موسوعة الفرق

المطلب الثالث: ولاية الفقيه عند الخميني


ولاية الفقيه عند الخميني هو امتداد الفكر الشيعي وتطوره حول هذه القضية، غير أن موضوع ولاية الفقيه كان أكثر ظهوراً عند الخميني؛ نظراً لقيامه بتطبيق هذه النظرية تطبيقاً عملياً، تمثل باعتماد جمهورية إيران الحالية في دستورها على ولاية الفقيه، فكان – كما هو معروف – أول نائب للإمام يحكم إيران، ويرجع إليه في كل أمور وشؤون الدولة هي: الخميني انظر: ((الدستور الإسلامي للجمهورية الإسلامية في إيران)) (ص: 20).
ويذكر بعض الباحثين انظر: ((نظرية ولاية الفقيه دراسة وتحليل ونقد)) (ص: 48-49). سبباً آخر لاهتمام الخميني بولاية الفقيه، وهو: تأثره الكبير بالفلسفة ودعاتها، خاصة السهروردي الذي زعم أن الزمان لا يجوز أن يخلو من ولي متأله، هو مناط السلطتين: الروحية والدنيوية، وهو الإنسان الكامل على الحقيقة، بل هو أفضل من الأنبياء والمرسلين؛ لأن عنده الحجج والبيانات انظر: ((حكمة الإشراق)) السهروردي (ص: 19). وهذه الفلسفة الممزوجة بدعوى التأله برزت بشكل كبير عند الخميني في أمرين:
الأول: إسباغ اليقين المطلق على اجتهاداته الذاتية؛ باعتبار أنها ناتجة من معرفة إلهامية حضورية، لا تقبل المناقشة وإعادة التأويل والتفسير، ولا تخضع لمقاييس العقل. وهو ما ينتهي إلى منع الآخرين من الرأي والاجتهاد والمعارضة؛ لأنها حقيقة مطلقة لا مزيد عليها.
الثاني: أن الفلسفة الإشراقية بأصولها الفارسية القديمة تحتوي على قدر كبير من الوهم والخرافة، وتعتمد على علاقة اجتماعية معرفية تقوم على إلغاء هوية عموم الناس وفناء إيراداتهم في مقابل المطلق (الولي المتأله)؛ ليتحولوا في النهاية إلى قصر لا يحسنون من دينهم ودنياهم شيئاً إلا أن يستسلموا فينقادوا طائعين للإدارة المطلقة انظر: ((نظرية ولاية الفقيه دراسة وتحليل ونقد)) (ص: 50). ولاية الفقيه وتطورها لخالد عبد المحسن التويجري – ص 23
وقداستحدث الدستور الذي ابتدعه الخميني نظرية "ولاية الفقيه"، والتي تزعم بأن الفقيه الذي يرمز له بشخصه يتمتع بولاية عامة وسلطة مطلقة على شئون البشر باعتباره (الوصي) على شئون البلاد والعباد في غيبة الإمام المنتظر.
والمادتان الأولى والثانية من الدستور الذي وضعه الخميني تنصان على أن: تكون ولاية الأمر والأمة في غيبة الإمام المهدي - عجل الله فرجه - (هكذا)، للفقيه العادل وهذا النص في الدستور الذي ابتدعه الخميني يعد من المبتدعات في المذهب الإمامي على كثرة ما فيه من مبتدعات.
فالقدماء والمحدثون من أئمة المذهب أمثال الكليني والصدوق والمفيد والطبرسي ومرتضى الأنصاري والنائيني لم يتجاوزوا بالفقيه العادل مرتبة (الولاية الخاصة) حيث لا يوجد دليل قطعي مستفاد يدل على وجوب طاعة الفقيه طاعة مطلقة في الأحكام العامة والخاصة، كما أن إثبات الولاية العامة للفقيه ينتهي لا محالة إلى التسوية بينه وبين الإمام المعصوم الذي يقولون به، ومن ثم فمنح الإمام لنفسه الولاية العامة يرفعه إلى مقام الأئمة المعصومين الذين يزعمهم المذهب ويقول بوجودهم.
وعليه فالدستور الذي يرمز إليه بدستور الحكومة الإسلامية يستمد مواده وأفكاره من ذاتية واضعه باعتباره فيما ادعاه لنفسه حجة مطلقة ونائبا للإمام الغائب في الفصل بين الأشياء. والعلماء والباحثون يجدون أنفسهم أمام دعوى للقانون أو النظام يقيم الحكومة الإسلامية على أساس (ثيوقراطي) يستند إلى حق إلهي مفروض يسوي بين الدين والمذهب خاصة فيما ورد في المادة الثانية عشرة.
ومعظم مواد الدستور الإيراني، والذي راجع مواده الخميني مادة مادة، تستند إلى رأي منفرد بذاته هو رأي (الحاكم المتأله) الذي يدعي لآرائه واجتهاداته العصمة واليقين، حيث يقوم الزعم بأن السلطة الروحية للإمام الخميني ومن ثم من يخلفه تعتبر خارج النطاق الإنساني، فقد نص الدستور في المادة السابعة والخمسين على أن - السلطات الحاكمة في جمهورية إيران الإسلامية هي عبارة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية التي تمارس تحت إشراف ولاية الأمر وإمامة الأمة -.
إن هذا الاعتقاد كما هو واضح يسد منافذ الاجتهاد ويصادر حرية الرأي والاستنباط أمام أهل العلم من مجتهدي الأمة. وهذا الاعتقاد في الإمام لا يمكن أن يصدر عن اعتقاد إسلامي صحيح أو مبدأ يعترف به فقهاء المذاهب الإسلامية، ولكنه يرتد إلى أصول فارسية تدور حول ما يسمى (التوقير) أو الطاعة المطلقة والانقياد التام للسلطة السياسية الدينية التي يمثلها تراث فارس السياسي والديني (لكسرى) قبل الإسلام.
ومن دراسة الوقائع المستفادة من قراءة تاريخ الحركات السياسية الهدامة التي ظهرت في بلاد فارس يتبين أنها كانت تعتمد جميعا على دعوى (الولاية الروحية) التي تجعل من قيامها بالإنابة عن المهدي أساساً لبرامجها وخططها للسيطرة على السلطة متخذة من زعم يقول: (إن الولاية فيض دائم أو نبوة مستمرة) لكي تفرض على أنصارها وأتباعها الاستسلام المطلق والطواعية العمياء، وتبلغ التبعية الصارمة لمدعي الولاية الروحية صوراً لا يقبلها دين ولا يقرها عقل، لأنها تبعية قائمة في جوهرها على (التوقير الوثني)، ولذا فإن الواقع الذي تعيشه مجتمعات يسيطر عليها مثل هذا الاعتقاد يمثل حالة من حالات (الفوضوية) المعبرة عن (نزعة طوبائية) تتنكر للواقع وضروراته، ومن ثم تتنكر للإسلام وكل تاريخه وتستبيح في هذه العقيدة أو في ظل هذه الفوضوية هتك الحرمات واغتيال الإنسان والتجاوز على مقدرات الأفراد ومصادرة حقوق الأمة.
إن نظرية ولاية الفقيه المطلقة التي قال بها الخميني تنحصر إزاءها إرادة الإنسان وحريته في الاجتهاد والتفكير، وإن الوقائع التي تنكشف كل يوم والتي تنقلها الإذاعات الأجنبية ووكالات الأنباء إنما تشير في محصلتها النهائية إلى حقيقة صارخة ومؤلمة، تلك هي اغتيال الإنسان واغتيال وجوده باسم الإسلام والثورية. والإسلام لا يقر ولا يرضى هذا اللون من القهر السياسي حتى مع خصومه.
إن مما يجب أن تنتبه له الأجيال المسلمة في العالم أجمع، أن الأطماع الفارسية التي تعبر عن نفسها بالعدوان والسيطرة والهيمنة ومحاولة ضرب (السيادة العربية) على أرض الأمصار الإسلامية إنما تهدف إلى تمزيق الأمة الإسلامية، ووأد الصحوة التي كانت تباشيرها تؤذن باتجاه مجتمعات عديدة نحو الإسلام عقيدة وشريعة وخطاب عدل وإنصاف، وإن مما يجب أن تنتبه له الأجيال المسلمة أن عقيدة (الولاية الروحية) قد استغلت مثلما كان يحدث عبر أطوار عديدة من التاريخ الوثني لفارس والتاريخ السياسي للإمامية.
وكانت عقيدة الولاية الروحية تجسد دائماً وأبداً الأطماع الفارسية ضد جيرانها، وخاصة عندما كان يتاح لهذه الأطماع شخصية فارسية (متميزة بحب الدم والعدوان) تلبس الصفات الروحية المتوهمة أداة لها ووسيلة ضد جيرانها.
فدراسة حركات الزنادقة والشعوبية والأبي مسلمية والمقنعية والخرمية والصفوية، تقوم دليلاً على أن هذه الحركات ليست من الإسلام في شيء، متخذة من ادعاء النسب العلوي أداة للتغرير بالسذج والبسطاء لتحقيق مآرب الحقد والأطماع العنصرية وإحياء النزعات الشعوبية التي يفيض بها تاريخ فارس القديم والحديث على السواء.الأصول العقدية للإمامية لصابر طعيمة/ ص 138

انظر أيضا: