موسوعة الفرق

المرحلة الثانية: فتح باب الاجتهاد


بموت السفير الرابع سنة 329هـ بدأت الغيبة الكبرى لإمامهم المنتظر. وبإعلان الغيبة الكبرى؛ أصبحت المسؤولية التي وضعت للإمام من تنفيذ أوامر الله – كما يزعمون – متوقفة؛ لاختفائه وانقطاع السفراء بينه وبين الناس؛ فكان محرماً على الشيعة تجاوز الإمام، والتعدي على اختصاصاته. ومن ذلك ما يعرف عند الشيعة بالولايات السبع وهي:
1- الولاية على أموال القصر والصغار ممن لا ولي لهم.
2- الولاية على أخذ الخمس، والزكاة، والأوقاف العامة وصرفها في مواردها.
3- الولاية على إجراء الحدود الخارجة عن منصب القضاء.
4- الولاية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ما يتوقف على ضرب أو جرح أو قتل أحياناً.
5- الولاية على الحكومة والسياسة وتنظيم البلاد، وحفظ الثغور والدفاع ضد الأعداء، وكل ما يرتبط بالمجتمع والمصالح العامة التي يتوقف عليها.
6- الولاية على الأموال والنفوس مطلقاً.
7- الولاية على التشريع بأن يكون له حق وضع القوانين وتشريعها بحسب ما يراه من المصالح انظر: ((ولاية الفقيه وحدودها)) ناصر مكارم الشيرازي (ص: 9-10)، المطبعة الحيدرية 1414هـ.
فهذه الولايات السبع كان يتوقف فعلها على وجود الإمام الغائب المنتظر؛ وهو ما أحدث حالة ركود وجمود عند الشيعة بسبب تعطل هذه الأحكام. وذلك ما جعل بعض علماء الشيعة يلجؤون إلى فتح باب الاجتهاد في بعض المسائل الجديدة على الساحة الشيعية. ومن ضمن ما استندوا إليه رواية تنسب إلى إمامهم المنتظر أنه قال: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم) ((الغيبة)) (ص: 291). ((الاحتجاج)) (2/283). ((وسائل الشيعة)) (27/140). ((بحار الأنوار)) (2/90). لكن اجتهادهم كان محدوداً في بدايته بسبب وجود معارضة من قبل العديد من علماء الشيعة؛ حيث يعدون هذا الاجتهاد تدخلاً في خصوصيات الأئمة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن التشريعات الجديدة إنما هي خاصة بالأئمة وحدهم. فجاء الاجتهاد أيضاً على مراحل. لعل من أبرزها:
1- كان من أوائل من فتح باب الاجتهاد: الحسن بن عقيل العماني. ويعد أول من هذب الفقه واستعمل النظر، وفتق البحث عن الأصول والفروع من بداية الغيبة الكبرى انظر: ((الفوائد الجلية)) ((بحر العلوم)) (2/220)، مكتبة الصادق، الطبعة الاولى، 1404هـ، طهران. و((مرآة الكتب))، التبريزي (ص: 496)، مكتبة آية الله العظمى المرعشي العامة، الطبعة الأولى، 1414هـ، قم. ويعد كتابه: (المتمسك بحبل آل الرسول صلى الله عليه وسلم) من أوائل الكتب التي اتجهت إلى استنباط الفروع والأحكام من الأصول الموجودة في الأحاديث لديهم انظر: ((جواهر الفقه)) ابن البراج (ص: 13)، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى 1411هـ، قم.
في حين يرى بعض من الشيعة أن من أقدم من تجاوز متون الأحاديث إلى الاستنباط منها للحاجة إلى ذلك، هو الطوسي في كتابه: (المبسوط والخلاف في الفقه) انظر: ((الجامع للشرايع)) يحيى بن سعيد الحلي (ص: 4)، المطبعة العلمية، 1405هـ، قم.
2- بعد ذلك، أعلن بعض علماء الشيعة جواز تولي الفقيه لإقامة الحدود والقضاء من قبل سلاطين الجور، وأن هذا التنصيب وهذه الولاية إنما هي من الإمام المنتظر.
ويؤكد ذلك أحمد الكاتب، فيقول عن بعض علماء الشيعة: (كانت آراؤهم هذه في باب الحدود متميزة عن آرائهم في الأبواب الأخرى التي كانوا يلتزمون فيها بنظرية التقية والانتظار. وكانت وسيلة كبرى ساعدتهم على الخروج من سائر المرافق الأخرى، وكانت فرضية النيابة الحقيقية التي اقترح بعض العلماء افتراضها عند إجبار الحاكم الظالم للفقيه أو لغيره على إقامة الحدود قاعدة أساسية لتطوير نظرية النيابة العامة وولاية الفقيه فيما بعد) ((تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه)) (ص: 20-21).
وكان شيخهم المفيد من أوائل من ذكر أن الفقيه العادل من الشيعة إذا نصبه السلطان الجائر، فله أن يقبل هذا المنصب؛ لأنه في الحقيقة من صاحب الزمان الإمام المنتظر؛ حيث أكد ذلك بقوله: (فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله – تعالى – وهم أئمة الهدى من آل محمد – عليهم السلام – ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان، ومن تأمر على الناس من أهل الحق بتمكين ظالم له وكان أميراً من قبله في ظاهر الحال؛ فإنما هو أمير في الحقيقة من قبل صاحب الأمر الذي سوغه ذلك وأذن له فيه دون المتغلب من أهل الضلال) ((المقنعة)) الشيخ المفيد (ص: 810-812)، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1410هــ، قم.
3- ثم تطور الفكر الشيعي وتوسع؛ فجاء من علمائهم من يجيز إقامة الفقيه للحدود من غير إجبار لأحد، ومن أشهر من قال بذلك: ابن مطهر الحلي، واحتج لذلك بأن للفقهاء الحكم بين الناس، فكان إليهم إقامة الحدود، ولأن تعطيل الحدود فيه مفاسد عدة انظر: ((تذكرة الفقهاء)) ابن المطهر الحلي (1/459)، منشورات المكتبة المرتضوية، طبعة حجرية.
4- بعد ذلك تجاوزت الولاية مسألة إقامة الحدود إلى ما هو أوسع من ذلك:
كالنيابة عن الإمام في دفع الزكاة والخمس، وصلاة الجمعة، فنجد شيخهم المفيد يوجب دفع الزكاة للفقهاء، فيقول: (فإذا عدم السفراء بينه وبين رعيته وجب حملها إلى الفقهاء المأمونين من أهل ولايته؛ لأن الفقيه أعرف بموضعها ممن لا فقه له في ديانته) ((المقنعة)) (ص: 252).
وقد كانت طريقة دفع الخمس عند الشيعة على عدة مراحل:
- الخطوة الأولى: تتمثل بوجوب الخمس في عصر الغيبة مع القول بدفنه، أو الاحتفاط به حتى ظهور المهدي، أو الإيصاء به من واحد إلى واحد حتى موعد الظهور.
- والخطوة الثانية هي: القول بتسليم الخمس إلى الفقهاء للاحتفاظ به حتى وقت ظهور الإمام.
- ثم بعد ذلك قالوا بجواز قيامهم بتوزيعه بأنفسهم على المحتاجين انظر: ((تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه)) (ص: 22).
أما صلاة الجمعة، فقد حرم عدد من علماء الشيعة إقامتها بدون حضور الإمام المنتظر ((تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه)) (ص: 23). ثم في القرن السابع والثامن الهجريين قالوا بجواز إقامة الفقهاء للجمعة؛ باعتبارهم نواباً عامين لإمامهم المهدي ((تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه)) (ص: 23). ولاية الفقيه وتطورها لخالد عبد المحسن التويجري – ص 14

انظر أيضا: