد الدين العطار عن الصوفي المشهور أبي بكر الشبلي أنه (كانت في يده قضيب يضرب به فخذه وساقه حتى تبدد لحمه كل ما ذكرناه حتى الآن وأوردناها من عبارات وشواهد وشهادات،  لم نذكرها ولم نوردها إلا عن التصوف المعتدل،  والصوفية المعتدلين،  أو المتصوفة الذين اتفق على كونهم من هذه الطائفة قاصدين متعمدين،  وإلا مانقل عن المتطرفين الغلاة أو الذين اختلف في أمرهم فكثير مثل ما ذكر الغزالي عن الحلاج أنه قيّد نفسه من كعبه إلى ركبته بثلاثة عشر قيدا،  وكان يصلي مع ذلك كل يوم وليلة ألف ركعة انظر ((مكاشفة القلوب))  للغزالي (ص30) تحقيق عبد الله أحمد أبو زينه ط القاهرة. وحكي عن الترمذي الملقب بالحكيم أنه قال: ألهمت منع الشهوات... حتى ربما أمنع نفسي الماء البارد،  وأتورع عن شرب ماء الأنهار... ووقع علىّ حب الخلوة في المنزل والخروج إلى الصحراء،  فكنت أطوف في الخربات والنواويس،  واعتصمت بها انظر رسالة بدوّ شأن أبي عبد الله للحكيم الترمذي من مجموعة  ((ختم الأولياء))  تحقيق عثمان إسماعيل يحيى (ص15) ط المطبعة الكاثوليكية بيروت. وذكر الشعراني عن ابن عربي: أنه كان رضي الله عنه أولا من الموقعين عند بعض ملوك المغرب،  ثم إنه طرقه طارق من الله عز وجل،  فخرج في البراري على وجهه إلى أن نزل في قبر. فمكث فيه مدة. ثم خرج من القبر يتكلّم بهذه العلوم التي نقلت عنه،  ولم يزل سائحا في الأرض يقيم في كل بلد بحسب الإذن،  ثم يرحل منها انظر ((اليواقيت والجواهر))  للشعراني (1/ 6،  7) ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة.   وأما ابن الفارض فيقول عنه ابنه: سمعت والدي ابن الفارض: كنت في أول تجريدي أستأذن أبي وأطلع إلى وادي المستضعفين بالجبل الثاني من المقطم وآوي فيه،  وأقيم في هذه السياحة ليلا ونهارا انظر ((جمهرة الأولياء))  لمحمود أبي الفيض المنوفي الحسيني (2/ 246) ط القاهرة 1387 هـ). وعلى ذلك قال ابن عربي: إن التصوف طريق الشدة،  ليس للرخاء فيه مدخل (الأمر المحكم المربوط لابن عربي الملحق بذخائر اعلاق له أيضا (ص268) بتحقيق محمد عبد الرحمن الكروي ط القاهرة).   وتناثر)  ((تذكرة الأولياء))  لفريد الدين العطار (ص305) ط باكستان،  أيضا ((طبقات الشعراني))  (1/ 88 ).
وحكى عبد العزيز الدباغ عن صوفي أنه (رمى بنفسه في بداية مجاهدته من حلقة داره إلى أسفل تسعين مرة انظر ((الإبريز))  للدباغ (ص105 ).
ويحكي عماد الدين الأموي قصة صوفي هندي دمعت إحدى عينيه ولم تبك الأخرى، فقال لعينه التي لم تدمع: (لأحرمنك النظر إلى الدنيا، وغمض عينه، فلم يفتح عينه أكثر من ستين سنة  ((حياة القلوب))  للأموي (ص219) بهامش ((قوت القلوب)).
وذكر عن صوفي هندي خضر سيوستاني القادري أنه (كان يسكن في المقابر، ولا يلبس إلا رداء واحدا، وكان يأكل العشب وأوراق الأشجار، كان له تنور يحميه ويتعبد فيه، وكانت حيوانات البادية تجالسه وتأوي إليه، وكان يتعبد في فصل الصيف على حجر حارّ خصّه لنفسه  انظر ((تذكرة أولياء بر صغير))  لميرزه محمد أختر الدهلوي  (3/ 31) ط باكستان.
ويذكر الميرزه محمد أختر الدهلوي عن الصوفي فخر الدين الرازي أنه (كان يسكن ليل نهار في الغابات  ((تذكرة أولياء بر صغير))  لميرزه محمد أختر الدهلوي  (1/ 157).
وحكى عن صوفي هندي مشهور ميان أمير أنه (كان يسكن الجبال بعيدا عن الناس  ((تذكرة أولياء باك وهند))  للدكتور ظهور الحسن شارب (ص282) ط باكستان.
وهناك صوفي مشهور فريد الدين الملقب بكنج شكر فيحكي عنه أنه (علّق نفسه معكوسة في بئر، ولم يزل على هذه الحال أربعين سنة لم يأكل ولم يشرب شيئا  ((تذكرة أولياء بر صغير))  لميرزه الدهلوي  (1/ 96) ط باكستان.
وصوفي هندي آخر أحمد عبد الحق (حفر لنفسه قبرا، واشتغل فيه بالعبادة ستة أشهر  انظر ((تذكرة أولياء باك وهند))  للدكتور ظهور الحسن شارب (ص179) ط باكستان.
وأما حبس الدم فيذكر القشيري: (المبتدئ في الأحوال يجب أن يسكن حواسه، ولا يتحرك أنفاسه  انظر رسالة ((ترتيب السلوك من الرسائل القشيرية))  (ص6)،  ط باكستان.
ويذكر الصوفي الهندي الدكتور ظهور حسن شارب أن الصوفي الهندي المشهور ميان مير (كان يقضي الليل كله في نفس واحدة  ((تذكرة أولياء باك وهند))  (ص286).
ويذكر عن صوفي آخر ملا شاه أنه كان (يقضي الليل كله في نفسين فقط  ((تذكرة أولياء باك وهند))  (ص307).
وهذا كله عملا بقول الصوفية: (مقام المريد المجاهدات والمكابدات، وتحمل المشاق، وتجرع المرارات  ((حياة القلوب))  لعماد الدين الأموي (ص268) بهامش ((قوت القلوب ))  للمكي. وأيضا بقولهم: (إن الصوفية يلزمون أنفسهم بالأغلظ والأشق من أقوال العلماء)  ((حياة القلوب))  (ص266).
هذا ومثل هذه الأمور كثيرة جدا، التي لم تؤخذ ولم تقتبس إلا من الديانات الهندية ولا وجود لها في تعاليم الإسلام، ولم تنقل إلى الصوفية إلا منها
وقبل أن ننتقل إلى فكرة أخرى نريد أن نبين أمرا آخر، وهو أن الصوفية بمختلف مشاربهم وطرقهم يتباهون بحبهم للجميع، وعدم الاعتراض على مذهب دون مذهب ومسلك دون مسلك. وإنهم لا يفرّقون بين ديانة وديانة، ولا يميّزون بين طائفة وطائفة وجماعة وجماعة، بل يحترمون جميع الآراء والمعتقدات وأصحابها، وقد نقلوا فيها أقوالا عديدة.
مع أنها لا أساس لها في شريعة الإسلام وتعاليمها، حيث أن هذا الأمر أصل من أصول فلسفة اليوجا التي ترى في كل الديانات وفي كل الفلسفات حقا، ولا يعترض على دين وفلسفة مهما اختلفوا وتباعدوا في المشرب والمسلك، ويسع مذهبه لمعتقدات الجميع، ويأبى أن يتقيد بقيود أيّ منها  انظر ((فلسفة اليوجا))  تأليف يوجي راما شاركه (ص198) نقلا عن ((أديان الهند الكبرى))  للدكتور أحمد الشلبي (ص171) ط 1964 م.
والجدير بالذكر أن هناك كتابا ترجم إلى اللغة العربية باسم (فلسفة راجايوجا) بطبع عبد الغني أحمد، وترجمة حسن حسين، فيه فصل خاص لمقارنة هذه الفلسفة الهندية بالفلسفة الصوفية و كما أن الكتاب كله يشتمل على الرياضات والمجاهدات وطرق الأوراد والذكر، التي نقلناها آنفا من المتصوفة الكبار وأقطاب هذه الطائفة وأعلامها.
وأما قضية وحدة الوجود والحلول والاتحاد، المقائد التي نادى بها الحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهم ممن سلك مسلكهم، ونهج منهجهم. فلم يشك أحد في كونها مأخوذة مقتبسة بتمامها من (فيدانتا) الهندية.
ومن قرأ آراء شري شنكر أجاريا في فلسفة (فدانتا) عرف جيدا أنها عين ما قاله الحلوليون والاتحاديون وأصحاب وحدة الوجود، وأن ما بيّنه شنكر، وفصّل القول فيه في شرح فلسفة وحدة الوجود أو فيدنتا هي التي توجد في كتب الوجوديون بكلياتها وجزئياتها.
وأكثر من ذلك تعرض تعاليم شنكر أجاريا وتقرأ مكتوباته على من قرأ كتب ابن عربي، وشارحه ابن الفارض، ومفسره في المعجم جلال الدين الرومي، لم يستطع التفريق في مقولاتهم ومكتوباتهم، وحتى الأسلوب والمنهج والتعبير وبيان الطرق الموصلة إلى حصول المعرفة والإدراك.
وبذلك اعترف صوفي كبير من شبه القارة الهندية الباكستانية، وكاتب شهير في تعاليم التصوف وتاريخه أن مسلك وحدة الوجود بمعنى أنه لا موجود في الحقيقة إلا الله، وأن وجود الممكنات وهميّ مثل الشعلة التي تظهر بتحريكها سريعة دائرة وهمية، يظنها الناظر دائرة حيث لا يكون لها وجود حقيقة، بل حركة الشعلة بسرعة هي التي أوهمت الناظر بوجودها، فكذلك الكون والممكنات. فهذا مسلك شري شنكر أجاريا، الذي أسسه وأوضحه في شروحه لأوينشد، وأخذ منه هذه الفلسفة من المسلمين (حضرة الأقداس إمام العرفاء محيي الدين ابن عربي، والمعروف بالشيخ الأكبر).
كما أنه تأثر بفلسفة حكماء المغرب مثل اسنبوزا، لائبنز، فخته، هيجل، شوين هاور، باذنكويت، وبردليه، كما أن الشهوديين من المسلمين أخذوا فلسفة وحدة الشهود أيضا من العرفاء الهندوكيين. وهذا المسلك مأخوذ من رام نوج أجاريا أحد شراح اوبنشاد الأربعة المعروفين  انظر ((تاريخ تصوف))  ليوسف سليم جشتي (ص30) وما بعد ط مجمع العلماء أوقاف لاهور 1976 م.
فالديانات الهندية هي المصدر الآخر للتصوف الذي راح بين المسلمين، وأختاره طائفة من الناس الذين أرادوا أن يكونوا عرفاء من بين المسلمين، واختاروا نفس المناهج التي وضعها أصحاب الديانات الهندية لحصول (نروان) أي المعرفة، وجعلوا غورديسيا (أي تعذيب النفس) وجب وكيان دهيان (أي الصمت والتفكير والذكر) وسيلة للوصول إليها، وكان هذا ظاهرا جليا واضحا إلى حدّ اضطر المراعون للتصوف، والمداهنون للصوفية، والمدافعون عنهم أن يقرّوا به على ملأ من الناس: (فالتصوف الإسلامي الحقيقي مبناه على الكتاب والسنة وعلى أحوال الرسول النبي العربي صلى الله عليه وسلم وإن تعرجت مؤخرا تعاليم التصوف وتلونت بعض فروعه ألوانا عدة واتجهت تلك الفروع اتجاهات مختلفة بسبب المذاهب الموروثة للداخلين المحدثين في الإسلام من هنود وفرس وإسرائليين ومسحيين ولا سيما في عصر الترجمة الذي شجع عليه المأمون ومن بعده من الخلفاء العباسيين فترجم المسلمون كتباً كثيرة من التصوف الهندي واليوناني والفارسي وطمعت بعض فروع التصوف الإسلامي الخالص بما دخل عليها من النزعات الأفلاطونية الحديثة أو القديمة وبعض المذاهب الهندية والفارسية في التصوف كنظرية الحلول والاتحاد والتقمص والتناسخ وما إلى ذلك (ولكل دين تصوفه وطبعا).ومع ذلك ظل التصوف الإسلامي الصميم والذي مصدره الكتاب والسنة قائما على حاله في صدور رجاله وفي الكتب الإسلامية كتواليف الحسن البصري والقشيري وأبي طالب المكي والسراج والغزالي  والباحث والقارئ يلاحظ هذه المعالجة كثيرا ما  تمسك بها الصوفية ومن دافع عنهم،  ولأجل ذلك لم نورد النصوص والعبارات في هذا المبحث كله،  ولم نبن الحكم على ما كتبه هؤلاء ومن تبعهم في موقفهم ومسلكهم ومشربهم،  ولم نتعرض إلى أقوال الوجوديين والحلوليين والاتحاديين مع تمسك القوم بكتبهم ومقولاتهم والمباهاة بعرفانهم وكرامتهم والمبالغة في تمجيدهم والثناء عليهم.
(وشذ عن ذلك أمثال الحلاج الذي قال بالحلول والقائل (أنا الحق وما في الجبة سوى الله) ومحيي الدين القائل (خضنا بحراً وقف الأنبياء بسالحله) وبرأه من فكره الحلول قوله بالسكر وغلبة الحال. وأكثر الصوفية الأعاجم خلطوا بين الفلسفة الفارسية القديمة أو الهندية وما قبسوه عن اليونانية والأفلاطونية الحديثة وبين تصوفهم الخاص).
وقد تأثر أمثال ببراهمة الهند والغرس في أزيائهم وطقوسهم، واعتنقوا من أفكارهم   ((جمهرة الأولياء))  لمحمود أبي الفيض المنوفي الحسيني (1/ 266،  267 ).
ويقول صوفي متقدم لسان الدين بن الخطيب: (ومن الهنود الذي وضع لهم الحكمة المصلحية، الشلم، والمهندم، والبرهمان، والصولية، والبردة، والزهاد، والعباد، ورجال الرماد، وأصحاب الفطرة، وهم يهجرون اللذات الطبيعية جملة، ويكثرون الجوع والرياضة، عشاق فيما ولّوا وجوههم شطره  روضة التعرف بالحب الشريف للسان الدين بن الخطيب (ص543) بتحقيق عبد القادر أحمد عطا ط دار الفكر العربي.
وقال الآخر ما خلاصته: (وشك أن ابن عربي في مدرسة وحدة الوجود وسوابق بذورها في مدرسة الحلاج ولواحقها حتى عبد الكريم الجيلي وما بعده قد تأثر بالمصدر الهندي الذي أنطق مذهب الانبثاق الرواقي والفيوضات والصدور عند الأفلاطونية  ((أضواء على التصوف))  للدكتور طلعت غنام (ص113).
وقال ماسينيون: (ونجد من ناحية أخرى أن بحث المراحل التي أدّت إلى إدخال الذكر في طرق الصوفية المحدثين تدلنا على تسرب بعض طرائف الهنود إلى التصوف الإسلامي  مقال ماسينيون عن التصوف (ص49) ط دار الكتاب اللبناني بيروت.
وبمثل ذلك قال أوليري المستشرق الآخر: (وثمة شبيه هندي للفناء، ولكن ليس في البوذية، وإنما فيما تقول به الفيدانتا من وحدة الوجود  ((الفكر العربي ومكانته في طريق ترجمة عربية))   (ص200) ط 1961 م.
ونيلكسون كذلك، فيقول في إحدى مقالاته وهو يتكلم في الفناء الصوفي:
(أما في شرق فارس حيث ظهرت فكرة الفناء لأول مرة ظهورا واضحا، فلا بدّ أنها كانت متأثرة إلى حد كبير بأفكار هندية وفارسية.
ويدل تعريف الصوفية للفناء من الناحية الخلقية بأنه محو الصفات الذميمة، والتخلق بكل خلق حميد، ووصفهم لوسائل قمع الهوى والشهوات، على وجود أثر للفلسفة البوذية فيهم مما لا يدع مجالا للشك، لأن تعريفهم هذا تمام الاتفاق مع تعريف النرفانا.
أما الفناء في عرف أصحاب وحدة الوجود فربما كان أشد اتصالا بفكرة الفيدانتا وما يماثلها من الأفكار الهندية... مثال ذلك أن أبا يزيد البسطامي كان من أهل خراسان، وكان جده زرادشتيا وشيخه في التصوف كرديا. ويقال: أنه أخذ عقيدة الفناء الصوفي عن أبي علي السندي الذي علّمه الطريقة الهندية التي يسمونها مراقبة الأنفاس، والتي وصفها هو بأنها عبادة العارف بالله.
وإنك لتلمح نزعة أبي يزيد إلى وحدة الوجود مائلة في الأقوال المعزوة إليه.
مثال ذلك كخرجت من الحق إلى الحق حتى صاحوا مني فيّ (يا من أنا أنت).
إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني: سبحاني ما أعظم شأني.
للخلق أحوال، ولا حال للعارف، لأنه محيت رسومه، وفنيت هويته بهوية غيره، وغيبت آثاره بآثار غيره  في ((التصوف الإسلامي وتاريخه))  ترجمة الدكتور أبي العلاء عفيفي  (ص75).
وقد كرر هذا القول في مواضع كثيرة مختلفة في مقالاته من التصوف والصوفية.
وكتب الدكتور أبو العلاء عفيفي البحاثة المصري الكبير معلقا على إحدى عباراته، ومصدقا كلامه، ما نصه:
(لا شك أن التصوف الإسلامي في ناحيته العلمية كان إلى حد ما على التصوف البوذي. يدل على ذلك ما ذكر الجاحظ في كتاب (الحيوان) عن رهبان الزنادقة الذين كانوا يخرجون للسياحة أزواجا، ولا يقيمون في مكان واحد أكثر من ليلتين. وكانوا يأخذون أنفسهم بتطهير القلب والعفة والصدق والفقر. ويذكر الجاحظ قصة رجلين منهم دخلا مدينة الأهواز  أيضا تعليقه رقم 2 (ص24 ).
ويقول جولد زيهر: (إن نظرية الصوفيين في فناء الشخصية هي التي تقرب وحدها من فكرة الجوهر الذاتي (اتمان)، إذا لم تكن تتفق معها تماما، ويطلق الصوفيين على هذه الحالة لفظ الفناء أو المحور و الاستهلاك  العقيدة والشريعة في الإسلام لجولدزيهر ترجمة عربية (ص162).
وقال أحد الكتّاب: (أما زيهر فقد ذهب إلى أن الربط بين الفناء والنرفانا دعوى لا تحتاج إلى برهان، معتمدا في ذلك على قول لأبي يزيد جاء فيه:
صحبت أبا علي السندي فكنت ألقّنه ما يقيم به فرضا، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفا. فالنص – في نظره – لا يفهم منه سوى أن أبا يزيد كان يعلّم السندي الفروض الدينية، باعتباره حديث عهد بالإسلام، مقابل تلقيه عنه علم الحقيقة والفناء، الذي لم يكن على علم به  المعراج في الكتابات الصوفية للدكتور قاسم السامرائي (ص216).
ونريد أن نثبت ههنا أيضا نص ما ذكره الباحث الإيراني المشهور الدكتور قاسم غني، فيقول:
(إذا كان رأي أولئك الذين يعتقدون أن التصوف وليد المعتقدات البوذية والهندية مبالغا فيه، فينبغي أن يقال في الأقل أن من جملة ما كان له تأثير في التصوف الإسلامي أفكار البوذية والهندية ونزعاتهما وعاداتهما.
والإسلام الذي خرج من حدود الجزيرة العربية بسرعة البرق بعد ظهوره بفترة قصيرة سرعان ما أخذ يتقدم في كل ناحية، ولم تطل المدة حتى بلغ تخوم الصين وفتحت بلاد السند في عهد بني أمية، وتوثقت علاقات تجارية واقتصادية بين المسلمين والشعوب والقبائل التي كانت تختلف من ناحية الفكر والحضارة والأخلاق عن أقوام البلاد الأخرى.
ومنذ القرن الثاني وما بعده وحين بدأ المسلمون بنقل كتب الشعوب الأخرى واتسعت دائرة العلوم، ترجم مقدار من آثار البوذية والهندية مما يدخل في باب التصوف العملي أي الزهد وترك الدنيا ووصف العبادات والتقاليد الهندية والبوذية في هذا الباب، ناهيك بنقل كتب هندية وبوذية في القرن الثاني للهجرة والصلات التجارية والاقتصادية القائمة بين المسلمين والهنود في أوائل الخلافة العباسية وقد انتشرت طائفة من تاركي الدنيا والسائحين من الهنود والمانويين في العراق وسائر البلاد الإسلامية الأخرى وكما كانوا يتحدثون في القرن الأول عن الرهبان والسائحين مع المسيحيين كذلك أخذوا يتحدثون في القرن الثاني عن رهبان وسياح ممن لم يكونوا مسلمين ولا نصارى وهم الذين سماهم الجاحظ (رهبان الزنادقة) واعتبرهم من زهاد المانوية.
قال الجاحظ: (إن هؤلاء سياح والسياحة بالنسبة لهم في حكم التوقف واعتزال الساطرة في الصوامع والأديرة، وتلك الجماعة يسافرون دائما اثنين اثنين ويسيحون بحيث إذا رأى الإنسان واحدا منهم يتيقن أن الثاني ليس ببعيد عنه إلى حد ما، وسيظهر قريبا. ومن عاداتهم أنهم لا ينامون ليلتين في مكان واحد، ولهؤلاء السياح خصال أربع: القدس والطهر والصدق والمسكنة).
وهؤلاء السياح تركوا بدورهم أثرا في صوفية المسلمين كما أثر فيهم أيضا السياح والمتجولون والمرتاضون من البوذيين الذين أذاعوا قصة بوذا وقدموه مثالا للزهد والإعراض عن الدنيا، بحيث أن المرتاضين كانوا يعرفونه في كتاباتهم بالمثال الكامل للزهد. وهو الأمير القوي الشكيمة الذي رمى الدنيا ظهريا وحرر نفسه. أو يقولون أنه أسير جدير بالثناء خليق بالاحترام متزييا بزي الفقراء. وهذا الموضوع أوجد قصصا ذات صور مختلفة والنقطة الهامة التي يجب ألا تنسى هي أن الديانة البوذية كانت قد انتشرت في شرق إيران أي بلخ وبخارى وفي ما وراء النهر كذلك قبل الإسلام بأكثر من ألف سنة، وكانت لها صوامع ومعابد مشهورة وكانت معابد بلخ البوذية أكثر شهرة بنوع خاص، وصارت بلخ ونواحيها من أهم المراكز الصوفية في القرون الإسلامية الأولى، وكان صوفيو خراسان يعدون في الرعيل الأول من الصوفية في الشجاعة الفكرية والحرية الشخصية، والعقيدة المعروفة (بالفناء في الله) المقتبسة من الأفكار الهندية إلى حد ما والتي انتشرت على الأكثر بواسطة صوفية خراسان. مثل أبي يزيد البسطامي وأبي سعيد الخير ((تاريخ التصوف في الإسلام))  ترجمة عربية لصادق نشأت (ص 221 – 222).
وقبل أن ننتقل إلى فكرة أخرى نريد أن نلفت الأنظار إلى أن معتنقي البوذية والجينية والديانات الهندية الأخرى كان لهم أن يترهبوا، ويتجردوا عن الدنيا وما فيها، ويختاروا العزلة والخلوة، ويتيهوا في المفاوز والخلوات، ويعيشوا في المغارات والخانقاوات، ويعذبوا أنفسهم، ويأتوا بالمجاهدات والرياضات، ويتحملوا المشاق، ويتعمقوا في المراقبات والمكاشفات وغير ذلك من الأمور، لأن قادتهم وزعماءهم، هداتهم ومرشديهم فعلوا مثل ذلك لحصول المعرفة، واكتشاف الحق، والوصول إلى طمأنينة الروح والقلب، والاتصال بالخالق والاتحاد به – حسب زعمهم – تشبها لهم واقتداء بهم، وتمسكا بأسوتهم، واقتفاء آثارهم ومناهجهم.
فعلى المتبعين أن يسلكوا جميع تلك المراحل التي سلكها سادتهم وكبراؤهم، وأن يكابدوا في هذا السبيل تلك الآلام التي تكبدها أولئك.
وكذلك النصارى.
أولا: لأنه نقل عن مسيحهم ما يشجعهم على التبتل والعزلة.
ثانيا: أن حواريي المسيح، وقدّيسي المسيحية الأوائل تحملوا أنواعا من العذاب في سبيل التمسك بمذهبهم، فأوذوا وأجبروا على ترك المساكن والمواطن وعاشوا في الصحاري والمغارات فرارا بدينهم، وحفاظا على إيمانهم، فحبس منهم وقتّل منهم كثيرون، وعذّب الآخرون.
فتأسيا بهم وتقديرا لهم حرموا أنفسهم من ملذات الدنيا ونعيمها، وألزموا عليهم العزبة والجوع والمشاق، وهجروا العيش بين الأهل والأولاد.
وأما المسلمون فلا نبيّهم أمرهم بذلك، ولا أصحابه ورفاقه الأبرار خيرة خلق الله، وأبرار هذه الأمة عملوا به، ودينهم دين الاعتدال والدين الوسط، الناسخ لجميع الشرائع السماوية منها والأرضية، الإلهامية وغير الإلهامية. وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[آل عمران:85]
والذي كمل قبل انتقال محمد صلى الله عليه وسلم إلى الملأ الأعلى.
 الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا[المائدة:3]
 وما لم يكن فيهما فهو ابتداع وإحداث فيه، وليس منه، ولا له علاقة به.
ولا ندري ممن أخذ متصوفة المسلمين ونساكهم من المسلمين هذا المنهج والمسلك الذي بنوا عليه تصوفهم وزهدهم. اللهم إلا ممن ذكرناهم من المسيحية، وأصحاب الديانات الهندية، وهذه أحوال معتدلي الصوفية ومتقدميهم.
وأما المتطرفون والمتأخرون فقد زادوا على هذين المصدرين مصدرا آخر استقوا منه فلسفتهم ومشربهم، وتشبثوا بآرائه ومقولاته. وهو الأفلاطونية الحديثة.التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير/ ص 97

انظر أيضا: