موسوعة الفرق

المطلب الرابع: الاهتمام بالجانب الواقعي الإيجابي


حرص السلف الصالح على ما ينفع، فاشتغلوا فيما تحته عمل، واجتهدوا في طاعة الله تعالى والإتباع، وانقادوا لشرع الله وحكمه، دون الخوض في إشارات صوفية، أو مسالك كلامية. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدوم عليه صاحبه).
(دخل الحسن البصري – رحمه الله – المسجد فقعد إلى جنب حلقة يتكلمون، فأنصت لحديثهم، ثم قال: هؤلاء قوم ملوا العبادة، ووجدوا الكلام أهون عليهم، وقلّ ورعهم فتكلموا) ((حلياة الأولياء)) (2/157) = باختصار يسير.
(وقال الأوزاعي -رحمه الله-:إن المؤمن يقول قليلاً ويعمل كثيراً، وإن المنافق يقول كثيراً ويعمل قليلاً) ((حلية الأولياء)) (6/142)، و((سير أعلام النبلاء)) (7/125).
(وكان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه.. ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل , لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل) ((جامع بيان العلم لابن عبد البر)) (2/95).
( ولما سئل الإمام مالك عن طلب العلم، قال: حسن جميل، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي فالزمه) ((حلية الأولياء)) (6/319)، و((سير أعلام النبلاء)) (8/96).
(وتحقيقاً للاشتغال بما هو أنفع كره الإمام احمد بن حنبل – رحمه الله – توسعة الكلام في دقائق أعمال القلوب والتي تنقل عن الصحابة والتابعين) انظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/131).
إضافة إلى أن الاشتغال بتلك الدقائق والآفات الخفية ربما أوقع فيما هو أشك منها كما نبه على ذلك الإمام ابن القيم -رحمه الله- فقال:
(فلا إله إلا الله. كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة، وأن تصل إليه ؟
فبين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب... ثم بين القلب وبين الرب مسافة، وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه، من كبر وإعجاب، ورؤية العمل، ونسيان المنة، وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأي العجب، ومن رحمة الله تعالى سترها على أكثر العمال، إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها، من اليأس والقنوط والاستسحار، وترك العمل، وخمود العزم، وفتور الهمة، ولهذا لما ظهرت (رعاية) يعني كتاب ((الرعاية لحقوق الله)) للحارث المحاسبي. أبي عبد الله بن الحارث بن أسد المحاسبي، واشتغل بها العباد، عطلت منهم مساجد كانوا يعمرونها، بالعبادة، والطبيب الحاذق يعلم كيف يطبّ النفوس، فلا يعمر قصراً ويهدم مصراً ((مدارج السالكين)) (1/439) = باختصار.
ويقول في موضع آخر:
(وسألت يوماً شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن هذه المسألة (تهذيب الأخلاق وترويضها) وقطع الآفات، والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها ؟
فقال لي جملة كلام: النفس مثل الباطوس – وهو جبّ القذر – كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه، وتعبره وتجوزه، فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإن لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئاً ظهر غيره.
فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثل الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها، والاشتغال بقتلها انقطع، ولم يمكنه السفر قط، ولتكن همتك المسير، والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله، ثم امض على سيرك. فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جداً، وأثنى على قائله) ((مدارج السالكين)) (2/313، 314).
كما أن الاشتغال بتلك الدقائق ينبغي أن يكون مسبوقاً بما هو آكد فرضاً من فعل الواجبات الظاهرة وترك المحرمات الظاهرة.
ولذا يقول ابن رجب – رحمه الله:-
( وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شئ من دقائق الشبه، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل يُنكر عليه، كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألوني عن دم البعوض، وقد قتلوا الحسين )معالم في السلوك وتزكية النفوس لعبد العزيز بن محمد العبد اللطيف - ص 38

انظر أيضا: