trial

موسوعة الفرق

ب- موقفهم من بعض كبار الصحابة


يعتقد الخوارج تكفير بعض الصحابة رضي الله عنهم مع أن بعضهم من المشهود لهم بالجنة، ولكن الخوارج حسب اعتقادهم المعكوس فهم يرون أنهم قد كفروا ببعض الذنوب التي اقترفوها مع أنها كانت في الحقيقة لم تكن ذنوبا أو كانت ناتجة عن اجتهاد كما سيتضح لنا ذلك فيما بعد، نقول هذا عنهم ونحن نقطع بأنه لا عصمة لبشر عن الذنوب بعد الأنبياء.
وأول من اشتد الخوارج في تكفيرهم من الصحابة – بعد عثمان وعلي رضي الله عنهما – معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وأهل التحكيم ومن رضي بهم من غيرهم، قال الأشعري: "ويكفرون معاوية وعمر بن العاص وأبا موسى الأشعري" ((المقالات)) (1/204). .
وقد وقفوا موقف العداء المستحكم من معاوية وعمرو بن العاص فكفروهما، ووصفوهما بكل صفة سوء ونفوا عنهما كل خير، بل وأثبتوا لهما النار، كما يقول الورجلاني: "وأما معاوية ووزيره عمرو بن العاص فهما على ضلالة لانتحالهما ما ليس لهما بحال، ومن حارب المهاجرين والأنصار فرقت بينهما الدار وصار من أهل النار ((الدليل لأهل العقول)) (ص28). ، ولا يستبعد منهم أن يقفوا هذا الموقف، بل وأشد منه ما داموا قد وقفوا ممن هو خير منهما ذلك الموقف المشين..
وقد وصف زعيم الإباضية عن عبدالله بن إباض معاوية بن أبي سفيان – كما جاء في كتابه إلى عبدالملك – بعدة صفات يزعم فيها أن الرجل يكفر بأقل منها، فقد جاء في ذلك الكتاب قوله: "فلا تسأل عن معاوية ولا عن عمله ولا صنيعه، غير أنا قد أدركناه ورأينا عمله وسيرته في الناس، ولا نعلم من الناس شيئا لأحد أترك من الغنيمة التي قسم الله، ولا يحكم بحكم حكمه الله، ولا أسفك لدم حرام منه، فلو لم يصب من الدماء إلا دم ابن سمية لكان في ذلك ما يكفره".
ثم قال مبينا رأي الإباضية في عثمان ومعاوية ويزيد جميعا: "فإنا نشهد الله وملائكته أنا براء منهم وأعداء لهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عند الله" ((كشف الغمة)) (ص295). .
وفي كل ما تقدم مخالفة صريحة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه))   رواه البخاري (3673)، ومسلم (2541). من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ؛ مما يقتضي عفة لسان المسلم عن أن يخوض في أعراض هؤلاء الصحابة على هذا النحو الشائن، فضلا عن مخالفتهم لما ورد في معاوية وعمرو بن العاص من ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم، بل يجب أن نكل أمرهما إلى الله في ما اجتهدا فيه من أمر.
أما موقف الخوارج من الحسن رضي الله عنه فإنه هو نفس موقفهم من أبيه، فالمراجع لكتاب (كشف الغمة) يجد المؤلف يكيل الافتراءات ويغمز فيه بما لا يصح؛ فيذكر أن الحسن لما تولى الخلافة خدعه معاوية كما خدع أباه من قبل بما حمل إليه من أوقار الذهب ومناه بالخلافة بعده، وأنه ترك ما كان يطلب بالأمس من كتاب الله وسنة نبيه وقتال الفئة الباغية، وأن أهل النخيلة اجتمعوا لحرب معاوية ولكنه وبمساعدة أهل الكوفة والحسن قتلوهم، مع أن المؤرخين يذكرون أن الحسن امتنع عن تولي محاربتهم وقال لمعاوية: لو كنت أريد قتال أحد من أهل القبلة لبدأت بك، ولكن تركتها حقنا للدماء.
فمن أين لمؤلف (كشف الغمة) أن الحسن تولى قتال أهل النخيلة ؟! ثم يوالي افتراءه الذي يدل على عدم احترامه للسلف الصالح فيلمز الحسن بأنه باع آخرته بدنياه، وحرض أصحابه على الدخول في طاعة معاوية، وأن ابن عباس غضب عليه غضبا شديدا وقال له: إنكم لأحقر أهل بيت من العرب ثم شبههم ببني إسرائيل وجبنهم حين أبوا ملاقاة عدوهم فضربهم الله بالتيه راجع ((كشف الغمة)) (ص289). .
وفي كتاب (الكفاية): "فإن قال: ما تقولون في الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب؟ قلنا: إنهما في البراءة، فإن قال: من أين أوجبتم عليهما البراءة وهما ابنا فاطمة بنت رسول الله؟ قلنا: أوجبنا عليهما البراءة بولايتهما لأبيهما على ظلمه وغشمه وجوره، وبقتلهما عبدالرحمن بن ملجم رحمه الله، وتسليمهما الإمامة لمعاوية بن أبي سفيان، وليس قرابتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمغنية عنهما شيئا؛ لأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قال في بعض ما يوصي به قرابته: ((يا فاطمة بنت رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله، ويا بني هاشم؛ اعملوا لما بعد الموت)) انظر: ((كشف الغمة)) (ص288-289، وكذا (ص305). .
هذا ما حكاه المؤلف عن كتاب (الكفاية)، أما هو فيقول: "ثم إن الحسن بن علي ولي أمر أبيه من بعده، فباع دينه وأمر ربه بأواق من الذهب والفضة" ((كشف الغمة)) (ص302). . فإذا كان قصد الحسن جمع الذهب والفضة – كما يزعم مؤلف كشف الغمة – فمما لا شك فيه أن توليه الخلافة هو الأفضل لجمعهما لا التنازل عنها، ولم يعلم صاحب (كشف الغمة) أن تنازل الحسن كان تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: ((ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)) رواه البخاري (2704). من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. ، وقد وقع كما قال عليه السلام، فلم يفسر صاحب (كشف الغمة) تنازل الحسن إلا لانخداعه برؤية بريق أواقي الذهب والفضة.
وما قاله عن الحسن فإنه رد عليه، فلقد كان الحسن رضي الله عنه ذا خلق فاضل ودين وورع، لا يهمه شرف الخلافة ولا العلو في الأرض، فقد فضل أن تحقن دماء المسلمين وينعم الناس بالأمن والهدوء، ولو كان ذلك على هضم حقه في الخلافة بعد أن تمت له البيعة بها، فقد كان رضي الله عنه لا يوازن بين مصلحته ومصلحة المسلمين بل يقدم مصلحة المسلمين ويبقى مصلحته ذخرا عند الله؛ لينال ثوابها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أما موقف غلاة الإباضية من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام فهو لا يقل عن موقفهم من علي وعثمان فهما عندهم في منزلة البراءة والبعد، وينسبون هذا الموقف الخاطئ إلى جميع المسلمين، كما جاء في كتاب (الكفاية)، "فإن قال قائل: فما تقولون في طلحة والزبير بن العوام؟ قلنا: إنهما عند المسلمين بمنزلة البراءة" ((كشف الغمة)) (ص304). .
ويوضح الورجلاني أيضا موقف الإباضية منهما بأنهما ممن أوجب الله لهما النار وحرم عليهما الجنة بعكس ما نطق به من لا ينطق عن الهوى، فقد بشرهما الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة وهم يبشرونهما بالنار !! – يقول الورجلاني: "وأما علي بن أبي طالب فإن ولايته حق عند الله تعالى – يعني به قبل التحكيم – وكانت على أيدي الصحابة وبقية الشورى، ثم قاتل طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين فقتاله حق عند الله لشقهم العصا عصا الأمة، ونكثهم الصفقة، فسفكوا الدماء وأظهروا الفساد، فحل لعلي قتالهم وحرم الله عليهم الجنة، فكانت عاقبتهما إلى النار والبوار" ((الدليل لأهل العقول)) (ص28).
فسبحان الله العظيم! ما أجرأ أهل الزيغ على شتم الصحابة الأخيار الذين نصروا الإسلام بأنفسهم وأموالهم وكانوا من جنوده البواسل في ساعة العسرة، قبل أن يوجد آباء وأجداد هؤلاء المعتدون الذين ينتقصونهم ويحكمون عليهم بالنار، لقد كان طلحة والزبير رضي الله عنهما من خيار الصحابة ومن المشهود لهم بالجنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولهم مواقف مشرفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كانت في السلم أو في الحرب من طاعة وتضحية وإقدام في مجاهدة الكفار، وما أحرى بالمسلم أن يترك تنطع الخوارج والشيعة في موقفهم من الصحابة، فإنه لا يقف موقفهم أحد فيسلم إلا أن يتداركه الله برحمته ويلهمه التوبة.
يجب علينا أن نحسن الظن بالصحابة وأن نعتبر ما جرى بينهم من فتن لأمور وحكم أرادها الله، ونكل أمرهم فيها إلى الله ولا نقول فيهم إلا خيرا ونترحم عليهم وهم سلفنا وخيارنا رضي الله عنهم أجمعين.الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص476


انظر أيضا: