موسوعة الفرق

المبحث الأول: حقيقة توحيد الربوبية عند الأشاعرة


يطلق الأشاعرة على هذا النوع من التوحيد: توحيد الذات والأفعال – وسيأتي بعد قليل إن شاء الله شرح مرادهم بعد بيان المراد بكلمة الرب ومعنى الربوبية....
المسألة الأولى: مدلول كلمة الرب من حيث هي اسم لله تعالى:
قال إبراهيم الباجوري في شرحه لبيت من (جوهرة التوحيد): "قوله: (ربه): أي خالقه أو مالكه أو نحو ذلك من معاني الرب المنظومة في قول الشيخ السجاعي:


قريب محيط مالك ومدبر





مرب كثير الخير والمول للنعم


وخالقنا المعبود جابر كسرنا


 


ومصلحنا والصاحب الثابت القدم


وجامعنا والسيد احفظ فهذه




معان أتت للرب فادع لمن نظم ((تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد)) (ص: 17-18).

وهذه المعاني واضحة، ومرادهم بالقديم هنا الإخبار عن الله تعالى بأنه موجود وجوداً أزلياً، وليس مقصودهم القدم النسبي الذي بمعنى طول مدة الوجود التي لا تستلزم الأزلية انظر: ((شرح الأسماء الحسنى للرازي)) (ص:358-359).
المسألة الثانية: عموم وخصوص ربوبية الله لخلقه:
والمقصود بالربوبية العامة: خلق الله عز وجل لمخلوقاته, وهدايتهم لما يصلحهم في حياتهم مع بقائهم تحت قهره وملكه، وهذه واضحة في النظم السابق.
وأما الربوبية الخاصة: وهي التي تتعلق بدلالة المكلفين وإرشادهم للدين الحق مع توفيقهم للعمل الصالح – فهذه أيضاً معلومة عند الأشاعرة، وقد نصوا عليها عند كلامهم في مسألة خلق أفعال العباد، فمن أقوالهم في الهداية الخاصة قول الرازي: "واعلم أنه سبحانه هادٍ من حيث إنه خص من أراد من عباده بمعرفته وأكرمه بنور توحيده كما قال: وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [يونس: 25] " ا هـ.
المسألة الثالثة: تعريف توحيد الربوبية:
كما تقدم فإن الأشاعرة اصطلحوا على تسمية هذا التوحيد بتوحيد الذات والأفعال، فإنهم يثبتون وحدانية في الذات والصفات والأفعال، والوحدانية الأولى والثالثة هما المرداتان هنا، فقالوا عن وحدانية الذات إنها تنفي عن الذات "تركبها من أجزاء... وتعددها بحيث يكون هناك إله ثان فأكثر" فهذا ما تنفيه وحدانية الذات. قالوا: "ووحدة الأفعال بمعنى: أنه لا تأثير لغيره في فعل من الأفعال" ((تحفة المريد)) (ص: 59) – وانظر ((شرح أم البراهين)) (ص: 28). فيستحيل: "أن يكون لغير الله فعل من الأفعال على وجه الإيجاد" ((تحفه المريد)) (ص: 60).
وقد وضح مقصودهم بتوحيد الذات والأفعال، إلا أن تعبيرهم بكلمة (لا تأثير) فيه شيء من الإجمال ومبالغة ستأتي مناقشتهم فيها إن شاء الله في مسألة الأسباب والمسببات. وكذلك تعبيرهم بكلمة: "تركبها من أجزاء" فيه إجمال متضمن لباطل وحق، فلزم الاستفصال؛ فنفيهم للصفات الذاتية كالوجه واليدين – بدعوى التركيب – نفي باطل لأنه معارض لأدلة من الكتاب والسنة تثبتها، ولا يجوز أن يقال في ما ثبت لله بالأدلة من الصفات إنه تركيب. وأما نفيهم لأن يكون الله متركباً من أجزاء منفردة, أو يقبل التقسيم والتفريق المستلزمين للحاجة والافتقار فهذا نفي صحيح، إذ يجب نفي هذه الأمور عن الله، إذ هو الحي القيوم الغني بذاته عمن سواه انظر: ((تفسير سورة الإخلاص: لشيخ الإسلام ابن تيمية)) (ص: 150)، و((الفتاوى له)) (6/344). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – 1/307

انظر أيضا: