trial

موسوعة الفرق

1- موقفهم من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم


لا يعترف الخوارج بالإمامة الكاملة لأحد من الصحابة إلا بإمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إمامة شرعية لا شك في صحتها ولا ريب في شرعيتها، وأنها كانت برضى المؤمنين ورغبتهم، وقد سارا على الطريق المستقيم الذي أمر الله به لم يغيرا ولم يبدلا حتى توفاهما الله على ما يرضي الله من العمل الصالح والنصح للرعية، وهذا حق، فلقد كانا رضي الله عنهما كذلك لا يشك في ذلك إلا هالك، ولقد كان موقف الخوارج إزاءهما موفقا.
ثم بعد وفاتهما انتخبت الأمة خليفتين آخرين هلك فيهما الخوارج وخرجوا عن الحق والصواب في تقديرهم لهما ولم يوفقوا في القول فيهما وأكثروا من الافتراءات الكاذبة عليهما، ووصفوهما بما كرمهما الله عنه وقد بلغ بعضهم في بغضهم إلى المغالاة التي تؤدي إلى الكفر الصريح، وفي هذا يقول الأشعري: "والخوارج بأسرها يثبتون إمامة أبي بكر وعمر، وينكرون إمامة عثمان - رضوان الله عليهم - في وقت الأحداث التي نقم عليه من أجلها، ويقولون بإمامة علي قبل أن يحكم وينكرون إمامته لما أجاب إلى التحكيم" ((المقالات)) (1/204). .
ويقول ج. ج لوريمر: "وقد وافقوا السنة في اعتبار أبي بكر وعمر من الخلفاء المنتخبين، وبالتالي فهما جديران بالاحترام، ولكنهم اختلفوا مع السنة والشيعة في رفضهم لباقي الخلفاء واعتبارهم مغتصبين" ((دليل الخليج)) (6/3404). .
بل يذكر الجيلاني أن الخوارج أنكرت إمامة علي مطلقا ((الغنية)) (1/77). ، - كما قال الطالبي في اعتذاره عن مبالغة الجيلاني هذه.
أما فيما يتعلق بموقفهم من عثمان رضي الله عنه – وهو موقف كما قلنا في غاية الخطأ والبعد عن الحق – فنحن لا نذكره عنهم افتراء بل ننقله من كتبهم، ومن أهمها كتاب (كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة)؛ فإن قارئه يحس أنه أمام خصم عنيد لا يتورع عن اتهام خصمه وإقامة الحجة عليه بأي قول كان، وسنورد من أقواله ما يبين صحة ما قدمنا.
فمنها قوله يصفه بأنه أشد فتنة من الدجال وذلك حسب روايته التي اختلقها على لسان ابن مسعود رضي الله عنه فيقول: "وبلغنا أنه – يعني ابن مسعود – ذكره أي ذكر عثمان – حديثا قال النبي صلى الله عليه وسلم لقوم وفيهم عثمان وعبدالله وكانوا يتذاكرون الدجال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيكم من هو أشد على أمتي من الدجال وأعظم فتنة. فقال ابن مسعود: أفلان يا رسول الله؟ قال: أفلان؟ قال: لا، حتى استكملهم ولم يبق إلا هو وعثمان، وفي كلهم يقول النبي: لا، قال ابن مسعود لعثمان: أما هذا فهذا آخر أيامي من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة وأنت صاحبها يا عثمان)) ((كشف الغمة)) (ص268). . فهذه روايته عن ابن مسعود المفتراة التي يكذبها شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بالجنة، ويكذبها حب الرسول له وتاريخه في نصرة الإسلام.
أما روايته عن عائشة فيقول فيها: "وقالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت شيخا أقر على نفسه بمثل ما أقر عثمان، وخرجت بمصحف كان معها وقالت أشهد بالله بأن عثمان كفر بما في هذا المصحف". فهل تشهد عليه بالكفر المستوجب للنار في مقابلة شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالجنة وثنائه عليه في كثير من المناسبات؟!
ثم ينقل بعد ذلك الأقوال قولا للمقداد بن الأسود يحذر فيه الصحابة من تولية عثمان لأنه لم يشهد بيعة الرضوان وفر يوم أحد فقال: (وأقبل المقداد بن الأسود الكندي فناشدهم الله وقال: لا تولوا أمركم رجلا لم يشهد بيعة الرضوان وفر يوم الأحد هكذا النص. – يعني عثمان بن عفان). فهل يعقل أن يقف الصحابي الجليل من صحابي مثله هذا الموقف وهو يعرف قدره ومنزلته بين المسلمين؟! وهل يعيره بعدم حضوره بيعة الرضوان وقد بايع بيعة غبطه عليها جميع المسلمين؛ فقد بايع عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ضرب بيمينه على شماله وقال: ((هذه لعثمان)) رواه البخاري (3698), من حديث عبد الله بن عمر. ؟! وقد كان غياب عثمان في أنبل وأشرف مهمة وهي الوساطة للصلح بين الرسول وقريش، وأما فراره يوم أحد فما كان ليعيره بما عفى الله عنه وهو يتلوه في كل حين.
ثم يلمزه المؤلف باللقب الذي سماه به خصومه نعثل، ويضيف هذا اللقب إلى المسلمين عموما، وهو اللقب الذي كان يكرهه عثمان ويتبرأ منه، فقال المؤلف: "ولقبه المسلمون نعثلا حين أحدث الأحداث".
وقد افترى عليه فزعم أنه عطل الحدود واستعمل السفهاء من قرابته وحرق كتاب الله، وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو من أفسد أهل زمانه –على الكوفة، وارتقى المنبر في موضع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إلى أن يقول: "وتجبر وتكبر فقيل: إنه كان يمر بخيلائه وجنوده على بيت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فتخرج قميص رسول الله فتقول: يا عثمان هذه برد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تبل وسنته قد بليت، فيقول لها: اسكتي يا حميراء وإلا سلطت عليك من لا يرحمك" !! إلى آخر ما قاله من سباب وفحش يطول نقله نثرا ونظما.
وهذه الافتراءات لا تقل عن افترائه على علي بن أبي طالب بأنه كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض الناس وعليه سلاحه ومثله طلحة بن عبيد الله، ورد على الذين يقولون بأن علي بن أبي طالب غير راض بقتله بأنهم على خطأ.
وجاء في كتاب (الكفاية) قوله: "فإن قال: ما قولكم في عثمان بن عفان؟ قلنا له: في منزلة البراءة عند المسلمين". ثم أورد كلاما فارغا واحتجاجا محجوجا على أن عثمان يستحق أن يكون في منزلة البراءة عندهم انظر لمزيد التفصيل: كتاب ((كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة)) (ص265 – 304). .
ومثل ما تقدم في (كشف الغمة) نجده في (كتاب الأديان) إلا أنه زاد عليه فذكر موقف الأمة تجاه قتله، وأنهم انقسموا فيه إلى ثلاث فرق: فرقة قتلته، وفرقة وقفت عنه، وفرقة طالبت بدمه.
ثم يبين موقف هذه الفرق بقوله المفترى: "فالفرقة القاتلة له فعلي بن أبي طالب وأصحابه من أهل المدينة والمهاجرون والأنصار". وهذا كلام ظاهر الافتراء إذ أن القاتلين له هم أهل الأهواء الذين جاؤوا من مصر والعراق واجتمعوا في المدينة وغلبوا أهلها على أمرهم وأخافوهم خوفا شديدا وكانت لهم السيطرة الفعلية فيها حتى تولى الإمام علي.
ويذكر أن "الفرقة الواقفة عند سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر ومحمد ابن مسلمة وأسامة بن زيد، والفرقة الطالبة بدمه فطلحة بن عبدالله والزبير بن العوام بن أبي سفيان".
وبعد هذا البيان للأشخاص سمى كل فرقة باسم مختلق يناسب ميول الخوارج تجاه عثمان فيقول: "فسميت الفرقة الأولى وهي القاتلة أهل الاستقامة، والفرقة الواقفة الشكاك، والفرقة الطالبة بدمه العثمانية" قطعة من ((كتاب الأديان)) (ص26 – 27).
وكما تقدم نجد مثله عند الورجلاني انظر: كتاب ((الدليل لأهل العقول)) للوارجلاني (ص27، 28). لترى موقفهم من خلفاء المسلمين الراشدين الذين توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، الذين اتبعوه في ساعة العسرة والذين لو أنفق أحد ممن بعدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وقد وصفوا عثمان رضي الله عنه بأوصاف يخيل فيها للسامع أنه أمام إمبراطور عنيد لم يدخل الإسلام قرارة نفسه، ولقد ردوا قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:10]، فاعتبروا خيرة السلف الذين قام الإسلام بفضل الله ثم بجهادهم في منزلة البراءة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد جاء في كتاب عبدالله بن إباض ذكْرٌ تٌهَمٍ كثيرة وجهها إلى عثمان ثم قال بعدها: "فلو أردنا أن نخبرك بكثير من مظالم عثمان لم نحصها إلا ما شاء الله، وكل ما عددت لك بعمل عثمان يكفر الرجل أن يعمل ببعض هذا، وكان من عمل عثمان أنه لم يحكم بما أنزل الله وخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتين الصالحين أبي بكر وعمر" انظر: ((كشف الغمة)) (ص289 – 295)، وانظر: ((الدليل لأهل العقول)) (ص27 ،28). . فهل يتصور أن يترك عثمان الحكم بما أنزل الله ويحكم رسول الله بغيره ؟! ولماذا لم يبين ابن إباض بأي قانون حكم إن كان ما زعمه صحيحا ؟!
ولولا إرادة إثبات موقف الخوارج عموما والغلاة من الإباضية خصوصا من عثمان لما كان هناك ما يدعو إلى ذكر تلك المفتريات الكاذبة.
والواقع أن موقف الخوارج من عثمان موقف خاطئ، فعثمان رضي الله عنه كان من السابقين الأولين إلى الإسلام الذين مدحهم الله في كتابه، وأثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الذين جاهدوا مع رسول الله في غزواته لإعلاء كلمة الله، وكان على غاية من الكرم والإحسان، وقد زوجه الرسول صلى الله عليه وسلم بابنتيه، وأهم من هذا كله فقد شهد له الرسول بالجنة وبشره بها وهو حي يمشي على الأرض، وله مناقب عديدة مشهورة ولا يقع فيه بالذم أو التنقيص إلا من سفه نفسه وهو أشهر من أن يمدح، ولقد صدق عليه قول الشاعر:


وإذا أتتك مذمتي من ناقص





 فهي الشهادة لي بأني كامل

ولقد امتحن الله هؤلاء الناقصين بذمه؛ لهوانم عليه لما في قلوبهم من الجفاء والغلظة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما فيما يتعلق بموقف الخوارج من الإمام علي رضي الله عنه فقد اعترفوا بأنه خليفة شرعي إلى أن حكم ومن هنا خرج عن الصراط المستقيم في نظرهم، ولم يعد خليفة للمسلمين، ولا سمع ولا طاعة له على أحد، لأنه حكم البشر في كتاب الله فكفر- كما زعموا -.
وكما كان عثمان في منزلة البراءة عندهم كان علي مثله أيضا في منزلة البراءة كما ذكر صاحب كتاب (كشف الغمة) تحت عنوان: "فصل من كتاب (الكفاية) – قوله: "فإن قال: ما تقولون في علي بن أبي طالب؟ قلنا له: إن عليا مع المسلمين في منزلة البراءة". ثم ذكر الأسباب التي توجب البراءة منه، وهي تركه حرب معاوية والتحكيم وقتاله أهل النهروان.
ويزعم أنه كان يضع الأحاديث لمصلحته، وذلك حين يورد المحاورة الآتية بين علي وابن عباس وما نتج عنها بقوله: "ثم إن عليا ندم على قتل أهل النهروان وقال لابن عباس: ما صنعنا؟ قتلنا خيارنا وقرءانا، وأظهر للناس الندامة فأتوه وقالوا: كأنهم يحاجونه: أمرتنا بقتلهم ثم تندم، فإنك مقتول، ففزع من هذا فأخذ في تسكين أصحابه بالكذب فقال: لولا أن تنظروا هكذا النص ولعله "تبطروا". لأحدثكم بما جعل لكم من المخرج على لسان نبيه؛ إذ قال: "سيخرج من بعدي قوم صعاب شبابهم قصارى شأنهم يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية". فالمؤلف يزعم أن هذا الحديث – وهو من أحاديث المروق الصحيحة – يزعم أنه من وضع علي بن أبي طالب إرضاء للعامة.
وما جرأه على هذا الافتراء إلا سوء معتقده وعدم معرفته بقدر الصحابة وورعهم، فيظن أنهم يتقولون على رسول الله لمصلحتهم الشخصية وحاشاهم من ذلك.
وكذا قوله: "وإن عليا قال: إن في قتلاهم – يعني أهل النهروان – شيطانا وهو يعني به الورع الناسك" – يشير إلى ذي الثدية، حيث قال بعد أسطر: "فلما تذكر من ثدي الرجل ذكره قال له ابنه: يا أبت ذلك مولا هكذا النص. تأمله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اسكت يا بني، إن الجواب خدعة، ففتح لأصحابه أبواب الكذب فاتخذوها خلقا" !!
فهل يعتقد مسلم يعرف قدر الصحابة أن عليا سيبلغ إلى هذا الحد الذي لا يجرؤ عليه إلا من قل حظه من الدين ولا يبالي بالكذب ووضع الأحاديث ؟!
ولكن نجد إماما آخر من أئمتهم هو العيزابي الإباضي يأتي بحديث المروق فلا يتجاسر على نسبته إلى علي بأنه وضعه ويرى أن الحديث ثابت، ولكنه يرد معناه إلى الصفرية وأنهم هم المعنيون به ((وفاء الضمانة)) (3/23). ويقول الورجلاني "وأما علي فقد حكم بأن من حكم فهو كافر ثم رجع على عقبيه وقال: من لم يرض بالحكومة كافر، فقاتل من رضي الحكومة وقتله، وقاتل من أنكر الحكومة وقتله، وقتل أربعة آلاف أواب من أصحابه واعتذر، فقال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم، فقد قال الله عز وجل فيمن قتل مؤمنا واحدا: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا إلى قوله: عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93] ، فحرمه الله من سوء بخته الحرمين وعوضه دار الفتنة العراقين، فسلم أهل الشرك من بأسه وتورط في أهل الإسلام بنفسه" ((الدليل لأهل العقول)) (ص28). .
وقد اشتهر عن الخوارج تكفيرهم لعلي رضي الله عنه وأنهم مجمعون على كفره هو وعثمان وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية وعمرو بن العاص وأهل التحكيم انظر: ((رسالة الدبسي)) (ص13) وانظر: ((المقالات)) (1/204)، ((الملل والنحل)) (1/115، و((الفرق بين الفرق)) (ص73، و((التنبيه والرد)) (ص53). .
ويقول ج. ج لوريمر عن موقف الإباضية وأنهم يكفرون عليا كما قلنا وإن هذا الموقف قد سجله عليهم حتى علماء هذا العصر – يقول لوريمر عن جماعة المطاوعة منهم: "ويعتقد المطوعون أن الخليفة عليا لم يكن مسلما على الإطلاق بل كان كافرا" ((دليل الخليج)) (6/3406). . ويقصد لوريمر بالمطوعين فرقة من الإباضية في عمان في غاية التشدد في أمور الدين وذكر بعض الأمثلة على ذلك، وقد كان لهؤلاء المطوعين دور هام في توجيه سياسة الحكام في عمان.
بل لقد بلغت الجرأة بحفص بن أبي المقدام – زعيم الحفصية من الإباضية – أن يتأول آيات القرآن بما يتفق مع بغضهم للإمام علي رضي الله عنه وما يلصقونه به من تهم فيزعم – وهو كاذب في هذا، مفتر على الله غير الحق – أن قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا [الأنعام:71] – أن الحيران هو علي بن أبي طالب، وأن الأصحاب الذين يدعون إلى الهدى هم أهل النهروان، وقد قال بقول نافع في زعمه أن الآية: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، والآية: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ أنهما نزلتا في علي وابن ملجم انظر: ((المقالات)) (1/183، 184) ((الفرق بين الفرق)) (ص104). كما سيأتي بيانهما في الرد على نافع.
ومن الغريب أن ابن أبي الحديد الشيعي يذكر فيما يحكيه عن أبي جعفر – من شيوخه – أن معاوية هو الذي أغرى سمرة بن جندب حتى يقول بأن نزول هاتين الآيتين كان في علي وابن ملجم، وهذا بعيد كل البعد أن يتدنى الصحابة إلى هذا السخف، وهو ما يثبته ابن أبي الحديد بقوله: "قال أبو جعفر: وقد روي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم، حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ إلى وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ [البقرة: 204، 205]، وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهو قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ [البقرة: 207] ، فلم يقبل فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروي ذلك" ((شرح نهج البلاغة)) (4/73). .
وكلا القولين: أي قول حفص وقول أبي جعفر باطل، بل هو من أشنع الأباطيل وأكذب الكذب.
ومع هذا فلابد أن نذكر أنه قد اعتدل فريق من الإباضية في حق الإمام علي رضي الله عنه، وأورد شواهد في فضائله وأن الذين يسبونه ويشتمونه هم الصفرية لا الإباضية فقد أورد مؤلف كتاب (وفاء الضمانة بأداء الأمانة) الحديث الآتي:
"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سب الأنبياء قتل، ومن سب أصحابي جلد، ومن سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله)) رواه الطبراني في ((الصغير)) (1/393) بدون: (ومن سب عليا..). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (6/260): رواه الطبراني في ((الصغير)) و((الأوسط)) عن شيخه عبيدالله بن محمد العمرى رماه النسائي بالكذب. وقال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (206): موضوع. ((دليل الخليج)) (6/3406). ، ثم قال: "أشار إلى الصفرية الذين يحكمون بشركه لقتله أهل النهر كما قال صلى الله عليه وسلم له: ((تهلك فيك طائفتان مفرطة – يعني الصفرية -، وغالية - يعني الروافض-))، وكان لعلي من يبغضه ويشتمه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حسدا بما لا يستحق الشتم به، وليس من الشتم أن يقال: استحق كذا بفعله كذا فإن ذلك لحكم الله وقياما بالحق" ((وفاء الضمانة بأداء الأمانة)) (3/22). .
وقد أورد علي يحيى معمر فصلا طويلا بين فيه اعتقاد الإباضية في الصحابة بأنهم يقدرونهم حق قدرهم ويترضون عنهم ويرون السكوت عما جرى بينهم، وأنهم لا يبغضون الإمام عليا ولا ينقصونه قدره، ومن هذه النقول ما قاله عن أبي إسحاق أطفيش في رده على الأستاذ محمد بن عقيل العلوي أنه قال له: "أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاف" نقلا عن ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص283). .
ثم قال: "ولم يكن يوما من الأصحاب شتم له أو طعن، اللهم إلا من بغض الغلاة، وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب" ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص286). .
ويقول عن الثعاريتي أنه كان يقول: "وكيف يجوز لمن يؤمن بالحي الذي لا ينام أن يكفر صهر نبيه عليه السلام الذي لم يسجد قط للأصنام" ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص289). .
ويقول البدر الثلاثي من أبيات في ديوانه:


بنت الرسول زوجها وابناها





 أهل لبيت قد فشى سناه


 رضى الإله يطلب الثلاثي


 


 لهم جميعا ولمن عناها

وكذا ما قاله أيضا أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي الإباضي من أبيات قال فيها:


وعلى الهادي صلاة نشرها




عنبر ما خب ساع ورمل


وسلام يتوالى وعلى




آله والصحب ما الغيث هطل


سيما الصديق والفاروق والجامع




القرآن والشهر البطل ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص287).

وقد وردت عن الإباضية أقوال كثيرة في مدح الصحابة عموما، وأنهم لا يختلفون في موالاتهم ولكنهم يرون أنه" لا غبار على من صرح بخطأ المخطئ منهم بدون الشتم والثلب بعد التثبت من ذلك والتبين، وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن" ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص283). . كما قاله أبو إسحاق أطفيش.
ولعل كلمة أبي إسحاق هذه تصلح عذرا عن الإباضية بأن المبغضين لعلي منهم إنما هم الغلاة منهم، وأما أكثريتهم فتقول بموالاته، ويكون اعتبار المبغضين له شواذا، وهذا ما يقرب بينهم وبين السلف.
أما الشخصية الهامة في الخوارج فهو نافع بن الأزرق، فإنه لم يختلف عن بقية الخوارج في غلوه في بغض الإمام علي حيث زعم أن الله تعالى أنزل فيه آية تتلى إلى يوم القيامة تصفه بأقبح الصفات من نفاق وعداوة للإسلام، حين زعم أن الله تعالى أنزل في شأنه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة: 204] ، وفي المقابل أشقى خلق الله يصفه بأن الله أنزل فيه وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة: 207] , انظر: ((مقالات الإسلاميين)) (1/170), ((الملل والنحل)) (1/120). ، وهذا لا يشك مسلم أنه محض افتراء على الله لا يصدقه عاقل.
أولاً لما عرف عن علي من فضائل وأعلاها حب الله ورسوله، وثانيا أن الله أنزل القرآن منجما على حسب الحوادث وقد عرف أهل العلم سبب نزول كل آية، فهل حادثة علي وعبدالرحمن بن ملجم وقعت في حياة الرسول حتى يمكن القول بأنها نزلت فيها ؟!
وأهل التفسير يذكرون أن سبب نزول الآية الأولى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ إلخ الآية الكريمة كانت في الأخنس بن شريق على أحد الأقوال، وأما الآية الثانية هنا وهي قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ؛ فقد نزلت في صهيب حين هاجر إلى مكة على أحد الأقوال ((تاريخ الطبري)) (6/217). ، فلم يكن سبب النزول هو ما يراه نافع، ولكن البغض والجهل يخرج المرء عن الحقيقة، فقد كانوا في غاية البغض لعلي رضي الله عنه كما قال عمران بن حطان مفتيهم وشاعرهم الأكبر في ابن ملجم:


يا ضربة من تقى ما أراد بها





 إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا



 أني لأذكره يوما فأحسبه


 


 أوفى البرية عند الله ميزانا

ومثل نافع صالح بن مسرح، فقد جاء في كتابه قوله مبينا رأيه في عثمان وعلي معا رضي الله عنهما: "وولي المسلمين من بعده – يعني بعد عمر- عثمان، فاستأثر بالفيء وعطل الحدود وجار في الحكم، واستذل المؤمن وعزز المجرم فثار إليه المسلمون فقتلوه، فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين، وولي أمر الناس من بعده علي بن أبي طالب فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال وشك في أهل الضلال وركن وأدهن، فنحن من علي وأشياعه براء" ((تاريخ الطبري)) (6/217). .
وما قلناه من الدفاع عن عثمان سابقا نقوله عن علي رضي الله عنه، وما قيل فيه من ذم فإنه من مزاعم المفتري عليه وهي أكذب من أن يصدقها أو يهتم بردها أحد، وما ظنك بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره ومن تربى على يديه وفي بيت النبوة، ومن شهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم مشاهده واشتهر فيها بأنه الشجاع المقدام؟!
لقد أسلم رضي الله عنه مبكرا فلم تلحقه تلك الاعتقادات الجاهلية، وقد زوجه الرسول صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة أم الحسن والحسين رضي الله عنهما، وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وما نسب إليه من رضاه بقتل عثمان، أو إدهانه في تحكيم كتاب الله، فهذا كذب محض وافتراء من حاقد جاهل، وهو بريء من هذه الأكاذيب، ولو رجع هؤلاء لعقولهم وحكموها لكانت رادعة لهم عن تنقصه، زاجرة لهم عن شتمه، فضلا عن رجوعهم إلى النصوص الشرعية.الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص464


انظر أيضا: