trial

موسوعة الفرق

المطلب الثالث: علماء الإمامية متواطئون على القول بالتحريف


القائلون بالتحريف من الإمامية صنفان:
الأول: علماء مقصودهم هدم الدين: يعلمون أن الدين كله قائم على أساس حفظ القرآن من الزيادة والنقصان: فبثبوته تثبت أصول الدين جميعاً، وبانهياره تنهار هذه الأصول جميعاً.
هل أدركت الآن السر الذي من أجله ابتدأت حجة الله تعالى على خلقه بتحرير هذه القضية الكبرى قبل أي شيء  آخر: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] , ثم ثنّت بإثباتها: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23] .
ولأن أولئك العلماء يشعرون أن أكبر غصة في حلوقهم هي حين يطالبون بالنص الصريح من القرآن على ما أضافوه من أصول إلى الدين ولكي يستريحوا من هذه الغصة، قالوا بنقصه وتحريفه. ولذلك هم يؤكدون على نقصانه دون الزيادة فيه!
الثاني: عوام استزلهم أولئك العلماء بعد أن رسـّخوا لديهم الاعتقاد بخيانة الأصحاب نقلة الكتاب. فلما استجازوا الطعن في الناقل استسهلوا انتقال الطعن إلى المنقول. وهو المقصود. تحريف القرآن عند الشيعة تهمة باطلة أم حقيقة ثابتة لطه حامد الدليمي
 وهناك إجماع من المسلمين والمشتغلين بالعلوم الإسلامية من غير المسلمين على أن الكتاب السماوي الوحيد الذي سلم من التحريف والتبديل والزيادة والحذف هو القرآن الكريم، ونحن المسلمين نلتزم بهذا الاعتقاد، ونقتنع به اقتناع عقل وعقيدة، فالله سبحانه قد أخذ على نفسه عهداً بالمحافظة عليه في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ الحجر:9] . غير أن المتابع لفكر جمهرة علماء الشيعة يرى غير ذلك، ويقرأ شيئاً عجباً في كتبهم، والذين لم يقولوا بتحريفه من هؤلاء قالوا بإمكان حدوث ذلك.
إن آية الله الخميني في سياق الحديث عن حكمة عدم النص في القرآن الكريم على أن الإمامة وظيفة إلهية, وفي مسيرة حملته على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ..: "لو كانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها في القرآن، فإن أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة، كانوا سيتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته، ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد"   ((كشف الأسرار)) (ص130). .
وفي موضع آخر من كتاب (كشف الأسرار) في أمر يتصل أيضاً بالإمامة، يصوغ آية الله الخميني فكرته في أسلوب يوحي إيحاءً مباشراً بأن القرآن من صنع محمد، وما دام الأمر كذلك ومحمد بشر، فإنه من الممكن أن يتعرض القرآن للتحريف.
يقول آية الله الخميني ما نصه: "إن النبي أحجم عن التطرق إلى الإمامة في القرآن، لخشية أن يصاب القرآن من بعده بالتحريف، أو تشتد الخلافات بين المسلمين فيؤثر ذلك على الإسلام"   ((كشف الأسرار)) (ص:149). .
إن آية الله الخميني يقول بترجيح تحريف القرآن بسبب النص على أن الإمامة وظيفة إلهية كالنبوة، ويوحي في موقع آخر بأن القرآن من صنع النبي، وهما بادرتان لهما خطرهما؛ لأنهما صادرتان من أكبر مرجع ديني شيعي في هذين العقدين من الزمان، ويبقى أن نتساءل بعد ذلك: هل لما قاله آية الله الخميني جذور في أصول المذهب؟
إن الدراسة والمتابعة تشيران إلى الإجابة بالإيجاب، ذلك أن الكليني يذكر في كتابه (الكافي)، وقد سلف أن ذكرنا أن هذا الكتاب عند الشيعة بمنزلة البخاري عند أهل السنة؛ أن جابراً الجعفي قال: "سمعت أبا جعفر عليه السلام - يعني الإمام الباقر - يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب، والصحابة من بعده"   ((الكافي)) (ص228)، طبعة سنة (1381هـ). .
ومن الأخبار المعتمدة عن جابر الجعفي هذا أنه كان كذاباً، وحين تحدث الإمام أبو حنيفة النعمان - وهو الإمام الأعظم، وأحد تلاميذ الإمام جعفر، وصاحب الحوار المشهور في شأن القياس مع الإمام محمد الباقر - حين تحدث عن الصدق والكذب عند الرواة قال: ما رأيت فيمن رأيت أفضل من عطاء، ولا أكذب من جابر الجعفي.
إن منطق الأخبار يكذب جابراً، وبالتالي يكذب رواية الكليني عنه فيما عزاه إلى سيدنا محمد الباقر، بدليل أن علياً كرم الله وجهه لم يكن يعمل في مدة خلافته وهو بالكوفة إلا بمصحف سيدنا عثمان الذي هو بين أيدينا الآن، ولو كان عند سيدنا علي غيره - وهو خليفة حاكم - لعمل به، ولأمر المسلمين بالعمل به وتعميمه، ولو كان عنده مصحف غيره وكتمه عن المسلمين لكان خائناً لله ولرسوله وللمؤمنين، وحاشا أن يكون سيدنا علي كذلك. هذا هو رد أهل السنة على فرية جابر في حديثه إلى الكليني، وفي كذب كليهما على سيدنا محمد الباقر. هذا ما كان من أمر كذب الكليني على سيدنا محمد الباقر.
بقي أن نذكر كذبة أكبر وأخطر اقترفها الكليني في حق سيدنا جعفر، وسيدتنا الطاهرة البتول فاطمة الزهراء بنت سيد الخلق والبشر، يزعم الكليني أن سيدنا جعفراً الصادق قال لأبي بصير: "وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، قال: وما مصحف فاطمة؟ قال الإمام: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله! ما فيه من قرآنكم حرف واحد"   ((الكافي)) (ص238). .
ويلح بعض علماء الشيعة إلحاحًا شديدًا - على ما تصوره - على تحريف القرآن الكريم. إن واحداً من كبار علماء النجف في نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، هو الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي ألف كتاباً سنة (1292)هـ؛ أسماه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب (رب الأرباب)، ملأه بالأكاذيب حول زيادات زعم أنها أُضيفت إلى القرآن، وآيات حُذفت منه، ولما واجهه علماء الشيعة بالنقد والاعتراض عاد فألف كتاباً آخر يرد فيه على اعتراضاتهم وأسماه (رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب). وقد ضم الكتاب بعض الزيادات من تلفيق المؤلف، فصنع سورة أسماها "سورة ولاية علي" ونسبها إلى الله سبحانه يقول فيها: يا أيها الذين آمنوا بالنبي والولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى الصراط المستقيم.. إلخ.
إننا لا نحب الإطالة في هذا الموضوع إجلالاً لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الأمر الذي لا شك فيه هو أن فريقاً من الشيعة يعتقد التحريف في القرآن الكريم بالزيادة والنقصان، كقولهم: إن آية (وجعلنا علياً صهرك) قد أسقطت من سورة الشرح، مع أن السورة مكية، ولم يكن علي قد أصهر إلى الرسول بعد.
كما أن البعض يزعم أن هنالك قرآنين لا قرآناً واحداً، وهي مزاعم ينكرها كثير من عقلاء الشيعة وعلمائهم، وفي مقدمة هؤلاء جميعاً العلامة الدكتور الموسوي الذي يقول: "إن كل ما قيل وذكر في الكتب الشيعية عن مصحف الإمام علي ليس أكثر من إضفاء هالة من الغلو على شخصية الإمام علي، حسب زعم الذين كانوا وراء وضع هذه الأساطير، وإثبات أن الإمام علياً أحق بخلافة الرسول من غيره، ولكنهم في الحقيقة أساءوا إلى الإمام، فأعلنوا أنه يخفي أحكاماً إلهية فيها حدوده وحلاله وحرامه وكل ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة".
ويمضي الدكتور الموسوي قائلاً: "إن بعض علماء الشيعة تحدث في كتبه عن مصحف فاطمة مضافاً إلى مصحف علي"، ويعقب الدكتور الموسوي بأن موقفه من هذا الرأي هو الموقف نفسه من مصحف علي   ((الشيعة والتصحيح)) (ص134-136). .إسلام بلا مذاهب لمصطفى الشكعة - ص 208


انظر أيضا: