موسوعة الفرق

المطلب الثاني: المصنفات الشيعية في التاريخ


  (أ) كتاب (وقعة صفين):
وهو أحد كتب نصر بن مزاحم المنقري الكوفي المتوفي  سنة 212هـ، وله كتب أخرى أمثال: (الغارات) كتاب (الجمل) (مقتل حجر ابن عدي)، (مقتل الحسين بن علي [9875] انظر: محمد السلمي: (( منهج كتابة التاريخ الإسلامي)) ( ص 489).
ونصر بن مزاحم هذا من أعلام الشيعة الغالين، قال فيه العقيلي: كان يذهب إلى التشيع وفي حديثه اضطراب وخطأ كثير، ثم ساق له نموذجا يمثل انحرافه في المرويات في تفسير قوله تعالى: وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [ الزمر: 33]
قال نصر: الذي جاء بالصدق محمد، والذي صدق به علي، ثم علق العقيلي على ذلك بقوله: وهذا لا يتابع عليه [9876] (( الضعفاء الكبير)) ( 4/300).
كما ترجم له الخطيب في تاريخه، ونقل طرفا من أقوال العلماء فيه، فعن الجوزجاني قوله: كان نصر زائغاً عن الحق مائلاً، ثم علق الخطيب بقوله: أراد بذلك غلوه في الرفض، كما أنه نقل عن صالح بن محمد قوله: نصر بن مزاحم روى عن الضعفاء أحاديث مناكير، وعن الحافظ أبي الفتح محمد بن الحسين قوله: نصر بن مزاحم غال في مذهبه [9877] (( تاريخ بغداد)) (13/283). ,
وقال عنه الذهبي: رافضي جلد تركوه، ثم نقل عن أبي خيثمة: كان كذّاباً.
وعن أبي حاتم: واهي الحديث متروك، وقال الدارقطني: ضعيف [9878] (( الميزان)) ( 4/235 ، 254).
كما ذكره ابن عدي في الضعفاء وساق عدداً من أحاديث رواها، ثم علق ابن عدي بقوله: " وهذه الأحاديث لنصر بن مزاحم مع غيرها مما لم أذكرها عمن رواها عامتها غير محفوظة " [9879] ((الكامل في ضعفاء الرجال)) (7/2502).
نماذج من وقعة صفّين:
ومن مروياته أسوق النماذج التالية:
نقل أو اختلق صاحب (وقعة صفين) خطبة علي حين عزم على الخروج إلى صفين، وكان مما جاء فيها:"… سيروا إلى أعداء السنن والقرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، قتلة المهاجرين والأنصار ….. " [9880] نصر بن مزاحم: ((وقعة صفين)) ( ص 94).
وفي خطبة أخرى لا تقل سوءا عن سابقتها ينسب نصر بن مزاحم إلى علي  أن سبب امتناع معاوية عن البيعة إنما كان ثأراً لدماء في الجاهلية إذ يقول: " ثم التفت – يعني علياً – إلى الناس فقال: فكيف يبايع معاوية علياً وقد قتل أخاه حنظلة، وخاله الوليد، وجدّه عتبة في موقف واحد، والله ما أظن أن يفعلوا، ولن يستقيموا لكم دون أن نقصد فيه المرّان، وتقطع على هامتهم السيوف وتشرحوا حواجبهم بعمد الحديد، وتكون أمور جمة بين الفريقين [9881] (( وقعة صفين)) (ص 102).
وحاشا علياً أن يقول مثل ذلك، وقاتل الله داء النزعة المذهبية وتلك آثارها.
وفي رواية ثالثة يصوّر – صاحب (وقعة صفين) – معاوية رجلا محتالاً يبحث عن رجال يتحدثوا له في مسبّة علي ويقول: " لما قدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: إن الله قد أحيا لك " عمر " بالشام بقدوم " عبيد الله " وقد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على علي بقتل عثمان وينال منه، فقال: الرأي ما رأيت، فبعث إلى عبيد الله فأتاه فقال له معاوية: يا ابن أخي إن لك اسم أبيك فانظر بملء عينيك وتكلم بكل فيك … فاصعد المنبر واشتم علياً واشهد عليه أنه قتل عثمان ".
فاقتنع بذلك، ولكنه حينما صعد المنبر وبدا له غير ذلك، وأحجم عن الحديث عن علي هجره معاوية واستخف بحقه وفسقه!! [9882] (( وقعة صفين)) ( ص82).
ولنصر في وقعة صفين مرويات غير هذه، وهي تخرج من مشكاته.
وفوق ذلك نقل عنه الطبري في تاريخه روايات لا تقف عند سب معاوية واتهامه وحده، بل تشمل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة، وأبا موسى الأشعري, وغيرهم من الصحابة أجمعين، وحتى علي لم يسلم من أذاه.
فهو يرى – في إحدى رواياته – أن دم عثمان ثلاثة أثلاث: ثلث على صاحبة الهودج – يعني عائشة – وثلث على صاحب الجمل الأحمر – يعني طلحة - وثلث على علي بن أبي طالب [9883] (( تاريخ الطبري)) (4/465).
بل ينسب إلى عائشة ما هو أكبر من ذلك فقد روى أنها قالت: اقتلوا نعثلا – تعني عثمان – فقد كفر ؟! [9884] (( تاريخ الطبري)) (4/459).
أما أبو موسى فعداده في المنافقين في مرويات " نصر" حيث ينقل على لسان " الأشتر ": أنه قال له: فوالله إنك لمن المنافقين قديما، ثم أمره الأشتر بالخروج من القصر، وأن الناس دخلوا ينتهبون متاع أبي موسى حتى منعهم الأشتر فكفوا عنه!! [9885] (( تاريخ الطبري)) (4/487).
(ب) تاريخ المسعودي (مروج الذهب):
وهو نموذج آخر للمصنفات الشيعية التي تزخر بالمرويات الواهية، وتشيع المسعودي وانحرافه في الكتابة التاريخية وبخاصة تاريخ الصحابة غير خاف على العلماء قديما وحديثا.
فابن العربي المتوفي  سنة 543هـ حذر منه في كتابه القيّم: (العواصم من القواصم) في عاصمة: " الاحتراز من المفسرين والمؤرخين وأهل الآداب حيث نسبهم إلى الجهالة بحرمات الدين، أوهم على البدعة مصرين [9886] هذا القول من ابن العربي – رحمه الله – ليس على إطلاقه فهناك من أصحاب هذه الفنون أئمة موثُقُون، ويكفي أن يستثني ابن العربي من هؤلاء الإمام الطبري فحسب ، فهناك غيره على شاكلته ، بل لقد أجاد المحقق " محب الدين الخطيب " حين لفت النظر إلى أن في تاريخ الطبري من الأخبار الواهية ما لا يقبل وقد أبان عنه الطبري في مقدمته، والمعول في ذلك على دراسة الأسانيد ونقد المتون سواء أكان عند الطبري أم غيره. إلى أن قال: ومن أشد شيء  على الناس جاهل عاقل أو مبتدع محتال [9887] (( العواصم من القواصم))  تحقيق محب الدين الخطيب ( ص 248). إلى أن قال:
" وأما المبتدع المحتال فالمسعودي، فإنه يأتي منه متاخمة الإلحاد فيما روى من ذلك، وأما البدعة فلا شك فيه " [9888] (( العواصم من القواصم))  (ص 249).
وكثيرا ما ينعي ابن العربي على بعض أرباب التاريخ ويصفهم ب " الطائفة التاريخية الركيكة " [9889] ( المصدر نفسه)  ( ص 174).
 وهم الذين يصفون بعض الصحابة بالبلاهة والضعف والخداع، ولعل "المسعودي " في عداد هؤلاء عند " ابن العربي ".
وكيف لا يكون كذلك وابن العربي يتحدث عن الذين ينشئون أحاديث فيها استحقار الصحابة والسلف، والاستخفاف بهم واختراع الاسترسال في الأقوال والأفعال عنهم، وخروج مقاصدهم عن الدين إلى الدنيا، وعن الحق إلى الهوى … [9890] ( المصدر نفسه) ( ص248). ثم يتحدث بعد ذلك عن المسعودي.
أما بن تيمية فقد قال: " وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى [9891] (( منهاج السنة)) ( 2/163).
كما تعرض الحافظ ابن حجر لنقد المسعودي وكتبه فقال:
" وكتبه طافحة بأنه كان شيعياً معتزلياً حتى أنه قال في حق ابن عمر أنه امتنع من بيعة علي بن أبي طالب ثم بايع بعد ذلك يزيد بن معاوية والحجاج لعبد الملك بن مروان، وله من ذلك أشياء كثيرة " [9892] ((لسان الميزان)) ( 4/225).
أما ابن خلدون فقد ترددت عباراته عن المسعودي بين القدح والمدح، والإعجاب والذم، ففي بداية حديثه في " المقدمة" ذكر وهو يتحدث عن مشاهير المؤرخين ما في كتب المسعودي من المطاعن والمغامز فقال:
" وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من الطعن والغمز ما هو معروف عند الأثبات و مشهور بين الحفظة الثقات " [9893] (( مقدمة ابن خلدون))  ( ص 4).
ثم ذكر ابن خلدون نماذج من الوهم والخطأ في تاريخ المسعودي [9894] (( مقدمة ابن خلدون))  ( ص10، 12).
وفي موطن آخر يشير " ابن خلدون " إلى نوع من أنواع التأليف في التاريخ، هو ذكر الأحوال العامة للآفاق والأخبار والأعصار، ثم قال: فذلك أسّ للمؤرخ، ومثل ذلك بمروج الذهب للمسعودي، قال: إن المسعودي بذلك صار إماماً للمؤرخين يرجعون إليه، وأصلا يعولون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه [9895] (( مقدمة ابن خلدون))  ( ص 32).
والذي يظهر أن مدح ابن خلدون للمسعودي لعموم منهجه، وشموله في كتابه لأحداث المشرق والمغرب، والعرب والعجم، ووصفه الجبال والبلدان والبحار، والممالك والدول، وهذا حق، لكن فرق بين هذا وبين تحقيق الروايات والبعد عن السواقط والمنكرات، وهو ما نحن بصدده [9896] وهذا الرأي الذي أراه هو ما استلمحه من رأي الدكتور سليمان السويكت في كتابه: منهج المسعودي في كتابه (( التاريخ)) ( ص 442).
ومن الباحثين المحدثين يؤكد الدكتور السويكت على الميول الشيعية القوية عند المسعودي [9897] سليمان السويكت: ((منهج المسعودي في كتابه التاريخ)) (ص 74 ، 358). ، وعلى تعاطفه العلوي في معالجته التاريخ الإسلامي وأثرها على أحكامه على الرغم من محاولته الظهور بالمؤرخ الحيادي المصنف! [9898] ((منهج المسعودي في كتابه التاريخ)) ( ص 397 ، 359).
وأنه خدم التشيع جيداً وبطريقة تخفى على كثير من الناس [9899] (( منهج المسعودي في كتابه التاريخ)) ( ص 400).
وأن ما دونه في مؤلفاته من معلومات عن التاريخ الإسلامي الأول لم يكن محل رضا من العلماء المسلمين المحققين، بسبب عدم التزامه فيه بالمنهج الإسلامي القويم الذي يحفظ لصحابة رسول الله مكانتهم في النفوس [9900] (( منهج المسعودي في كتابه التاريخ)) ( ص 444).
كما يلاحظ أن نزعة المسعودي الشيعية قد أثرت على كتابته في تاريخ الخلفاء الراشدين والأمويين، ولم يستطع أن يكتب تاريخا مجردا من الهوى … [9901] (( منهج المسعودي في كتابة التاريخ)) (ص 368).
وبعد: فقد آن الأوان لنقل بعض مرويات المسعودي التي لم تكن ولن تكون محل رضا العلماء المسلمين والباحثين المنصفين.
نماذج لروايات في كتاب المسعودي (مروج الذهب)
إذا كان للمسعودي عدد من المصنفات في التاريخ [9902] انظر: السويكت: (( منهج المسعودي في كتابة التاريخ))  – الفصل الخامس: المسعودي مؤرخا – ( ص 305). فحسبنا في هذه الدراسة أن نقف على واحد من أشهر كتبه وأكثرها رواجا وهو " مروج الذهب ".
وقبل نقل المرويات يسجل على المسعودي في " مروج الذهب" الملاحظات التالية:
(1) اختصر الحديث في خلافة أبي بكر الصديق اختصارا مخلا، حيث لم يتجاوز حديثه ثماني صفحات قال في نهايتها معللا ذلك: وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأخبار في هذا الكتاب للاختصار والإيجاز [9903] (( مروج الذهب)) ( 2/310).
ولا أدري لماذا يكون الاختصار هنا، بينما في خلافة علي تبلغ ثمانين صفحة، ومع ذلك يعتذر في النهاية عن حصر مناقب علي وفضائله معللا ذلك بعرضه في كتب أخرى [9904] (( مروج الذهب)) ( 2/437).
(2) ليس ذلك فحسب بل الأدعى من ذلك أن المتأمل بالتمرد الندم على قبول الخلافة [9905] (( مروج الذهب)) ( 2/308 ).
وهو لم يقبلها إلا خشية الفتنة [9906] (( مروج الذهب)) ( 2/307).
وإشارة المسعودي – في معرض حديثه عن خلافة أبي بكر – إلى إمامة المفضول [9907] (( مروج الذهب)) ( 2/311). يؤكد ذلك كله ؟!
(3) يصف المسعودي نهاية عمر وعثمان بالقتل [9908] (( مروج الذهب)) ( 2/329، 355). ونهاية علي بالاستشهاد [9909] انظر: (( منهج المسعودي في كتابة التاريخ)) ( ص 359) = ولم أقف على ذلك في حديث المسعودي عن علي، بل ذكر مقتل أمير المؤمنين علي (2/423).
(4) تعدى المسعودي وتجاوز في حديثه على كثير من الصحابة الذين كانت لهم مواقف مع علي، ووصفهم بما لا يليق بمكانتهم، كطلحة والزبير، وعائشة، ومعاوية أجمعين [9910] انظر: (( منهج المسعودي في كتابة التاريخ))  ( ص 260).
نماذج من كتابة المسعودي في (المروج)
النموذج الأول: التهكم بمعاوية ومن معه ؟
يقول المسعودي [9911] (( مروج الذهب)) ( 3/41-42). : وبلغ – يعني معاوية- من إحكامه للسياسة وإتقانه لها واجتذابه قلوب خواصه وعوامه أن رجلا من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حالة منصرفهم عن صفين فتعلق به رجل من دمشق فقال: هذه ناقتي أخذت مني بصفين، فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلا بينة يشهدون أنها ناقته، فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه، فقال الكوفي: أصلحك الله إنه جمل وليس بناقة، فقال معاوية: هذا حكم قد مضى، ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره وسأله عن ثمن بعير فدفع إليه ضعفه، وبرّه وأحسن إليه، وقال له: أبلغ علياً أني أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل.
ثم يتمادى المسعودي – في بقية ورايته – بالتهكم والسخرية بمعاوية واستغفال من معه إلى درجة يقول معها:
وقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أنه صلّى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء ؟! إلى أن يقول: ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير! [9912] (( مروج الذهب)) (3/43).
ثم يقول السمعودي: وذكر بعض الإخباريين أن قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر ؟ قال: أراه لصاً من لصوص الفتن [9913] يلاحظ أن المسعودي في كتابه لا يستخدم الإسناد في الروايات، وإنما يكتفي قال المسعودي، وذكر بعض الإخباريين أو نحوها من العبارات.
النموذج التالي: بين معاوية والحسن (رضي الله عنهما)
ومع أن الحسن بن علي رضي الله عنهما صالح معاوية، وتنازل له عن الخلافة، وحقق بذلك نبوءة النبي حيث قال: ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) [9914] رواه البخاري (2704).
وباركت الأمة هذه الخطوة، وأكبرت للحسن صنيعه، وخرج المعتزلون للفتنة من الصحابة وبايعوا معاوية وسمي العام عام الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب [9915] ابن حجر : (( الفتح)) ( 13/63). إلا أن الرافضة لم ترض بذلك، وبات علماؤهم يسردون روايات ساقطة في الوقيعة بين الحسن ومعاوية.
فالمسعودي يذكر– مثلا– أن معاوية وراء قتل الحسن بن علي وأنه دسّ إلى زوجته " جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي " إنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم، وزوجتك من يزيد، فكان ذلك الذي بعثها على سمّه [9916] (( مروج الذهب)) ( 3/5).
وثمة رواية أخرى ينقلها المسعودي وعزوها إلى ابن جرير الطبري ويسندها إلى محمد بن حميد الرازي وفيها سرور معاوية حين بلغه موت الحسن، وأنه كبرتكبيرة كبر معه أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبيرهم، وأن ابن عباس حين بلغه ذلك دخل على معاوية فقال: علمت يا ابن عباس أن الحسن توفي، قال: ألذلك كبرت ؟ قال: نعم، قال: أما والله ما موته بالذي يؤخر أجلك ولا حفرته بسادة حفرتك، ولئن أصبنا به فلقد أصبنا قبله بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين ثم بعده بسيد الأوصياء، فجبر الله تلك المصيبة، ورفع تلك العترة، فقال: ويحك يا ابن عباس ما كلمتك قط إلا وجدتك معداً [9917] (( مروج الذهب)) ( 3/8 ).
وهكذا يبدو النفس الشيعي واضحاً في هذه الرواية، فالحسن وابن عباس في جانب، ومعاوية في جانب آخر، وفوق ذلك فعلي يحشر في الرواية حشراً، ويوصف بسيد الأوصياء!!
ومعاوية لا يسر فحسب بموت الحسن ويخفي ذلك في نفسه، بل يعلنه على الملأ، وتتلاقى تكبيرات أهل الخضراء وأهل المسجد مع تكبيراته، أذلك لانتصار المسلمين في معركة، أم تراه لهلاك طاغية ؟! كلا وإنما فرحاً بموت سبط رسول الله ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!!
وبعد فهذه نماذج مختصرة أكتفي بإيرادها، وأقتصر بها عما سواها من نماذج، لأن هذه الدراسة لا تهدف إلى حصر الرواة الشيعة وليس القصد منها جمع المرويات الشيعية وإنما القصد الإبانة عن هذه النزعة وأثرها في الكتابة التاريخية، والتمثيل لها القدر الذي يكشف للقارئ وجودها وخطرها، ويهديه بعد إلى تتبع نظائرها، ورصد مثيلاتها، والتعرف على أصحابها، وأرجو أن تكون حلقة في سلسلة لدراسات أوسع، وبداية لبحوث أعمق في هذا الميدان، فليس ينقصنا في الدراسات التاريخية جمع النصوص والتأليف بينها. وإنما الذي نحتاج إليه كشف مخبئ النصوص ومعرفة من وراءها، وتتبع عورات بعض الرواة والكشف عن مناهجهم ونزعاتهم وأثر ذلك على مروياتهم، وهذا وذاك من الوسائل الناجعة لإعادة كتابة تاريخنا، وهو المنهج الأقوم والأسلوب الأمثل لرسم الصورة الحقيقية لحضارتنا وتاريخ أسلافنا.نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية لسليمان بن حمد العودة – ص 42

انظر أيضا: