موسوعة الفرق

تمهيد


إنَّ السلوك الصحيح وتزكية النفوس من أعظم أمور الدين، وأجل خصاله، حيث اهتم سلفنا الصالح بالسلوك الشرعي علماً وعملاً، فالسلوك الظاهر ملازم للإيمان الباطن، وصلاح الظاهر ناشئ عن صلاح الباطن، وكذا العكس.... ولما كان السلوك - عند السلف - يعد إيماناً وديناً، فإننا نراهم يفردونه بكتب مستقلة، بل ويوردون الجوانب السلوكية ضمن كتب العقيدة، لأن السلوك وما يتعلق بالصفات الأخلاقية من شعب الإيمان وخصاله، فلا تنفك عنه.
لقد كان للنزعة الإرجائية الكلامية أثر ظاهر في إهمال موضوعات السلوك والأخلاق، فلما كان الإيمان - عندهم - تصديقاً فحسب، أهملوا أعمال القلوب والجوارح.
ولما كان توحيدهم - فقط - هو توحيد اعتقاد الربوبية لله تعالى، أعرضوا عن توحيد العبادة والإرادة والطلب، ما يتبعه من الجوانب السلوكية والأخلاقية. معالم في السلوك وتزكية النفوس لعبد العزيز بن محمد العبد اللطيف ص 3
وأهل السنة تميزوا عن غيرهم بأنهم أثَّرت فيهم المتابعة وأثَّرَ فيهم الاعتقاد فهم أهل اتباع للنبي عليه الصلاة والسلام في المسائل العلمية وفي المسائل العملية.
أما أهل البدع فقد جعلوا المسائل العملية والأخلاق، في مرتبة ليست بمهمة وقالوا: إن هذه من قشور الدين.
وأهل السنة من جهة اعتنائهم وفقههم واتباعهم للنبي عليه الصلاة والسلام تابعوا في المسائل العلمية والمسائل العملية.
والمسائل العملية منها الأحكام الفرعية ومنها الأخلاق، فلذلك هم في السلوك أهل اتباع لسبيل المؤمنين لطريقة المصطفى صلى الله عليه وسلم وطريقة الصحابة رضوان الله عليهم من بعده.
والفِرَق المخالفة لطريقة أهل السنة في باب الأخلاق تنوعت:
منهم من لم يهتم بهذا أصلاً، وإنما يهتمون بالأمور الكلية وأما إذا أتيت إلى سلوكهم وعملهم وأخلاقهم وديانتهم فإنهم لا يهتمون بذلك، لا من جهة حقوق الله جل وعلا، ولا من جهة حقوق الخلق: من الواجبات والمستحبات، فهم مفرطون في ذلك كله، وقد أخذوا الاعتقاد من جهة العقليات، فصارت عندهم مباحث أشبه ما تكون بمباحث اللاهوت عند النصارى، وليست بمباحث عقدية تؤثر في القلب عقداً فتستجيب لها الجوارح فعلاً وسلوكاً وحركة.
فالمتكلمون أقسى قلوباً مع أنهم يُثبتون وجود الله جل وعلا بما يثبتونه به ويثبتون البعث ويثبتون أشياء مما هي معلومة في العقيدة ويخالفون فيما يخالفون لكنهم ليسوا بذوي ذكاء في قلوبهم، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في وصف أئمتهم: (أوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاء، وأوتوا علوماً ولم يؤتوا فُهُوما). وهذا واقع فإن كثيرين دخلوا في مباحث الاعتقاد من جهةٍ عقلية بحتة ولم يستفيدوا منها في تعظيم الله جل وعلا كما ينبغي له جل وعلا ولا في تعظيم رسوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم التعظيم الذي أذن الله به لرسوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم من جهة محبته وطاعته واتباع ما جاء به.
فهذه الفئة، المتكلمون ومن شابههم، هؤلاء لم يعتنوا أصلاً بالأخلاق ولا بالعمل ومثلهم الفلاسفة الإسلاميين كذلك لم يهتموا بالعمل، وهؤلاء أصناف متنوعة.
يقابلهم جهة أخرى غلت في الأخلاق حتى جاوزت المأذون به وجاوزت السنة في ذلك وهم المتصوفة.
والصوفية فرقة نشأت في أواسط القرن الثاني للهجرة وكان لنشوئها سبب أو أسباب ومنها مخالطتهم للنصارى خارج الأمصار، وخارج البلاد المتأهلة بالسكان – مثل بغداد ودمشق ونحو ذلك- وقد كان النصارى يميلون إلى الرهبنة وينعزلون فلما خالطهم طائفة من جهلة المسلمين قلَّدُوهم في ذلك حتى غلوا في جانب الأخلاق، فصاروا مخالفين لطريقة السلف الصالح فيه.
وهؤلاء الذين غلوا وهم الصوفية نُسِبوا إلى لُبْسِهِم الصوف تقليداً للنصارى وهناك أقوال أخر، في سبب تسمية الصوفية، لكن هذا هو أظهرها.
ففي المقامات والأحوال لم يتابعوا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما دخلوا بالذوق...
فأهل السنة رأوا كلام الذين بدأ فيهم الزيغ فتكلموا في الأخلاق وفي إصلاح النفس بغير ما دلت عليه النصوص، مثل جماعة ممن كانوا في عصر الإمام أحمد وقبله، كانوا يتكلمون في هذه المسائل على غير طريقة السلف، وصنفوا فيها مصنفات معروفة وموجودة؛ ولهذا قابلهم السلف بتأصيل الأخلاق، ومخالفة أهل الضلال فيها، عن طريق كتب الزهد والرقائق، فتصنيف كتب  الزهد والرقائق كان مقصوداً لمخالفة هذه الطائفة التي غلت في الأخلاق والسلوك وتركت طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً للرد على الذين نظروا الدنيا وأخذوا بالعقليات ونسوا يوم الحساب.
فهؤلاء وهؤلاء رَدَّ عليهم السلف بكتب الزهد والرقائق، بما كان عليه صلوات الله وسلامه من الزهد وبما كان عليه أصحابه وبما كان عليه الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه وهكذا.
فصار أهل السنة في باب إصلاح النفس مخالفين للجفاة الذين لم يعتنوا بإصلاح الأخلاق وللذين غلوا فابتدعوا طرقاً في إصلاح النفس والأخلاق.
وكلمة الأخلاق هذه كلمة عامة والمقصود منها الصورة الباطنة؛ لأن الخَلْق، خَلَقَ يخلُقُ خلْقاً هو الإيجاد.
وهذا المخلوق له صورتان، صورةٌ ظاهرة وهي الخَلْق، خَلْقُه خِلْقَتُهُ وصورة باطنة وهي خُلُقُه.
ولهذا عظَّم النبي عليه الصلاة والسلام حسن الخلق في أحاديث كثيرة متعددة...
فأهل السنة ذكروا في تصانيفهم ما يتعلق بالزهد والأخلاق وإصلاح العمل والصورة الباطنة المتابعة للظاهرة وإصلاح الصورة الباطنة من مكارم الأخلاق، ونهوا عن كل ما يخالف طريقة السلف في هذا الأمر، ذلك لأن مسألة التربية والأخلاق وإصلاح النفس قد تكون على غير طريقة السلف الصالح.
فلهذا ذكروا أصول ما هم عليه في باب إصلاح الخُلُق، وإصلاح الصورة الباطنة، وإصلاح النفس....
المقصود في هذا البيان أن ذكر الأخلاق في كتب أهل السنة والجماعة مقصودٌ وهو من جملة ما تميزوا به عن غيرهم.
فغيرهم في هذا الباب ما بين جافٍ وغالٍ..... فإذًا الدعوة إلى هذه الأخلاق هذه من خصائص أهل السنة ومن أثر العقيدة على النفس، ومن تَمَثَّلَ العقيدة الصحيحة فهو الصالح، فالصالح من عباد الله هو الذي صَلُحَ باطنه وظاهره، وصلاح باطنه بالاعتقاد الصحيح والأخلاق الفاضلة، وظاهره بأن يكون مقيماً لحقوق الله ومقيماً لحقوق الخلق.
فالصالح عند أهل العلم هو القائم بحقوق الله وحقوق الخلق، فمن جمع القيام بهذا وهذا فهو صالح، ومن فرط في شيء من هذين فهو ينقصه من الصلاح ويدخله شيء من ضده بحسب ما فرط وترك.شرح العقيدة الواسطية لصالح آل الشيخ – 2/627

انظر أيضا: