موسوعة الفرق

المطلب الأول: مصدر السلوك والأخلاق هو الكتاب والسنة


 إن مصدر تلقي السلوك والأخلاق عند السلف الصالح هو الكتاب والسنة، فإنهم أهل أتباع، وأرباب طريقة أثرية.
قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 99] وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: 59] وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: ((لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علماً))
يقول ابن تيمية: (إن السلوك هو بالطريق التي أمر الله بها ورسوله من الاعتقادات والعبادات والأخلاق وهذا كله مبين في الكتاب والسنة، فإن هذا بمنزلة الغذاء الذي لا بد للمؤمن منه. ولهذا كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول، لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة.
وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ، لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين، فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد كلها منصوصة في الكتاب والسنة) مجموع الفتاوى 19/273، 274- باختصار.                                                              
ويقول أيضاً: (المعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ن فمن بنى الكلام في العلم – الأصول والفروع – على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة، وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البد نية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة، وهذه طريقة أئمة الهدى) مجموع الفتاوى 1./362، 363 - باختصار يسير، وانظر 1. / 486.
وعندما ذكر الإمام الذهبي السلوك الصحيح، نجده لا يورد إلا ما دل عليه الدليل، كما هو ظاهر مقالته الآتية (السلوك الكامل هو الورع في القوت، والورع في النطق، وحفظ اللسان، وملازمة الذكر، وترك مخالطة العامة، والبكاء على الخطيئة والتلاوة بالترتيل والتدبر، ومقت النفس وذمها في ذات الله، والإكثار من الصوم المشروع، ودوام التهجد، والتواضع للمسلمين، وصلة الرحم، والسماحة وكثرة البشر والإنفاق مع الخصاصة، وقول الحق المر برفق وتؤدة، والأمر بالمعروف، والأخذ بالعفو، والإعراض عن الجاهلين والرباط بالثغر، وجهاد العدو، وحج البيت، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السحر، فهذه شمائل الأولياء، وصفات المحمديين، أماتنا الله على محبتهم)  سير أعلام النبلاء90/12،91
ويقرر ابن القيم أن السلوك وتزكية النفوس لا يكون إلا عن طريق الرسل عليهم السلام فيقول: (وتزكية النفوس مسلم إلى الرسل)، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاهم إياها، وجعلها على أيديهم دعوة، وتعليماً، وبياناً، فهم المبعثون لعلاج نفوس الأمم. قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [الجمعة: 2]
وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة، التي لم يجئ بها الرسل، فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ فالرسل أطباء القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد، والتسليم لهم، والله المستعان) مدا رج السالكين 2/315.
وهذا السلوك الشرعي على مرتبتين كما قرره ابن تيمية بقوله: (والسلوك سلوكان: سلوك الأبرار أهل اليمن، وهو أداء الواجبات وترك المحرمات باطنًا وظاهراً ). والثاني: سلوك المقربين السابقين وهو فعل الواجب والمستحب بحسب الإمكان، وترك المكروه والمحرم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))
وإذا كان عامة من ضل في باب الاعتقاد بسبب الإعراض عن ما جاء به الرسول مجموع الفتاوى 1./463. ، فكذلك الضلال في باب السلوك، إنما كان ناشئاً – في الجملة – بسبب الإعراض عن نصوص الوحيين، كما هو ظاهر في متأخري الصوفية، وأرباب الطرق المحدثة مما يجدر ذكره أن المتقدمين من أرباب الزهد والتعبد كالفضيل، وإبراهيم بن أدهم، والجنيد، وسهل التستري، وسليمان الداراني وأمثالهم، كانوا من أحرص الناس على لزوم السنة والأتباع، والاعتصام 1/199 - 132، ومدا رج السالكين 2/464 - 468، 348.
قال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه: 123- 126]
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (تكفّل الله لمن قرأ القرآن وعمل به، أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية).
بل إن البدع في باب السلوك أكثر من البدع الاعتقادية، كما بين ذلك ابن تيمية بقوله: (ولا ريب أن البدع كثرت في باب العبادة والإرادة أعظم مما كثرت في باب الاعتقاد والقول، لأن الإرادة يشترك الناس فيها أكثر مما يشتركون في القول، فإن القول لا يكون إلا بعقل، والنطق من خصائص الإنسان، وأما جنس الإرادةفهو مما يتصف به كل الحيوان فما من حيوان إلا وله إرادة) ((مجموع الفتاوي)) (274/19، 275).
لقد صنف متأخرو الصوفية كتبًا كثيرة في السلوك، وغلب على تلك الكتب قلة العلم بالسنن والآثار، وكثرة الموضوعات، والتعويل على أخبار متأخري الزهاد، ومع ذلك فلا تخلو تلك الكتب من حق وصواب انظر: ((تلبيس إبليس)) لابن الجوزي (ص: 184 – 186)، و((مجموع الفتاوى)) (1./367، 551، 6.8، 681، 579، 58).
وسمى أرباب الطرق الصوفية ما أحدثوه من البدع (حقيقة)، فطريق الحقيقة عندهم هو السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه انظر: ((مجموع الفتاوى)) (1./169). ، بل قدموا أذواقهم ومواجيدهم وكشوفاتهم الباطلة على نصوص الوحيين انظر: تفصيل ذلك في: ((مدارج السالكين)) (2/7.، 334، 494-496)، و((الصواعق المرسلة)) (3/1.51)، و((شرح الطحاوية)) (1/235).
يقول ابن تيمية في هذا الصدد :
(من عارض كتاب الله وجادل فيه بما يسميه معقولات وبراهين وأقيسة، أو ما يسميه مكاشفات ومواجيد وأذواق، من غير أن يأتي على ما يقوله بكتاب منزل فقد جادل في آيات الله بغير سلطان، هذا حال الكفار الذين قال فيهم: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: 4]
فهذه حال من يجادل في آيات الله مطلقاً ((الاستقامة)) (1/22).
وقال ابن القيم – مبيناً خطورة الابتداع في السلوك:
(وعامة من تزندق من السالكين فلإعراضه عن دواعي العلم، وسيره على جادة الذوق والوجد، ذاهبة به الطريق كل مذهب فهذه فتنته ن والفتنة به شديدة) ((مدارج السالكين)) (1/158)، وانظر: ((إغاثة اللهفان)) (1/193).
وليس هذا فحسب، بل أغلوا في الانحراف والإعراض عن هدي الله تعالى، حتى قال قائلهم: حدثني قلبي عن ربي وقال بعضهم: نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت وأنتم تأخذونه من حي يموت، وقال الآخر: العلم حجاب بين القلب وبين الله عز وجل، وقال رابعهم: إذا رأيت الصوفي يشتغل بـ (أخبرنا) و (حدثنا) فأغسل يدك منه !!
قال أبو الوفاء ابن عقيل (ت 513هـ ) في نقد تلك الأقاويل:
(فإذا قالوا (أي الصوفية ) عن أصحاب الحديث قالوا: أخذوا علمهم ميتًا عن ميت، فقد طعنوا في النبوات، وعولوا على الواقع، ومتى أزري على طريق، سقط الأخذ به ومن قال: حدثني قلبي عن ربي فقد صرح أنه غني عن الرسول، ومن صرح بذلك فقد كفر، فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة، ومن رأيناه يزري أن يكون من إلقاء الشياطين ن فقد قال الله عز وجل: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ [الأنعام: 121] وهذا هو الظاهر، لأنه ترك الدليل المعصوم وعول على ما يلقى في قلبه الذي لم تثبت حراسته من الوساوس) ((تلبيس إبيلس)) لابن الجوزي (ص: 423، 424)، وانظر: ((الصواعق المرسلة)) (4/1342 – 135).
وقال ابن القيم معلقاً على تلك العبارات :
(ومن أحالك على غير (اخبرنا) و(حدثنا) فقد أحالك إما على خيال صوفي، أو قياس فلسفي، أو رأي نفسي، فليس بعد القرآن و(ـخبرنا) و(حدثنا) إلا شبهات المتكلمين، وآراء المنحرفين، وخيالات المتصوفين، وقياس المتفلسفين، ومن فارق الدليل ضل عن سواء السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسنة، وكل طريق لم يصحبها دليل القرآن والسنة فهي طريق الجحيم والشيطان الرجيم) ((مدارج السالكين)) (2/468، 469).
فلما أعرض أهل التصوف عن الطريقة النبوية السلفية، تلاعب بهم الشيطان، فأوقعهم في الإفراط والتفريط، فتراهم أصحاب تشدد وتنطع ورهبانية محدثة، وحديث عن الدقائق من (الوساوس) و (الخطرات).
ثم في المقابل تجدهم أهل سماع بدعي، وأرباب رقص وغناء، ومصاحبة للأحداث، وعشق للصور المحرمة.
قال ابن رجب - في بيان حال القوم :-
( ومما أحدث من العلوم، الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب وتوابع ذلك، بمجرد الرأي والذوق أو الكشف، وفيه خطر عظيم وقد أنكره أعيان الأئمة كالإمام أحمد وغيره.
وقد اتسع الخرق في هذا الباب، ودخل فيه قوم إلى أنواع الزندقة والنفاق، ودعوى أن أولياء الله أفضل من الأنبياء، أو أنهم مستغنون عنهم...
وأدخلوا في هذا الطريق أشياء كثيرة ليست من الدين في شئ، فبعضها زعموا أنه يحصل به ترقيق القلوب كالغناء والرقص، وبعضها زعموا أنه يراد لرياضة النفوس كعشق الصور المحرمة ونظرها، وبعضها زعموا أنه لكسر النفوس والتواضع كشهرة اللباس وغير ذلك مما لم تأت به الشريعة، وبعضه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة والغناء والنظر المحرم، وشابهوا بذلك الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً) ((بيان فضل علم السلف على علم الخلف)) (ص: 149، 15). = باختصار، انظر: ((جامع العلوم والحكم)) (2/133).
إذا تقرر ما سبق، وعرفنا اعتماد السلف الصالح على الكتاب والسنة، وأن طريقهتم في السلوك في غاية الإتباع، وأما أرباب الطرق الصوفية ففي منتهى الإحداث والابتداع. فها هنا سؤال يفرض نفسه وهو إذا لم يتيسر المسلك الشرعي الخالص إلا بنوع من الابتداع فما العمل؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – مجيبًا عن هذا السؤال: (وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطرق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علماً وعملاً، فإذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقي الإنسان في الظلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة، إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية..) ((مجموع الفتاوى)) (1./364)، وله كلام نفيس في مثل هذا المبحث - في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/616). معالم في السلوك وتزكية النفوس لعبد العزيز بن محمد العبد اللطيف – ص: 15 المطلب الثاني: الوسطية:
من المعلوم أن أهل السنة والجماعة هم الوسط في فرق الأمة، فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية، وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المرجئة الذين يقولون إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية، كما أنهم وسط في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج. فإذا كان أهل السنة وسطاً في باب الاعتقاد، فكذلك هم وسط في باب السلوك بين طرفي الإفراط والتفريط، فدين اله بين الغالي فيه والجافي عنه. إن إيمان أهل السنة بجميع النصوص الثابتة في مسألة ما قد أورثهم الخيرية والوسطية بين الفرق، وكما قال ابن تيمية:
(وكذلك (أهل السنة) في سائر أبواب السنة هم وسط، لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما اتفق عليه السابقون والأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) ((مجموع الفتاوى)) (3/375).
ويقرر الشاطبي مفهوم الوسطية في هذا الدين فيقول:
(الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جارٍ على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال.. فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى احد الطرفين، كان التشريع رادا إلى الوسط الأعدل، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعدال فيه.. إلى أن قال :- فإذا نظرت في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلاً إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر.
فطرف التشديد – وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر – يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين.
وطرف التخفيف – وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص – يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحاً، ومسلك الاعتدال واضحاً، وهو الأصل الذي يرجع إليه.
وعلى هذا إذا رأيت في النقل من المتبرعين في الدين من مال عن التوسط، فاعلم أن ذلك مراعاة منه لطرف واقع أو متوقع في الجهة الأخرى، وعليه يجري النظر في الورع والزهد، وأشباههما، وما قابلهما) الموافقات 2/163 -168 باختصار.
والآن نورد أمثلة على وسطية أهل السنة في السلوك على النحو التالي:-
أ- أهل السنة والجماعة وسط في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الوعيدية والمرجئة، فالوعيدية من الخوارج والمعتزلة قد ينكرون المنكر، لكن بنوع من التعدي والإفراط، فجوزوا الخروج على أئمة الجور وقتالهم، مما ترتب عليه أنواع من الفساد والمنكرات أكثر مما أزالوه..
وأما المرجئة فقد تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظناً أن ذلك من باب ترك الفتنة.
أهل السنة يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، مع مراعاة مقاصد الشريعة، والحرص على لزوم الجماعة والائتلاف، والبعد عن الفرقة والاختلاف. يقول ابن تيمية:
(أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم يرون قتال أئمة الجور، والخروج عليهم إذا فعلوا ماهو ظلم، أو ماظنوه هم ظلماً، ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآخرون من المرجئة وأهل الفجور قد يرون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظناً أن ذلك من باب ترك الفتنة، وهؤلاء يقابلون لأولئك، ولهذا ذكر الأستاذ أبو منصور الماتريدي المصنف في الكلام وأصول الدين من الحنفية الذين وراء النهر ما قابل به المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذكر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط في هذا الزمان) الآداب الشرعية لابن مفلح 1/ 177.
ويقول في موضع آخر :
(الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض جهاد من يستحق الجهاد، كهؤلاء القوم المسئول عنهم (التتار)، مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي تغزو معها على كل شئ من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديماً وحديثاً، وهي واجبة على كل مكلف، وهي متوسطة بين طرفي الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقاً وإن لم يكونوا أبراراً) مجموع الفتاوى 28/5.8.
ب- أهل السنة والجماعة وسط في باب الإخلاص بين المرائين والملامية.
فالمراؤن يعملون الصالحات بقصد رؤية الناس وطلب مدحهم وثنائهم، وأما الملامية فعلى النقيض من ذلك، فهم يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون نحن متبعون في الباطن انظر: لمعرفة حال الملامية: ((تلبيس إبليس)) (ص: 41)، و((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (35/164). و((مدارج السالكين)) (3/177، 178)، و((إغاثة اللهفان)) (1/178).
فأهل السنة يعملون الطاعات ابتغاء وجه الله تعالى، فإذا ألقى الله لهم الثناء الحسن في قلوب الناس بذلك، فتلك عاجل بشرى المؤمن، فعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه، فقال ((تلك عاجل بشرى للمؤمن))
لقد جمع أهل السنة بين صحة القصد والإرادة، وصلاح العمل وموافقته للشرع، تحقيقاً لقوله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف: 110]
ج – أهل السنة والجماعة وسط بين المشتغلين بالعبادات القلبية فقط – كالصوفية -، والمشتغلين بالعبادات الظاهرة فحسب – مثل بعض الفقهاء – فقام أهل السنة بالعبادات الظاهرة والباطنة معاً.
يقول ابن تيمية: (كثر في المتفقهة من ينحرف عن طاعات القلب وعباداته، من الإخلاص لله، والتوكل عليه، والمحبة له، والخشية منه، ونحو ذلك.
وكثر في المتفقرة والمتصوفة من ينحرف عن الطاعات الشرعية، فلا يسألوا إذا حصل لهم توحيد القلب وتأهله أن يكون ما أوجبه الله من الصلوات، وشرعه من أنواع القراءة والذكر والدعوات أن يتناولوا ما حرم الله من المطاعم، وأن يتعبدوا بالعبادات البدعية من الرهبانية ونحوها، ويعتاضوا بسماع المكاء والتصدية عن سماع القرآن) ((مجموع الفتاوى)) _2./72، 73).
ويقول ابن القيم: (إن لله على العبد عبوديتين: عبودية باطنة، وعبودية ظاهرة فله على قلبه عبودية، وعلى لسانه وجوارحه عبودية، فقيامه بصورة العبودية الظاهرة مع تعريه عن حقيقة العبودية الباطنة مما لا يقربه إلى ربه، ولا يوجد له الثواب وقبول عمله. ولما رأى بعض أرباب القلوب طريقة هؤلاء (الفقهاء)، انحرف عنها هو إلى أن صرف همه إلى عبودية القلب، وعطل عبودية الجوارح، وقال المقصود قيام القلب بحقيقة الخدمة والجوارح تبع.
والطائفتان متقابلتان أعظم تقابل، هؤلاء لا التفات لهم إلى عبودية جوارحهم، ففسدت عبودية قلوبهم، وأولئك لا التفات لهم إلى عبودية قلوبهم، ففسدت عبودية جوارحهم، والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهراً وباطناً، وقدموا قلوبهم في الخدمة، وجعلوا الأعضاء تبعاً لها، فأقاموا الملك وجنوده في خدمة المعبود، وهذا هو حقيقة العبودية) ((بدائع الفوائد)) (3/229، 23)، وانظر: ((إغاثة اللهفان)) (1/187).
د- أهل السنة وسط بين من يريد من الله ولا يريد الله، وبين من يريد الله ولا يريد منه، فأهل السنة يريدون الله تعالى، ويريدون ثوابه، فهم خواص خلقه، قال تعالى: وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب: 29]
وأما الذين يريدون من الله ولا يريدون الله، فهؤلاء ليس في قلوبهم غير إرادة نعيم الجنة المخلوق، كحال أكثر المتكلمين، المنكرين رؤية الله تعالى، والتلذذ بالنظر على وجهه في الآخرة، وهم عبيد الأجرة المحضة، فهؤلاء لا يريدون الله تعالى وتقدس، ومنهم من يصرح بأن إرادة الله تعالى محال.
وأما الذين يريدون الله ولا يريدون منه، فكحال الصوفية..
ومنشأ اشتباه واضطراب كلا الفريقين أنهم ظنوا أن الجنة التنعم بالمخلوق من أكل وشرب ونكاح ولباس... ثم صاروا فريقين، أحدهما: أنكروا رؤية المؤمنين لربهم كالمتكلمين من المعتزلة والجهمية ونحوهم، والفريق الآخر أثبتوا الرؤية، لكن اخطؤا من جهة أنهم جعلوا ذلك خارجاً عن الجنة، فاسقطوا حرمة اسم الجنة.
هـ- أهل السنة وسط بين أهل الفجور والفواحش، وأصحاب الرهبانية والتشدد.
فأهل الفجور هم المترفون المنعمون، ممن أسرفوا على أنفسهم، فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وأما المترهبون فأوقعهم في البدع غلوهم وتشديدهم، فحرموا ما أحل الله من الطيبات.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة: 87]
فنهى سبحانه عن تحريم ما أحل الله من الطيبات، وعن الاعتداء في تناولها وهو مجاوزة الحد، وقد فسر الاعتداء في الزهد والعبادة، بأن يحرموا الحلال ويفعلوا من العبادة ما يضرهم، فيكونوا قد تجاوزوا الحد وأسرفوا، وقيل: لا يحملنكم أكل الطيبات على الإسراف وتناول الحرام من أموال الناس انظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية 14/457 * 46.، 1./623. معالم في السلوك وتزكية النفوس لعبد العزيز بن محمد العبد اللطيف - ص 23

انظر أيضا: