trial

موسوعة الفرق

المبحث الثالث: دعوى الإمامية أن المذاهب الأربعة تجري وفق هوى السلطات


ممن أطلقوا هذه الدعوى العارية من الاثني عشرية: هاشم معروف الحسيني مؤلف شيعي اثنا عشري معاصر، صاحب كتاب: ((المبادئ العامة في الفقه الجعفري)). ، حيث قال: (وقد بَيَّنَ من هذا العرض الموجز لتاريخ المذاهب الأربعة: أن من أقوى الأسباب التي ساعدت على انتشارها، ومكّنتها من البقاء الطويل: أن السلطات الحاكمة في جميع الأدوار كانت السند المتين للمذاهب الأربعة منذ أن ظهرت هذه المذاهب حتى العصور المتأخرة) ((المبادئ العامة للفقه الجعفري)) لهاشم الحسيني (ص:385). .
وهذا الاثنا عشري مرتضى العسكري إمامي اثنا عشري معاصر، كان حياً عام (1391هـ)، وهو مؤلف كتاب: ((خمسون ومائة صحابي مختلَق))، ومؤسس كليّة أصول الدّين (الرافضية) ببغداد. انظر مقدّمة كتابه: ((خمسون ومائة صحابي)) (ص:19) و((أصل الشيعة وأصولها)) (ص:63). الذي قال: (ثم أصبح ما تبنّاه الحكّام قانوناً يُعمل به ومثّل الإسلام الرسمي، وأهمل ما خالفه ونبذ المخالف... وأخيراً ارتأت السلطات أن تَقْسِرَ الأمة على الأخذ بفتاوى أحد أئمة المذاهب الأربعة في الفقه... ولما كان الناس على دين ملوكهم رأوا الإسلام متمثلاً بحُكّامهم وما تَبَنَّوه من حكم وعقيدة وسنة منسوبة إلى النبي، وسمّوا من تابع الحكام بأهل السنة والجماعة) ((أصل الشيعة وأصولها))- المقدمة (ص:59-60). .
وعلى العموم فإن ما قاله هذان الاثنا عشريان المتعصبان ليس بغريب صدوره عن أي رأي شيعي آخر؛ فهم يعتبرون أئمتهم أئمة الثورة، ودينهم ديناً ثوريّاً قائماً على منازعة من ولاّهم الله أمر المسلمين في كل زمان ومكان واقرأ إن شئت من كتب القوم: ((ثورة الحسين)) لمحمد مهدي شمس الدين، و((الشيعة والحاكمون))، لمحمد جواد مغنيّة، و((الثورة البائسة))، للدكتور موسى الموسوي. وقال الموسوي نفسه في ((الشيعة والتصحيح)) (ص:52) نصّاً: (ولستُ أدري كيف تدّعي الشيعة أنها من أنصار الإمام الحسين سيّد الشهداء وإمام الثائرين وهي تعمل بالتقية؟!). .
ويقول حسين آل عصفور: (لما انتهت النوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام من رب العالمين فهدم بعض قواعدهم المبتدعة في الدين، وبقي كثير لم يقدر على إزالته لكثرة المخالفين، حتى ظهرت الدولة الأموية، فأججوا نيران البدع الشنيعة، وأظهروا الباطل والأحوال الفظيعة، فزادوا على تلك القواعد وهلم جرا، فشادوا ما أسس أولئك، وزادوا في الطنبور نغمة أخرى فارتبك الأمر على الناس، ولا برحوا مشتملين على هذا اللباس، حتى انتهت الرياسة إلى أرجاس بني العباس، أهل القيان والمزامر والكاس.
وأكثر الفقهاء من العامة في أيامهم، فرفعوا مكانهم، وأمروا الناس بالأخذ بفتياهم، كان أقرب الفقهاء إليهم أشدهم عداوة لآل الرسول، وأظهرهم لهم خلافاً في الفروع والأصول، كمالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل، ومن حذا حذوهم في تلك المذاهب السخيفة، وكان في زمانهم من الفقهاء من هو أعلم، ولكن اشتهر هؤلاء لأنهم لآل محمد أبغض وأظلم، ولما فيهم من التلبيس الذي حملهم عليه إبليس، أظهروا الزهد، والبعد عن الملوك، طلباً لدنيا لا تنال إلا بتركها ظاهراً، ومرآة لهم في السلوك، فمالت إليهم القلوب، ودانت لهم عقول من هم في الضلالة كالأنعام، روجت أسواقهم الكاسدة أقوام أي أقوام، فستروا ما أبدعوا في الدين بإصلاح مموه، وتأويل غير مبين) عن كتاب ((المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية))، للشيخ حسين آل عصفور الدرازي البحراني (ص:12) منشورات المشرق العربي الكبير جمعية أهل البيت بالبحرين، الطبعة الأولى (1399ه) (ص: 12). .
ويقول شيخهم محمد التيجاني في كتابه (ثم اهتديت): (ربما أن المذاهب الأربعة فيها اختلاف كثير، فليست من عند الله ولا من عند رسوله) ((ثم اهتديت))، د. محمد التيجاني (ص: 127). .
ويقول في كتابه (الشيعة هم أهل السنة): (وبهذا نفهم كيف انتشرت المذاهب التي ابتدعتها السلطات وسمتها بمذاهب أهل السنة والجماعة... ثم يقول: والذي يهمنا في هذا البحث أن نبين بالأدلة الواضحة بأن المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة هي مذاهب ابتدعتها السياسة) ((الشيعة هم أهل السنة))، د. التيجاني (ص:104-109). .
أما الجواب عن هذا الافتراء باختصار فهو أن نقول:
إن الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء أهل السنة لم يكونوا قط آلة بأيدي الحكّام حتى يقال: إن فتاويهم تجري وفق أهوائهم، وسيرهم تزخر بمواقفهم النبيلة؛ سواء من الحكّام العدول أو غيرهم، كلٌّ بما يستحقه حسب ما دَلَّت عليه النصوص الشرعية.
ولو كان الأمر كما يُوهمه الاثنا عشرية، فهل كان الإمام أبو حنيفة ليُضرب ويُحبس حتى الموت بسبب امتناعه عن تولّي القضاء انظر القصة في: ((تاريخ بغداد)) (13/324، 328)،و((الانتقاء)) (ص:171). ؟! أم كان الإمام مالك ليُضرب ويطاف به في أرجاء المدينة بسبب فتواه انظر القصة في: ((الانتقاء)) (ص43-44)، و((شذرات الذهب)) (1/290). ؟! وهل كان الإمام أحمد بن حنبل ليُمتحن تلك المحنة العظيمة بسبب مذهبه الحق في القول بعدم خلق القرآن انظر القصة في: ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (9/195 - 204)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (14/393 - 405). ؟! وليجب عن هذه التساؤلات العقلاء من القوم أنفسهم.
أما ما يرونه من مذهب هؤلاء الأئمة رحمهم الله من عدم التشهير بولاة الأمر، أو منازعتهم السلطة، أو تحريض الناس عليهم ونحو ذلك، حرصاً على جَمْعِ الكلمة، وعَدَمِ مفارقة الجماعة، فليس هذا بهوى منهم ولا لمصلحة شخصية لأحد منهم أو لمجموعتهم، وإنما ذلك هو مقتضى سنّة النبي صلى الله عليه وسلم التي أنتم يا معشر الشيعة الاثني عشرية من أجهل الناس بها، كما تقتضيه أصول مذهبكم!
ولنذكر هنا بعض الآثار الصحيحة الدالة على صحة منهج الأئمة الأربعة في هذا الباب:
ففي الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: ((دعانا النبيّ صلى لله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كُفْراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)) رواه البخاري (7055,7056,)، ومسلم (1709). .
وفيهما عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث خصال ٍلا يُغلُّ عليهن قلبُ مسلمٍ أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تُحيط بهم من ورائهم...)) الحديث رواه الترمذي (2658)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه, وصححه ابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/364). وقال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (1/18): مشهور في السنن. وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)). ورواه ابن ماجه (230) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه. قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (21/276): ثابت. وقال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (1/18): مشهور في السنن. وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)).  .
وعن عوف بن مالك  رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة)) رواه مسلم (1855) من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه. .
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: ((عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك)) رواه مسلم (1836) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، وفي لفظٍ: ((وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك)) رواه ابن حبان (10/425) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. .
أما من آثار الصحابة رضي الله عنهم، فقد جاء عن أنس بن مالك  رضي الله عنه أنه قال: (نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تسبّوا أمراءكم، ولا تَغُشّوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا، فإن الأمر قريب) رواه ابن أبي عاصم في ((السنّة ))(3/34).
وبعد هذا الإجمال في معتقد الإمامية الاثني عشرية في الأئمة الأربعة رحمهم الله نأتي إلى تفصيل أقاويلهم في كل إمام.. والله المستعان.موقف الشيعة الاثني عشرية من الأئمة الأربعة لخالد بن أحمد الزهراني/ 81


انظر أيضا: