موسوعة الفرق

المطلب الرابع: مراعاة أحوال المكلفين وقدراتهم وطبائعهم


من سمات السلوك الشرعي: مراعاة أحوال المكلفين وقدراتهم وطبائعهم، والاهتمام بالجانب الواقعي الإيجابي.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا ))
يقول الحافظ ابن حجر: (قوله (سددوا) معناه: اقصدوا السداد أي الصواب، وقوله: (وقاربوا) أي لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فتفرطوا) ((فتح الباري)) (11/297، 298) - باختصار.
إن من مزايا هذا الدين وخصائصه: مراعاة أحوال المكلفين، وملائمة طبيعة الإنسان بقوته وضعفه، ونوازعه ومشاعره.
وقد أشار ابن القيم إلى هذه (الواقعية) بقوله:
(لما كان العبد لا ينفك عن الهوى مادام حياً، فإن هواه لازم له، كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، لكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهلكة إلى مواطن الأمن والسلامة، مثاله أن الله سبحانه وتعالى لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة، بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل، وكانت الريح دبوراً فاستحالت صباً، وكذلك هوى الظفر والغلبة والقهر، لم يأمر بالخروج عنه، بل أمر بصرفه إلى الظفر والقهر والغلبة للباطل وحزبه، وشرع له من أنواع المغالبات بالسباق وغيره مما يمرنه ويعده للظفر ((روضة المحبين)) (ص: 11)، وانظر: ((الاستقامة)) لابن تيمية (2/156)، و((الاعتصام)) للشاطبي (1/273، 274).
ولقد كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- مدركًا لهذا الأمر، فلما قال له ابنه عبد الملك: يا أبة ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل فوالله ما كنت أبالي ولو غلت بي وبك القدور في ذلك. فقال عمر: يا بني إنما أنا أروض الناس رياضة الصعب. إني لأريد أن احيي الأمر من العدل فأوخره حتى اخرج معه طمعاً من الدنيا فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه) ((الزهد)) للإمام أحمد (ص: 3). و((الحليلة)) (5/281، 283، 354)، وانظر: ((الموافقات)) للشاطبي (2/94).
وللحسن البصري مقالة نفيسة في هذا المقام، نوردها بتمامها حيث يقول رحمه الله: (إن هذا الدين دين واصب، وأنه من لا يصبر عليه يدعه، وإن الحق ثقيل، وإن الإنسان ضعيف، وكان يقال: ليأخذ أحدكم من العمل ما يطيق، فإنه لا يدري ما قدر أجله، وإن العبد ركب بنفسه العنف، وكلف نفسه ما لا يطيق أوشك أن يسيِّب ذلك كله، حتى لعله لا يقيم الفريضة، وإذا ركب نفسه التيسير والتخفيف وكلف نفسه ما تطيق كان أكيس وأمنعها من هذا العدو، وكان يقال شر السير الحقحقة الحقحقة: المتعب من السير. ((الزهد)) لابن المبارك (ص: 468).
وهذا أبو حازم سلمة بن دينار –رحمه الله– يقر هذه (الواقعية) فيجمع بين موافقة الفطرة وملائمة نوازع الإنسان، مع الاعتناء بترويض النفس وتهذيبها على طاعة الله تعالى (فلما جاء رجل لأبي حازم وقال: إني لأجد شيئاً يحزنني. قال أبو حازم: وما هو يا ابن أخي؟ قال: حبي الدنيا. فقال لي: اعلم يا ابن أخي إن هذا الشئ ما أعاتب نفسي على حب شئ حببه الله تعالى إلي، لأن الله عز وجل قد حبب هذه الدنيا إلينا ولكن لتكن معاتبتنا أنفسنا في غير هذا، أن لا يدعونا حبها إلى أن نأخذ شيئاً من شئ يكرهه الله، ولا أن نمنع شيئاً من شئ أحبه الله، فإذا نحن فعلنا ذلك لا يضرنا حبنا إياها) ((الحلية)) لأبي نعيم (3/244)، وانظر: ((الرعاية)) للمحاسبي (ص: 249).
وقد أعرض طائفة من الصوفية عن تلك الواقعية في الإنسان، فلم يلتفوا إلى نوازع الإنسان وغرائزه، وخالفوا الفطرة السوية، ولذا تعذر عليهم قمع تلك الغرائز، ثم انتكسوا إلى الإغراق في الشهوات والإباحة.
ولقد تحدث ابن الجوزي عن هذا الصنف مبيناً سبب انحرافهم فقال: (إن قوماً منهم وقع لهم أن المراد رياضة النفوس لتخلص من اكدارها المردية، فلما راضوها مدة ورأوا تعذر الصفاء، قالوا: مالنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر، فتركوا العمل. وكشف هذا التلبيس أنهم ظنوا أن المراد قمع ما في البواطن من الصفات البشرية مثل قمع الشهوة والغضب وغير ذلك، وليس هذا مراد الشرع، ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة، وإنما خُلقت الشهوات لفائدة، إذ لولا شهوة الطعام هلك الناس، ولولا شهوة النكاح انقطع النسل، ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه، وإنما المراد من الرياضة كف النفس ما يؤذيه، وإنما المراد الرياضة كف النفس عن الهوى، وإنما تنتهي عما تطلبه، ولو كان طلبه قد زال عن طبعها ما احتاج الإنسان إلى نهيها، وقد قال الله عز وجل: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: 134]
وما قال: والفاقدين الغيظ، والكظم رد الغيظ..) ((تلبيس إبليس)) (ص: 415)، وانظر (ص: 299).
إضافة إلى ذلك فإن بعض أرباب الزهد والسلوك قد أهملوا هذا الجانب الواقعي، وحملوا أنفسهم ما لا قبل لهم به، حيث قالوا كلمات لم يفكروا في عواقبها وآثارها. كما يُذكر عن سمنون المحب أنه كان يقول:
وليس لي في سواك حظ... فكيف ما شئت فاختبرني
فأخذ الأسْر من ساعته، أي حُصِر بوله، فكان يدور على المكاتب ويفرِّق الجوز على الصبيان، ويقول: ادعوا لعمكم الكذّاب.
وفي رواية أنه قال: يارب قد رضيت بكل ما تقضيه علي، فاحتُبس بوله أربعة عشر يوماً، فكان يتلوى كما تتلوى الحية على الرمل، يتلوى يميناً شمالاً، فلما أطلق بوله قال: يا رب تبت إليك انظر: ((حلية الأولياء)) (10/309، 310). و((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/241، 690). و((الاستقامة)) لابن تيمية (2/88).
يقول ابن تيمية معلقاً على هذه الحكاية وأمثالها:
(وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم أقواله وعواقبها لا تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلاً، ولكن قد يُستدل بها على ما لصاحبها من الرضا والمحبة ونحو ذلك، وما معه من التقصير في معرفة حقوق الطريق..
والرسل صلوات الله عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح، فمن خرج عن سنتهم وسبيلهم كان منقوصاً مخطئاً محروماً.
ويشبه هذا الأعرابي الذي دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض كالفرخ فقال: هل كنت دعوت الله بشئ ؟ فقال: كنت أقول: اللهم ما كنت معذبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال: سبحان الله لا تستطيعه – أو لا تطيقه – هلاّ قَلت ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) ((الاستقامة)) (2/92)، وانظر: ((مدارج السالكين)) (2/311-313). معالم في السلوك وتزكية النفوس لعبد العزيز بن محمد العبد اللطيف - ص 35

انظر أيضا: