trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: مراتب الصوفية وألقابهم


وأما مراتب الصوفية، التي وضعوها لبيان طبقات المتصوفة ومكانتهم، وقدرتهم واختيارهم على الخلق، وأعدادهم، وهم حسب كلام لسان الدين بن الخطيب: (خواص الله في أرضه، ورحمة الله في بلاده على عباده: الأبدال، والأقطاب، والأوتاد، والعرفاء، والنجباء، والنقباء، وسيدهم الغوث)   انظر ((روضة التعريف)) (ص 432). .
ولدى الهجويري هم: (أهل الحل والعقد، وقادة حضرة الحق جل جلاله، فثلاثمائة يدعون الأخيار، وأربعون آخرون يسمون الأبدال، وسبعة آخرون يقال لهم: الأبرار، وأربعة يسمون الأوتاد، وثلاثة آخرون يقال لهم: النقباء، وواحد يسمى القطب والغوث. وهؤلاء جميعا يعرفون أحدهم الآخر، ويحتاجون في الأمور لإذن بعضهم البعض) ((كشف المحجوب)) للهجويري ترجمة عربية (ص 447، 448). . ومثل ذلك ذكرهم الجرجاني في تعريفاته: (القطب، وهو الغوث: عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان ومكان، وهو على قلب إسرائيل عليه السلام. الإمامان: هما شخصان، أحدهما عن يمين الغوث ونظره في الملكوت، والآخر عن يساره، ونظره في الملك، وهو أعلى من صاحبه، وهو الذي يخلف الغوث. الأوتاد: عبارة عن أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة أركان من العالم: شرق وغرب وشمال وجنوب، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة. البدلاء: هم سبعة، ومن سافر من القوم من موضعه وترك جسدا على صورته حتى لا يعرف أحد أنه فقد، فذلك هو البدل لا غير، وهم على قلب إبراهيم عليه السلام. النجباء: أربعون، وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق فلا يترفون إلا في حق الغير. النقباء: هم الذين استخرجوا خبايا النفوس، وهم ثلاثمائة) ((التعريفات)) للجرجاني (ص 154). . وهذا الترتيب مأخوذ عن ابن عربي في فتوحاته كما قال: (والمجمع عليه من أهل الطريق أنهم على ست طبقات أمهات: أقطاب، وأئمة، وأوتاد، وأبدال، ونقباء، ونجباء) ((الفتوحات المكية)) لابن عربي (ج2 ص 40). . ومثل ذلك ورد في (الوصية الكبرى) لشيخ العروسية عبد السلام الفيتوري انظر (ص48). .  وفي (جامع الأصول في الأولياء) للكمشخانوي انظر (ص 107). . وفي (طبقات السلمي) للسلمي انظر (ص 57). . ولا بأس في إيراد عبارة داود بن محمود القيصري ههنا، لما فيها من زيادة توضيح لها الأمر، فيقول: (ولهم مراتب. الأولى مرتبة القطبية، ولا يكون فيها أبدا إلا واحد بعد واحد، ويسمى غوثا، لكونه مغيثا للخلق في أحوالهم. ثم مرتبة الإمامين، وهما كالوزيرين للسلطان. أحدهما صاحب اليمين، وهو المتصرف بإذن القطب في عالم الملكوت والغيب، وثانيهما صاحب اليسار، وهو المتصرف في عالم الملك والشهادة. وعند إرتحال القطب إلى الآخرة، لا يقوم مقامه، منهما وإلا صاحب اليسار، لكونه أكمل في السير من صاحب اليمين: لأنه، بعد، ما نزل في السير من عالم الملكوت إلى عالم الملك، وصاحب اليسار نزل إليه، وكملت دايرته في السير والوجود. ثم مرتبة الأربعة، كالأربعة من الصحابة، رصي اله عنهم أجمعين! ثم مرتبة البدلاء السبعة، الحافظين للأقاليم السبعة. وكل منهم قطب للإقليم الخاص به. ثم مراتب الأولياء العشرة، كالعشرة المبشرة. ثم مراتب الإثني عشر، الحاكمين على البروج الإثني عشر، وما يتعلق بها ويلزمها من حوادث الأكوان. ثم العشرين والأربعين والتسعة والتسعين، مظاهر الأسماء الحسنى، إلى الثلاثمائة والستين. وهؤلاء قايمون في العالم على سبيل البدل، في كل زمان، ولا يزيد عددهم ولا ينقص إلى يوم القيامة. وغيرهم من الأولياء يزيدون وينقصون، بحسب ظهور التجلي الإلهي وخفائه. وبعدهم: مرتبة الزهاد والعباد والعلماء من المؤمنين، الكائنين في كل زمان إلى يوم الدين. وجميع هؤلاء المذكورين، داخلون في حكم القطب. والأفراد الكمل، الذين تعادل مرتبتهم مرتبة القطب إلا في الخلافة، هم الخارجون من حكمه. فإنهم يأخذون من الله، سبحانه، ما يأخذون من المعاني والأسرار الإلهية بخلاف الداخلون في حكمه، فإنهم لا يأخذون شيئا إلا منه) ((شرح مقدمة التائية الكبرى)) للقيصري مخطوط (ص 104) نقلا عن كتاب ((ختم الأولياء)) للترمذي الحكيم (ص 495) ط بيروت. . وقد ذكرهم المستشرق الفرنساوي ماسينيون بقوله: (ويزعم الصوفية أن العالم يدوم بقاؤه بفضل تدخل طبقة من الأولياء المستورين عددهم محدود، وكلما قبض منهم واحد خلفه غيره، ورجال الغيب هم: ثلاثمائة من النقباء، وأربعون من الأبدال، وسبعة أمناء، وأربعة عمد، ثم القطب، وهو الغوث) ((التصوف)) لماسينيون ترجمة عربية (ص 45، 46). . فهذه المراتب والترتيب والأعداد لم يأخذها المتصوفة إلا من الشيعة أيضا، وخاصة من الشيعة الإسماعيلية والنصيرية كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رسائله وفتاواه: (وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة، والأوتاد الأربعة، والأقطاب السبعة، والأبدال الأربعين، والنجباء الثلاثمائة، فهذه الأسماء ليست موجودة في كتاب الله، ولا هي أيضا مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل، إلا لفظ الأبدال فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن فيهم - يعني أهل الشام - الأبدال أربعين رجلا، كلما مات رجل أبدله الله مكانه رجلا: ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذه الترتيب... وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به، ثم مع هذا يقولون: أنه كان صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة، ولا يعرف له عين ولا أثر، ولا يدرك له حس ولا خبر. وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجود، بل هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والحد وغير ذلك من الترتيب الذي ما أنزل الله به من سلطان) انظر ((مجموعة الرسائل والمسائل)) للإمام ابن تيمية (1/ 57 و 60) ط بيروت 1983 م، كذلك ((مجموعة فتاوى ابن تيمية)) (ج11 ص 433، 434، 439). . وبذلك قال ابن خلدون في هذا الخصوص، والمسائل الأخرى التي ذكرناها بأن المتصوفة أخذوها من التشيع، فيقول: (إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه وملأوا الصحف من مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول في القطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فضول التصوف منها فقال جل جناب الحق أن يكون شرعه لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء)   انظر ((مقدمة ابن خلدون)) (ص 473) ط القاهرة .الصوفية المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير/ ص 231  


انظر أيضا: