موسوعة الفرق

المطلب الرابع: حكم الخوارج في أطفال مخالفيهم


لابد وأن يكون في حكم العقل تمييز بين معاملة الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف وبين الكبير المكلف. والخوارج لم يتفقوا على حكم واحد في الأطفال، سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة، ونوجز أهم آرائهم في هذه القضية فيما يلي:
منهم من اعتبرهم في حكم آبائهم المخالفين فاستباح قتلهم باعتبار أنهم مشركون لا عصمة لدمائهم ولا لدماء آبائهم.
ومنهم من جعلهم من أهل الجنة ولم يجوز قتلهم.
واعتبرهم بعضهم خدماً لأهل الجنة
ومنهم من توقف فيهم إلى أن يبلغوا سن التكليف ويتبين حالهم.
و الإباضية تولوا أطفال المسلمين وتوقفوا في أطفال المشركين، ومنهم من يلحق أطفال المشركين بأطفال المؤمنين.
أما القول الأول: فهو للأزارقة، واستدلوا بقول الله تعالى: إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح: 27], وتبعهم في هذا بعض فرق الخوارج كالعجاردة والحمزية والخلفية.
وأما القول الثاني: فهو للنجدات والصفرية والميمونية، واستدلوا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)) رواه البخاري (1385)، ومسلم (2658). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، والذين توقفوا في الحكم عليهم قالوا: لم نجد في الأطفال ما يوجب ولايتهم ولا عداوتهم إلى أن يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا به أو ينكروه.
هذه خلاصة أهم آراء الخوارج في هذه القضية، والواقع أن هذه المسألة من المسائل الخلافية بين العلماء.
فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أطفال المؤمنين إذا ماتوا على الإيمان فإن الله تعالى يدخلهم الجنة من آبائهم وإن نقصت أعمالهم عنهم لتقر أعين آبائهم بهم، فيكونون مع آبائهم في الجنة؛ تفضلاً من الله تعالى، على ضوء قوله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: 21] انظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/241) , ونقل ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال بأنهم في الجنة دون خلاف.
وبعضهم ذهب إلى أنهم تحت المشيئة.
وجدير بالذكر أن أطفال المؤمنين الذين نتحدث عنهم هنا هم الذين يعتبرهم الخوارج أطفال المشركين.
وأما أطفال المشركين الذين هم عبدة الأوثان ومن في حكمهم فإن العلماء اختلفوا فيهم اختلافاً كثيراً.
فذهب بعضهم إلى التوقف في أمرهم فلا يحكم لهم بجنة ولا نار وأمرهم إلى الله.
أنهم في النار.
أنهم في الجنة.
أنهم في منزلة بين المنزلتين، أي الجنة والنار.
أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، تبعاً لآبائهم حتى ولو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهم لم يحكم لأطفالهما بالنار.
أنهم يمتحنون في عرصات القيامة بطاعة رسول يرسله الله إليهم، فمن أطاعه منهم دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
وقد استعرض ابن القيم أدلة القائلين بهذه الآراء وانتهى إلى نصرة الرأي الأخير ثم قال: "وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها وتتوافق الأحاديث ويكون معلوم الله الذي أحال عليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)) رواه البخاري (1358)، ومسلم (2658). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وأيَّد ابن حزم القول بأن أطفال المشركين في الجنة، وكذا النووي، وقد توقف شيخ الإسلام في الحكم عليهم.
وأما استباحة قتل النساء والذرية –كما يرى الخوارج- فقد أخطأوا حين جوزوا ذلك سواء كانوا من المسلمين أو من المشركين، فقد صحت الأحاديث بالمنع من قتلهم، إلا أن يكون ذلك في بيات لا يتميز فيه الأطفال والنساء فلا بأس من قتلهم إذا وقع دون عمد انظر: ((التفسير القيم)) (ص451)، ((فتح القدير)) (5/98)، ((جامع البيان)) (27/25)، ((طريق الهجرتين)) (387), ((الفصل)) لابن حزم (4/74). فرق معاصرة لغالب عواجي 1/292
هذا هو موقف الخوارج من مخالفيهم بصفة عامة، وإتماما للبحث، لابد من بيان موقفهم من أطفال مخالفيهم، لأنه لابد وأن يكون في حكم العقل تمييز بين معاملة الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف وبين الكبير المكلف، ونحب أن نبين موقف الخوارج، هل كانوا جميعا على هذا المبدأ الذي قدمناه أم كان بعضهم من الجفاء بحيث لا يميز بين الصغير والكبير في الحكم والمعاملة فيهم؟ وللإجابة عن ذلك نقول بصفة إجمالية: إن الخوارج لم يتفقوا على حكم واحد في الأطفال، سواء كان ذلك الحكم في الدنيا أو في الآخرة، فمنهم من عاملهم أشد المعاملة وأقساها فاعتبرهم في حكم آبائهم المخالفين، فاستباح قتلهم باعتبار أنهم مشركون من أهل النار كآبائهم، والمشرك بالطبع غير معصوم الدم.
ومنهم من اعتبرهم أبرياء يخطئ من يستبيح قتلهم أو الحكم عليهم بدخول النار، بل هم من أهل الجنة، وقد جعلهم بعضهم خدما لأهل الجنة.
ومنهم من توقف فيهم ما داموا تحت سن التكليف، إلى أن يبلغوا ويختاروا لأنفسهم الدين الذي يرتضونه، ومن هنا تحدد معاملتهم، ومنهم من تولى أطفال المؤمنين وتوقف في أطفال المشركين.
فمن حكم عليهم بأنهم تابعون لآبائهم في شركهم عاملهم في الدنيا بحسب ذلك الحكم، ومن تولاهم ورأى أنهم ليسوا بكفار وأن حكمهم ليس كحكم آبائهم – عاملهم بالحسنى في الدنيا؛ فحرم قتلهم وحرم القول فيهم بأنهم من أهل النار، ومن توقف فيهم عاملهم كذلك بالحسنى إلى أن يبلغوا مبلغ التكليف. وفيما يلي تفصيل هذا الإجمال:
1- أما القول باتباع أطفال المخالفين لآبائهم واعتبارهم مشركين كآبائهم تستباح دماؤهم، فهو قول الأزارقة، وقد عد العلماء هذا القول من بدع نافع بن الأزرق الذي تولى كبره هو وأتباعه، يقول الأشعري فيهم: "ويرون قتل الأطفال" ((المقالات)) (1/170).
ويوضح قولهم أيضا البغدادي، فيقول في بيانه لبدعهم: "ومنها أنهم استباحوا قتل نساء مخالفيهم، وقتل أطفالهم، وزعموا أن الأطفال مشركون، وقطعوا بأن أطفال مخالفيهم مخلدون في النار" ((الفرق بين الفرق)) (ص82، ((الملل والنحل)) (1/121، ((الكامل)) لابن الأثير (4/167، ((الفصل)) لابن حزم (4/189). وهكذا عند الشهرستاني وابن حزم وابن الأثير. ويقول ابن الجوزي: "وأباح هؤلاء – يعني الأزارقة – قتل النساء والصبيان من المسلمين وحكموا عليهم بالشرك" ((تلبيس إبليس)) (ص95).
ومن البديهي أن يكون أطفال المخالفين عند الأزارقة تبعا لآبائهم في عذاب الآخرة، كما كانوا تبعا لهم في شركهم واستباحة دمائهم في الدنيا.
وقد استدل الأزارقة في قولهم بتعذيب الأطفال في النار من القرآن الكريم بقوله تعالى حاكيا عن نوح عليه السلام قوله: إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:27]
ومن السنة بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ((يا رسول الله، أين أطفالي منك؟ قال: في الجنة، قالت: فأطفالي من غيرك؟ قال: في النار. فأعادت عليه فقال لها: إن شئت أسمعتك تضاغيهم)) رواه أبو يعلى (12/504)، والطبراني (23/16). قال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (2/113): فيه انقطاع. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/220): رواه الطبراني وأبو يعلى ورجالهما ثقات إلا أن عبد الله بن الحارث بن نوفل وابن بريدة لم يدركا خديجة. وقال العراقي في ((المغني)) (4/39): إسناده منقطع. وقال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (24/644): مرسل.
وبما روي أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الوائدة والموؤودة في النار)) رواه أبو داود (4717)، وابن حبان (16/521)، والطبراني (10/93). والحديث سكت عنه أبو داود. وحسنه ابن حجر في ((هداية الرواة)) (1/105) – كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): صحيح.
واستدلوا أيضا بدليل عقلي، فقالوا لمن حكم بدخولهم الجنة: إن كانوا عندكم في الجنة فهم مؤمنون؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، فإن كانوا مؤمنين فيلزمكم أن تدفنوا أطفال المشركين مع المسلمين، وأن لا تتركوه يلتزم إذا بلغ دين أبيه فتكون ردة وخروجا عن الإسلام إلى الكفر، وينبغي لكم أن ترثوه وتورثوه من أقاربه المسلمين.
قال ابن حزم بعد ذكر استدلالاتهم تلك: "هذا كل ما احتجوا به، ما يعلم لهم حجة غير هذا أصلا" ((الفصل)) (4/73).
وممن قال بتعذيب الأطفال تبعا لآبائهم بعد الأزارقة العجاردة، فإنهم كانوا يقولون إن "أطفال المشركين في النار مع آبائهم" ((الملل والنحل)) (1/128). ، وكذا الحمزية والخلفية فإنهم يعتبرون الأطفال كلهم- أي من مخالفيهم – من أهل القبلة أو من المشركين؛ هؤلاء عندهم كلهم في النار، وتعتبر الشبيبية من هذا الفريق المتشدد، حيث حكموا على أطفال المؤمنين" بأنهم مؤمنون أطفالا وبالغين حتى يكفروا، وأن أطفال الكفار كفار أطفالا وبالغين حتى يؤمنوا" ((المقالات)) (1/194).
2- وأما قول الخوارج ببراءة أطفال مخالفيهم فهو قول النجدات، أتباع نجدة ابن عامر، فإنهم كانوا لا يرون قتل الأطفال بل يرونهم معذورين بصغرهم عن تحمل التبعات التي تقع على آبائهم، ويظهر من كتاب نجدة الذي كتبه إلى نافع أنه كان يرى أن قتل الأطفال ليس من صفات الرحماء الذين مدحهم الله في كتابه، وأن القائد ينبغي عليه التمسك بالعدل وإنصاف المظلوم، وقتل هؤلاء الأطفال ظلم وإغواء من الشيطان.
فمما جاء فيه قوله يعاتبه: "ثم استحللت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم، وقال جل ثناؤه: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 146] ,". فأجابه نافع بقوله: "وأما أمر الأطفال فإن نبي الله نوحا كان أعرف بالله يا نجدة مني ومنك: وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح: 26، 27]، فسماهم بالكفر وهم أطفال، وقبل أن يولدوا، فكيف جاز ذلك في قوم نوح ولا يجوز في قومنا؟! والله يقول: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ [القمر: 43]" ((العقد الفريد)) (2/397،398).
ومثل النجدات في هذا الرأي ما يذهب إليه الصفرية، فإنهم لا يجوزون قتل أطفال مخالفيهم كما تفعل الأزارقة، يقول البغدادي: "غير أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم، والأزارقة يرون ذلك" ((الفرق بين الفرق)) (ص91). وهذا الحكم عام عندهم حتى في أطفال المشركين، فلم يروا قتلهم، وبالتالي فإنهم لا يجوزون القول بأنهم في النار، وفي ذلك يقول عنهم الشهرستاني: "ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار" ((الملل والنحل)) (1/137).
ويصفهم الأشعري بأنهم: "لا يوافقون الأزارقة في عذاب الأطفال" ((المقالات)) (1/182). بل يحرمونه، وقد كان هذا الحكم ناتجا عن رأيهم فيهم في الدنيا وأنهم معذورون بصغرهم الذي يوجب عدم مؤاخذتهم بما يؤاخذ به الكبار.
وقريب مما ذهب إليه النجدات والصفرية قول من يذهب إلى الجزم بأن الأطفال على أي اعتقاد كان كلهم في الجنة، وهذه الفرقة القائلة بهذا القول هي فرقة الميمونة اتباع ميمون الذي كان يقول: "إن أطفال المشركين والكفار كلهم في الجنة، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)) رواه البخاري (1385)، ومسلم (2658). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ومن الغريب أن ميمونا كان يدين بقول القدرية، ولكنه "زعم مع ذلك أن أطفال المشركين في الجنة" ((الفرق بين الفرق)) (ص280، ((الملل والنحل)) (1/129). ، كما يذكر البغدادي والشهرستاني.
3- وأما الذين توقفوا من الخوارج في أمر أطفال مخالفيهم فهم فريق من الصلتية حيث لم يجدوا في الأطفال ما يوجب ولايتهم ولا عدواتهم إلى أن يبلغوا، وفي ذلك يقول الشهرستاني عنهم: "ويحكى عن جماعة منهم (أي الصلتية) أنهم قالوا ليس لأطفال المشركين والمسلمين ولاية ولا عداوة حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا أو ينكروا" ((الملل والنحل)) (1/129).
ولعل هذا الفريق من الصلتية أوضح في التوقف في أمر الأطفال من زعيمهم عثمان بن أبي الصلت الذي كان يقول: "إذا استجاب لنا الرجل وأسلم توليناه وبرئنا من أطفاله؛ لأنه ليس لهم إسلام حتى يدركوا فيدعوا إلى الإسلام فيقبلونه" ((المقالات)) (1/179، ((الفرق بين الفرق)) (ص97).
فإذا لم يكن للأطفال من المسلمين ما يدعو إلى ولايتهم، فليس لهم من الكفر ما يدعو إلى البراءة منهم، كما ذهب إليه ابن أبي الصلت، وهذا هو ما يدعو إلى التوقف التام في شأنهم.
وهذا الموقف هو نفسه موقف فرقة الثعالبة، فهم يقولون: "ليس لأطفال الكافرين ولا لأطفال المؤمنين ولاية ولا عداوة ولا براءة حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا به أو ينكروه" ((المقالات)) (1/180). ، وظاهر هذا الكلام أنهم توقفوا في الحكم فيهم.
ولكن الأشعري بعدما ذكر ما سبق عنهم، عاد فقال بعد قليل من كلامه السابق: "ومن قول الثعالبة في الأطفال: إنهم يشتركون في عذاب آبائهم، وأنهم ركن من أركانهم، يريدون بذلك أنهم بعض من أبعاضهم" ((المقالات)) (1/182). فكيف يتم هذا الحكم مع ما نقله عنهم من قولهم السابق بالتوقف في شأنهم قبل البلوغ ؟! إلا أن يكون ذلك التوقف في الدنيا وأما في الآخرة فإنهم يوجبون لهم النار، وإلا لكان تناقضا في النقل عنهم.
 ولقد كان القول بولاية الأطفال أو عدمه قبل البلوغ هو السبب في انشقاق ثعلبة عن عبدالكريم بن عجرد زعيم العجاردة، فقد كان عبدالكريم يرى القول بالبراءة من الأطفال قبل البلوغ، بينما ثعلبة كان يقول: "نحن على ولايتهم صغارا وكبارا إلى أن يتبين لنا منهم إنكار للحق" ((الفرق بين الفرق)) (ص101).
ولكن أغلبية العجاردة فيما يظهر مختلفون في حكم الأطفال، فالذي عليه أكثرهم هو وجوب البراءة منهم قبل البلوغ، ووجوب دعوتهم إلى الإسلام حين بلوغهم، بل يذكر البغدادي أنهم مجمعون على هذا القول ((الفرق بين الفرق)) (ص94، ((الأديان والفرق)) (ص104). ، أما الأقلية منهم فقد توقفوا فيهم إلى أن يبلغوا سن الرشد ويلفظوا بالإسلام، وهذه الطائفة منهم ذكرها ابن حزم ((الفصل)) (4/191).
4- وآخر أقوال الخوارج في هذا المقام هو ما يذهب إليه الإباضية، فقد تولوا أطفال المسلمين وتوقفوا في أطفال المشركين فلم يحكموا لهم بنعيم أو جحيم، يقول قطب أئمتهم: "منا من توقف في أطفال المشركين، ومنا من يقول إنهم في الجنة" انظر: ((الإباضية بين الفرق)) (ص484).
ويقول ابن جميع منهم: "وولاية أطفال المسلمين، وأما أطفال المشركين والمنافقين فالوقوف فيهم" ((مقدمة التوحيد)) (ص11).
ويقول صاحب (كتاب الأديان): "قال أبو محمد أيده الله: اختلفت أصحابنا في أطفال المشركين والمنافقين على قولين: فقالت طائفة منهم: حكمهم في الدنيا والآخرة حكم آبائهم قياسا على حكم أولاد المؤمنين"
إلى أن يقول عن هذه الطائفة: "وقالوا: لما كان أطفال المؤمنين يتنعمون مع آبائهم بالاتفاق، ولم يعملوا عملا صالحا يجاوزون عليه، جاز أن يعذب أطفال المشركين والمنافقين بما لم يعملوا، ولله أن يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير. وقالت الفرقة الأخرى: أطفال المؤمنين ينعمون مع آبائهم"
ثم وقفت هذه الفرقة في أطفال غير المؤمنين قالوا: لأن الله سبحانه لم يتعبدنا بأن نعلم بأنهم في الجنة أو في النار، فلما كان القول فيهم مما يسع جهله، وكانت الأخبار الواردة فيهم مختلفة أحكامها في الظاهر، رأينا الاعتصام بالسكوت عن حكمهم ورأينا الوقوف أسلم في أمرهم".
ثم قال مؤلف هذا الكتاب: "وعلى هذا المذهب الأخير أدركنا أشياخنا رحمهم الله" ((الأديان والفرق)) (ص22 -24).
ويذكر الأشعري والشهرستاني أن كثيرا من الإباضية قد توقفوا في إيلام أطفال المشركين في الآخرة "فجوزوا أن يؤلمهم الله سبحانه في الآخرة على غير طريق الانتقام، وجوزوا أن يدخلهم الجنة تفضلا".
ولكن يختلف الشهرستاني معه في أسباب مجازاتهم بالنار، فالأشعري يذكر أنهم يقولون: إن الله يؤلمهم ولكن ليس على سبيل الانتقام ((المقالات)) (1/189، ((الملل والنحل)) (1/135). ، والشهرستاني يقول: إنه على سبيل الانتقام. وعلى كل حال فإن كان على طريق الانتقام فما ذنبهم حتى ينتقم الله منهم ؟! وإن كان على غير طريق الانتقام، فما الداعي لتعذيبهم بدون استحقاق منهم لذلك الانتقام ؟!
وهناك من الإباضية من يلحق أطفال المشركين بأطفال المؤمنين، فلا يتوقف فيهم، بل يقول إنهم من أهل الجنة وهو ما يقوله أطفيش في تعليقه على قول السالمي: "ولا نرى قتل الصغير من أهل قبلتنا ولا غيرهم". قال أبو إسحاق تعليقا على ذلك: "لأن حكم الأطفال أنهم من أهل الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((سألت الله في اللاهين فأعطيناهم خدما لأهل الجنة))، وهذا رد لقول الخوارج إن الأطفال تبع لآبائهم مستدلين على زعمهم بقوله تعالى في قوم نوح: وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا حملا للآية على قاعدتهم" نقلا عن ((الإباضية بين الفرق)) (ص479).
وإزاء اختلاف الخوارج في الحكم على أطفال مخالفيهم على هذا النحو، نحب أن نعقب ببيان رأي علماء السلف في قضية أطفال المؤمنين الذين يعتبرهم الخوارج مخالفين لهم، وكذلك أطفال المشركين.
أما أطفال المؤمنين فإن بعض أهل العلم يذهب إلى أن هؤلاء الأطفال إن كانوا كبارا وقد ماتوا على الإيمان؛ فإن الله تعالى يدخلهم الجنة مع آبائهم، وإن نقصت أعمالهم عنهم، لتقر أعين آبائهم بهم وإن كانوا صغارا فإنهم مع آبائهم في الجنة تفضلا من الله تعالى عليهم، دون أن ينقص دخولهم من عمل آبائهم شيئا انظر: ((التفسير القيم)) (ص451، ((فتح القدير)) (5/98، ((جامع البيان)) (27/25، ((الدر المنثور)) (6/119، ((حادي الأرواح)) (ص279،281).
وقد جزم الإمام أحمد بأنهم في الجنة باتفاق العلماء، يقول شمس الدين ابن القيم: "وأما أطفال المسلمين فقال الإمام أحمد: لا يختلف فيهم أحد، يعني أنهم في الجنة " ((طريق الهجرتين)) (ص387). ، وهناك من يخالف هذا الحكم على أطفال المؤمنين، ويرى أنهم تحت المشيئة، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله.
ويروي السيوطي عن عبدالله بن أحمد عن علي: قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمنين وأولادهم في الجنة؛ وإن المشركين وأولادهم في النار)) ((الدر المنثور)) (6/119) والحديث رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على ((المسند)) (1/134) (1131) قال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (3/642) منكر. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (7/217): فيه محمد بن عثمان ولم أعرفه ، وبقية رجاله رجال الصحيح.  
والحكم على أطفال المؤمنين بالجنة ينقض ما ذهب إليه نافع بن الأزرق ومن على رأيه من الحكم عليهم بدخول النار، وجدير بالذكر أن أطفال المؤمنين الذين نتحدث عنهم هنا هم الذين يعتبرهم ابن الأزرق ومن على رأيهم أطفال مشركين، فمخالفوهم في نظرهم مشركون، كما تقدم، وأما أطفال المشركين الذين عند أهل الحق عبدة الأوثان ومن في حكمهم؛ فإن العلماء قد اختلفوا فيهم اختلافا كثيرا حاصله:
1- التوقف في أمرهم، فلا يحكم لهم بجنة ولا نار، ويقولون فيهم: ((الله أعلم ما كانوا عاملين)) رواه البخاري (1358)، ومسلم (2658). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
2- أنهم في النار.
3- أنهم في الجنة.
4- أنهم في منزلة بين المنزلتين – أي بين الجنة والنار-، وهذا قول ضعيف، إذ أن الحياة الآخرة، إما أن يكون صاحبها في الجنة أو في النار، وقد دعاهم إلى هذا القول أنهم رأوا أن هؤلاء الأطفال ليس لهم إيمان فيدخلون به الجنة، وليس لآبائهم من الفوز ما يلحقهم بهم، وليس لهم أيضا أعمال يستحقون بها النار.
5- أنهم خدم أهل الجنة ومماليكهم.
6- أنهم تحت مشيئة الله تعالى، يحكم فيهم بما يريد، فيجوز أن يعذبهم، وأن يرحمهم، وأن يرحم بعضهم ويعذب بعضهم، ولكن هذا لا يقال إلا بدليل ينص على أحد الأمور، وهو رأي كثير من أهل البدع كالجبرية وغيرهم.
7- أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، أي تبعا لآبائهم "حتى ولو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهم لم يحكم لأفراطهما بالنار".
8- أنهم يمتحنون في عرصات القيامة بطاعة رسول الله إليهم، فمن أطاعه منهم دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فيكون بعضهم من أهل الجنة، وبعضهم من أهل النار.
وقد استعرض ابن القيم أدلة القائلين بهذه الآراء، وانتهى من نقدها إلى نصرة هذا الرأي الأخير، وقال: "وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها، وتتوافق الأحاديث، ويكون معلوم الله الذي أحال عليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))
وقد بسط ابن القيم القول في حكم الأطفال؛ وأورد هذه الآراء وناقشها في كتابه (طريق الهجرتين) ((طريق الهجرتين)) (ص387 -396).
وقد أيد ابن حزم القول بأن أطفال المشركين في الجنة، وأكثر من الاحتجاج عليه والرد على من يقول بغير ذلك، ورد على الأزارقة في كل ما احتجوا به لرأيهم، وبين أن تلك الحجج كلها غير صحيحة، أما الآية: فذكر أن نوحا لم يقل ذلك على جميع الكفار، بل عن كفار قومه الذين أخبره الله عنهم بقوله تعالى: أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ [هود: 36] ، وعندها أيقن بأن بقاءهم لا فائدة وراءه للإيمان، فدعى عليهم بخصوصهم، لما علم بنهاية أمرهم، وأجاب عن حديث خديجة بأنه "ساقط مطرح لم يروه قط من فيه خير"، وعن حديث الوائدة بأن تلك المؤودة كانت قد بلغت الحنث بخلاف قول من أخبره بأنها لم تبلغ الحنث، فقال هذا إنكارا لقولهما، وتمام الحديث: عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: ((أتيت أنا وأخي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا له: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف، وتصل الرحم، فهل ينفعها من عملها ذلك شيء؟ قال: لا، قلنا: فإن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤودة والوائدة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم)) رواه أحمد (3/478) (15965)، والطبراني (7/40). قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (18/119): صحيح من جهة الإسناد. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (1/123): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح والطبراني في الكبير بنحوه. وقال الألباني في ((صحيح الجامع)) (7143): صحيح. انظر: ((الفصل)) (4/74).   
وقد قال كثير من المفسرين بما أورده ابن حزم من تخصيص نوح بالدعاء على كفار قومه فقط انظر: ((الدر المنثور)) (6/270، ((فتح القدير)) (5/301). ، وأما حديث خديجة فقد ذكر ابن القيم أنه معلوم من وجهين:
1- أحدهما أن محمد بن عثمان أحد رواة الحديث مجهول.
2- أن زاذان الراوي للحديث عن علي لم يدركه.
وأما حديث خديجة وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن شئت أسمعتك تضاغيهم)) – فقد حكم عليه بأنه حديث باطل موضوع.
وقد قال عن حديث الوائدة: "وكونها مؤودة لا يمنع من دخولها النار بسبب آخر"، وذكر أن أحسن ما يقال فيه: إن المؤودة "في النار ما لم يوجد سبب يمنع من دخولها النار" ((طريق الهجرتين)) (ص395).
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يرى التوقف في أطفال المشركين، وقال بأن أصح الأوجه فيهم جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في (الصحيحين) عنه أنه قال: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة" الحديث. قيل: يا رسول الله، أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ قال: أعلم بما كانوا عاملين)) رواه البخاري (1358)، ومسلم (2658). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، فلا يحكم على معين منهم لا بجنة ولا نار، ويرى أنهم يوم القيامة، يمتحنون في عرصات القيامة، فمن أطاع الله حينئذ دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، ودلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار ((الفتاوى الكبرى)) (2/178).
بل لقد جزم الإمام النووي بأن أطفال الكفار في الجنة إذا ماتوا قبل البلوغ ((شرح النووي)) (12/50). ، واختار هذا الرأي دون القول بدخولهم النار، أو بالتوقف في شأنهم، ويذكر البعلي الحنبلي أن أصحاب أحمد قد اختلفوا في الأطفال، فبعضهم قال: يعذبون تبعا لآبائهم، وبعضهم قال: يدخلون الجنة، ويذكر أن "أكثر نصوص أحمد الوقف، ولا يحكم بجنة ولا بنار" ((مختصر الفتاوى)) (1/255).
وغاية القول أن أطفال المشركين الحقيقيين، سواء في نظر المسلمين أو في نظر الأزارقة ومن معهم – غاية القول في شأنهم التوقف في الحكم عليهم، فلا يصح حكم الخوارج عليهم بدخول النار.
أما مسألة جواز قتل الأطفال ومن في حكمهم من العجزة كالنساء، فقد أخطأت الأزارقة فيه حين زعموا جواز ذلك، سواء كانوا من المسلمين أو من المشركين، فقد وردت أحاديث صحيحة تمنع من قتلهم، إلا أن يكون ذلك في بيات لا يتميز فيه الأطفال والنساء، فلا بأس حينئذ في قتلهم إذا وقع دون عمد، فيكونون كآبائهم في حكم قتلهم وإهدار دمائهم.
ومن الأدلة على هذا ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: ((وجدت امرأة مقتولة في بعض تلك المغازي، فنهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان)) رواه البخاري (3015)، ومسلم (1744).
وكذا حديث الصعب بن جثامة قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: ((هم منهم)) رواه البخاري (3012)، ومسلم (1745).
قال النووي بعد إيراد حديث ابن عمر: "أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان، إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا، قال جماهير العلماء: يقتلون" ((شرح النووي)) (12/48).
وقال ابن حجر في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((هم منهم)): "أي في الحكم في تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطأ الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم" ((فتح الباري)) (6/147). الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص514

انظر أيضا: