trial

موسوعة الفرق

المطلب الثالث: شروط الإمام


يشترط الخوارج في من يرتضونه إماماً أن تتوفر فيه عدة صفات تجعله جديراً بحمل الأمانة، وأهم هذه الشروط مما يأتي:
1- أن يكون شديد التمسك بالعقيدة الإسلامية مخلصاً في عبادته وتقواه كثير التعبد والطاعات – على طريقتهم.
2- أن يكون قوياً في نفسه ذا عزم نافذ وتفكير ناضج وشجاعة وحزم، كما يقول السالمي:


وليك ذا شجاعة وحزم




مرتدياً بعفة وحلم


وغيره على انتهاك الحرم        




وذا وفا بعده والذمم ((مدارج الكمال)) (ص 171). .

                                                                    3- أن لا يكون فيه ما يخل بإيمانه من حب المعاصي واللهو واتباع الهوى، يقول السالمي أيضاً:


ولم يكن على كبير حدا





 وحتى ولو تاب وأبدى الرشدا ((مدارج الكمال)) (ص 171). .

4- أن يكون انتخابه برضى الجميع لا يغني بعضهم عن بعض في ذلك.
5- لا عبرة بالنسب أو الجنس أو اللون.
هذه بعض شروطهم التي ذكرتها المصادر عنهم، وقد وصف الأستاذ أبو زهرة موقفهم من طريقة اختيار الخليفة بأنه من آرائهم السديد المحكم، فقال في معرض بيانه للآراء التي تجمع فرق الخوارج " وأول هذه الآراء – وهو من بين آرائهم السديدة المحكمة – أن الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر صحيح يقوم به عامة المسلمين لا فريق منهم " ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) ( 1/ 71 ). .
ويقول فيه الدكتور عبد الحليم محمود: " أما رأيهم في الإمامة فإنه هو الرأي الذي يؤيد الاتجاه الحديث، ويؤيده كل مخلص لدينه ووطنه" ((التفكير الفلسفي)) ( 1/ 191 ). .
ويكون هذا المنتخب من أي جنس كان، سواء كان عربياً أم أعجمياً، قرشياً أو غير قرشي، بل يرون أن الأفضل تولية من لا نسب له ولا عشيرة معه ليسهل توجيهه إلى ما يريدون، ويسهل أيضاً خلعه أو قتله عندما يستحق ذلك في نظرهم.
"وليست لعربي دون أعجمي والجميع فيها سواء بل يفضلون أن يكون الخليفة غير قرشي ليسهل عزله أو قتله إن خالف الشرع وحاد عن الحق، إذ لا تكون له عصبية تحميه ولا عشيرة تؤويه، وعلى هذا الأساس اختاروا منهم عبد الله بن وهب الراسبي وأمروه عليهم وسموه أمير المؤمنين وليس بقرشي" ((تاريخ المذاهب)) ( 1/ 71 ). .
ويقول ابن الجوزي عن شروط الخوارج في الخليفة: (ومن رأي الخوارج أنه لا تختص الإمامة بشخص إلا أن يجتمع فيه العلم والزهد فإذا اجتمعا كان إماماً نبطياً" ((تلبيس إبليس)) (ص 96 ). (أي من أخلاط الناس وأوباشهم).
وبالإضافة إلى ما تقدم فإنه يولون جانب الشجاعة والمهارة اهتماماً خاصاً، كما عبر عن هذه المسألة معاذ بن جوين الخارجي حين يقول: " وإنما ينبغي أن يلي على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب وأفقههم في الدين وأشدهم اضطلاعاً بما حمل" ((تاريخ الطبري)) ( 5/ 175 ). .
أي إن الخوارج يرون أن المهارة الحربية والشجاعة من صفات الخليفة الضرورية وذلك نظراً لحروبهم الدائمة مع مخالفيهم، وهذا ما يعبر عنه الإباضية بالإمام الشاري وهو بمعنى الفدائي، وقد عرفه السالمي بقوله: "هو الذي يتمتع بالثقة المطلقة من قبل أتباعه جميعاً ويعلن الجهاد ولا يجوز له الهرب من ساحة الميدان، ويقوده شعاران في المعركة: النصر أو الموت" ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 126 ). . لأن الأئمة عند الخوارج ينحصرون في أربعة:
1- الإمام الشاري، وقد تقدم تعريفه.
2- إمام الدفاع: وهو الذي يتولى القيادة وعامة أتباعه في الحرب في الظروف العصيبة.
3- إمام الظهور: وهو الذي تتم بيعته في السلم عن اختيار ورضى جميع المسلمين.
4- إمام الكتمان: وهو الإمام الذي ترجع إليه الإباضية في حل مشكلاتهم عندما يكونون تحت سيطرة حكومية من غير الإباضية ولا يستطيعون مناوءتها بالقوة.
وقد رأينا فيما سبق أن الخوارج ينادون بالاختيار الحر لرئيس الأمة، ويكون من بين أفرادها، لا يتمتع بأي ميزة غير كفاءته في إدارة شؤون المسلمين، وقد وصفوا بذلك بأنهم جمهوريون وأنهم ديمقراطيون إلخ... وإن نظرتهم هذه تستند إلى قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ.
يقول الطالبي: " تعتبر الخوارج ممثلة للنزعة الإجماعية أو الاتجاه الجمهوري في الفقه السياسي، وهي نظرة قرآنية لأن مصدر السلطة في الشريعة الإسلامية إنما هو اختيار الأمة وانتخابها، ومبدأ الشورى نص عليه القرآن بلا نزاع ولا فرق في ذلك بين مسلم ومسلم ولا نظر إلى الجنس أو اللون" ((آراء الخوارج)) (ص 121 ). .
وقد زعم الأستاذ ألبير نصري بأن الخوارج هم أول من نادى بأن الأمة هم مصدر السلطة، وبالتالي كانوا أول من نادى بالاختيار الحر للإمام – فيقول: " إن الخوارج هم أول من ادعى في الإسلام أن الأمة هي مصدر السلطة فكان موقفهم هذا خطوة أولى نحو القول بحق الاختيار الحر رئيس الأمة، وهذا هو لب الديمقراطية، وإن جعلوا هذه الديمقراطية محدودة " ((أهم الفرق الإسلامية)) السياسية والكلامية (ص 12 ). .
ويقول السالمي عن الإمامة في عمان: " كانت الإمامة تستند إلى قواعد وجذور قوية، كانت تستند إلى أساس ديمقراطي يتساوى فيه الغني والفقير والقوي والضعيف أمام قوانين الشريعة السمحاء ؛ ولذا فإن بذور الحكم الجمهوري قد نبتت في عمان ومجتمعها الإباضي وكانت بذور صالحة في تربة صالحة" ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 129 ، 130 ). .
وقال أيضاً: " ولذا فإن بذور الديمقراطية قد نشأت في هذا المجتمع وتطورت في سبيل مصلحة الشعب نفسه" ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 126 ). .
والواقع أن ما زعمه ألبير نصري من أن الخوارج هم أول من نادى بالانتخاب الحر للإمام - زعم باطل تاريخياً وموضوعياً؛ فإننا بتتبعنا لتاريخ المسلمين الأول نجد أنهم قد اختاروا الخلفاء اختياراً حراً كما في اختيارهم للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، وأنهم لم يخرجوا عن قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، فإذا ليس الخوارج هم أول من نادى باختيار الخليفة عن طريق الشورى ورضى الناس، يقول رفعت فوزي: " ولم يكن الخوارج هم أول من نادى بأن تكون الخلافة شورى بين المسلمين " ((الخلافة والخوارج)) في المغرب العربي (ص 14 ). .
أما القول الذي انفرد به الخوارج في موضوع الإمامة، فهو عدم اشتراط القرشية فيها، فمسألة أحقية قريش بالخلافة غير واردة في مفهوم الخوارج إذ أنها مسؤولية عظمى يتساوى الناس في صلاحيتهم لتوليها، فما معنى ربطها بأناس بخصوصهم؟! وهم في هذا الاتجاه لا ينظرون إلى ما ورد في ذلك من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إلى ما قاله جمهور الصحابة والتابعين وسلف الأمة، بل حكموا فيها مجرد رأيهم وما تميل إليه نفوسهم.
يقول الأشعري: " ويرون أن الإمامة في قريش وغيرهم إذا كان القائم بها مستحقاً لذلك ولا يرون إمامة الجائر" ((المقالات)) ( 1/ 204 ). .
واعتبر الشهرستاني تجويز الخوارج للإمامة في غير قريش من بدعهم التي خرجوا من أجلها في الزمن الأول، فبعد أن ذكر خرافتهم في القول بالاستغناء عن الإمام قال مصوراً رأيهم: "وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً" ((الملل والنحل)) ( 1/ 116 ). .
وقال ابن حزم: " وذهبت الخوارج كلها وجمهور المعتزلة وبعض المرجئة إلى أنها جائزة في كل من قام بالكتاب والسنة قرشياً كان أو عربياً أو ابن عبد" ((الفصل)) ( 4/ 89 ). .
وهذا الرأي قد قام به قدماء المعتزلة أيضاً فيما يرويه ابن أبي الحديد بقوله:
"وقد اختلف الناس في اشتراط النسب في الإمامة، فقال قوم من قدماء أصحابنا - يعني المعتزلة -: إن النسب ليس بشرط فيها أصلاً وإنها تصلح في القرشي وغير القرشي، إذا كان فاضلاً مستجمعاً للشرائط المعتبرة، واجتمعت الكلمة عليه وهو قول الخوارج" ((شرح نهج البلاعة))  ( 9/ 87 ). .
ويقول ابن حجر: "وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة، يجوز أن يكون الإمام غير قرشي وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسنة سواء أكان عربياً أو أعجمياً" ((فتح الباري)) ( 13/ 118 ). .
ولهذا فهم كما يذكر تسموا بالخلفاء لأنهم لا يعتبرون القرشية شرطاً في الخلافة كما ينص على هذا بقوله: " إن الخوارج في زمن بني أمية تسموا بالخلافة واحداً بعد واحد ولم يكونوا من قريش" ((فتح الباري)) ( 13/ 119 ). .
وهذا بناء على أن " الخلافة حق لكل مسلم وغايتها إقامة الأحكام" ((تاريخ الفكر العربي)) (ص 207 ). .
أما رأي الإباضية في اشتراط قرشية الإمام فهو لا يخرج عن رأي عامة الخوارج في عدم اشتراط هذا الشرط وعدم ارتباطها بجنس أو لون أو أسرة أو قبيلة، بل المدار في من يصلح لها أن يكون كفئاً في دينه وخلقه وعلمه وعقله، فإذا وجد عدد من الناس فيهم هذه الكفاءة أمكن حينئذ النظر إلى ناحية الجنس وغيره من أسباب المفاضلة.
وهذا ما يقوله علي معمر، ومثله الحارثي الإباضي عن الخلافة أنها: " لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون، إنما يجب أن يشترط فيها الكفاءة المطلقة، الكفاءة الدينية والكفاءة الخلقية والكفاءة العلمية والكفاءة العقلية، فإذا تساوت هذه الكفاءات في مجموعة من الناس أمكن أن تجعل الهاشمية أو القرشية أو العروبة من أسباب المفاضلة، أو من وسائل الترجيح أما في غير ذلك فليس لها حساب" ((الإباضية في موكب التاريخ)) (ص 63 )، وانظر: ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 129 )، وانظر: ((العقود الفضية)) (ص 290 ). . ونحو هذا عند السالمي.
ويقول علي معمر أيضاً: " ولم يكن الإباضية أو الخوارج هم أول من قال بهذا، وإنما سبقتهم إليه كبار الصحابة عندما ناقشوا أول خليفة في الإسلام"، واستدل المؤلف على هذا بالأدلة الآتية:
1- قول الأنصار يوم السقيفة: " منا أمير ومنكم أمير" ؛ إذ لم يكن الأنصار يعرفون أنه يجوز أن يتولى الإمارة غير قرشي لما قالوا ذلك، ولكن هذا الدليل يتطرق إليه ضده وهو احتمال أن يكونوا قالوا هذا القول قبل أن يعرفوا النص الذي يثبت الخلافة في قريش ولهذا فقد رجعوا إلى رشدهم حين بين لهم أبو بكر هذه المسألة.
2- من أدلتهم أيضاً قول عمر رضي الله عنه: " لو كان سالم مولى حذيفة حياً لبايعته" ؛ فلو كان غير القرشي لا يصح أن يتولى لما قال ذلك، وقد أجيب عن هذا وما في معناه مما ورد على لسان عمر رضي الله عنه باحتمالين ذكرهما ابن حجز وهما:
1- إما أن يكون الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً.
2- وإما أن يكون قد تغير اجتهاد عمر في ذلك انظر: ((فتح الباري)) ( 13/ 119 ). .
3- استنتجوا من قول أبي بكر رضي الله عنه – أن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش – بأن هذا تعليل لطاعة العرب لهم فإذا تغير الحال تغير موضع الاختيار انظر: ((الإباضية بين الفرق)) (ص 464 ). ، وهكذا عللوه مع أنه ظاهر في أحقية قريش بالخلافة وهذا ما فهم منه الصحابة المهاجرون منهم والأنصار بدليل تسليمهم بالطاعة لأبي بكر رضي الله عنه حينما بين لهم هذا الدليل.
وهذا القول عليه أكثر المعتزلة كما يذكر ابن أبي الحديد ذلك بقوله: " وقال أكثر أصحابنا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الأئمة من قريش)) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (4/26)، والحاكم (4/85). من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والحديث حسنه ابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/472)، وقال الألباني في ((صحيح الجامع)) (2757): صحيح. أن القرشية شرط إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة، فإن لم يكن فيها من يصلح فليست القرشية شرطاً فيها" ((شرح نهج البلاغة)) ( 9/ 87). .
ولا يخفى أن دعوى الخوارج استحقاق الخلافة لمن كان أهلاً لها من أي طبقة كان – هذه الدعوى قد اجتذبت بعض الموالي والعجم متطلعين إلى الخلافة، ومن الدلائل على ذلك أنه لما اشتد النزاع بين الخوارج انفصل قسم كبير منهم عن قطري وولوا عليهم عبد ربه الصغير وكان أكثرهم من الموالي والعجم، وكان سبب انفصالهم هذا أنهم طلبوا من قطري أن يعزل المقعطر، " فأبى قطري أن يعزله فقال له القوم: إنا خلعناك وولينا عبد ربه الصغير، فانفصل إلى عبد ربه أكثر من الشطر وجلهم الموالي والعجم وكان هناك منهم ثمانية آلاف وهم القراء" ((الكامل)) للمبرد  ( 2/ 237 ). .
ولنا أن نتساءل هل كان الخوارج صادقين في قولهم إن الإمامة حق مشاع لكل من كان كفئاً لها ؟ وهل وصل أحد من الموالي إلى الحكم مصداقاً لهذه النظرية على كثرة عدد الموالي الذين كانوا في تلك الحروب مع الخوارج؟
والواقع أن الخوارج وإن نادوا بتلك الشعارات البراقة كانوا في غاية العصبية للعروبة، وكان أكثرهم من ربيعة وكانت تلك العصبية ظاهرة فيهم، فإن تولى أحد الموالي ولاية، فإنما هي حالة طائرة أملتها الظروف ريثما ينتخبون عربياً مكانه كما وقع لأبي طالوت وثابت التمار وغيرهما من الموالي.
يقول عبدالرحمن النجم: " وقد انضم إلى الخوارج عدد من الموالي واشتركوا في الثورات التي قامت ضد الحكم الأموي، ووصل بعضهم إلى مركز الرئاسة ومنهم أبو طالوت سالم بن مطر الذي قاد الحركة في مراحلها الأولى في اليمامة، وثابت التمار الذي اختاره الخوارج رئيساً لهم بعد عزل نجدة ولكنه خلع بسرعة" ((البحرين في صدر الإسلام)) (ص 133 ). . وقد أرجع النجم هذه السرعة في عزله إلى العصبية التي كانت مستعرة بين عرب الخوارج ((البحرين في صدر الإسلام)) (ص 137 ). .
وقد رد كثير من العلماء على الخوارج رأيهم في جواز تولي الإمامة من غير قريش بناء على الأحاديث الواردة في أحقية قريش بالخلافة، وهذه الأحاديث منها ما جاء خبراً مطلقاً عن الخلافة أنها في قريش، ومنها ما جاء مقيداً بشرط.
أما الأحاديث المطلقة فمنها:
1- جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) رواه البخاري (3501). .
2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن؛ مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم)) رواه البخاري (3495)، ومسلم (1818). .
3- حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الناس تبع لقريش في الخير والشر)) رواه مسلم (1819). .
فهذه هي الأحاديث العامة، وقد ورد ما يقيد عمومها باستقامة قريش على الدين والمحافظة عليه كما جاء في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال:  إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين)) رواه البخاري (3500). .
وقد أورد ابن حجر رحمه الله روايات عدة في حصر الخلافة في قريش ثم استشهد بكلام العلماء في هذا الباب، ومنه قول القرطبي: " هذا الحديث - يشير إلى حديث: " ما بقي منهم اثنان" المتقدم - خبر عن المشروعية أي لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقريش مهما وجد منهم أحد".
وقال القاضي عياض: " اشتراك كون الإمام قرشياً مذهب العلماء كافة، وقد عدوها في مسائل الإجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار".
ولكن ابن حجر يذكر أنه لا يتم القول بالإجماع إلا بتأويل ما ورد عن عمر رضي الله عنه في إرادته جعل الخلافة في معاذ بن جبل وهو أنصاري ليس من قريش، وذلك في قوله: (إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته... فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل) – فأجاب ابن حجر عن دعوى الإجماع هذه التي ذكرها القاضي بأنه: " لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً أو تغير اجتهاد عمر في ذلك" ((فتح الباري)) ( 13/ 119 ). .
وقد ذكر الإجماع على حصر الخلافة في قريش النووي، فقال بعد ذكره للأحاديث الدالة على ذلك: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة " ((شرح النووي)) على مسلم ( 12/ 200). .
وقال أيضا: "ولا اعتداد النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش" ((شرح النووي)) على مسلم ( 12/ 200). .
ويذكر البغدادي أن من أصول السلف أنهم " قالوا من شرط الإمامة النسب من قريش" ((الفرق بين الفرق)) (ص 349 ). .
ويؤكد هذا المعنى أيضاً ابن حزم الأندلسي فيقرر عن عدد من الفرق الإسلامية أنهم يرون وجوب جعل الإمامة في قريش في ولد فهر بن مالك، وأن من هذه الفرق فرقة أهل السنة فقال: "ثم اختلف القائلون بوجوب الإمامة على قريش؛ فذهب أهل السنة وجميع الشيعة وبعض المعتزلة وجمهور المرجئة إلى أن الإمامة لا تجوز إلا في قريش خاصة من كان ولد فهر بن مالك..." ((الفصل)) ( 4/ 89 ). .
ثم قال: " فصح أنه ليس يجوز البتة أن يوقع اسم الإمامة مطلقاً ولا اسم أمير المؤمنين إلا على القرشي لجميع أمور المؤمنين كلهم أو الواجب له ذلك وإن عصاه كثير من المؤمنين... وكذلك اسم الخلافة بإطلاق لا يجوز أيضاً إلا لمن هذه صفته" ((الفصل)) (ص 90 ). .
وقد جعل الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي الحنبلي الأحاديث التي وردت في استحقاق قريش الخلافة بأنها تدل على أن قريشاً يشتركون جميعهم في استحقاقها؛ حيث قال: " من الأحكام ما تشترك فيه قريش كلها نحو الإمامة الكبرى" ((مختصر الفتاوى المصرية)) (ص 566 ). .
ومع ما ورد من الأحاديث في هذا المقام وأقوال العلماء فإن الخوارج لم يبعثوا بذلك، يقول الدكتور عزت عطية: "وأما الخوارج فلم يبعثوا بالنصوص والأخبار الواردة في ذلك وتمسكوا ببدعتهم" ((البدعة)) (ص 409 ). .
ولا شك أن الخوارج أو بعضهم قد سمع ما قيل في يوم السقيفة إذ أن هذا الموقف كان معروفاًً في ذهن كل واحد، فإنه لازال طرياً في مسامع الناس حين خرج الخوارج على علي، فيبعد أن لا يسمع أحد منهم بما روي هناك من أن الأئمة في قريش.
ويقول ابن حجر مبطلاً احتجاج من احتج بتولية الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم على أن الخلافة غير لازمة في قريش – بقوله: " وأما ما احتج به من لم يعين الخلافة في قريش من تأمير عبدالله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب، فليس من الإمامة العظمى في شيء، بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته" ((فتح الباري)) ( 13/ 119 ). .
ولنا أن نتساءل هل شرط القرشية على إطلاقه؟ وهل الأحاديث الواردة في ذلك دالة على الوجوب مطلقاً أم أن هناك احتمالات أخرى في الموضوع؟ قبل الإجابة على هذا التساؤل نورد ما ذكره ابن حجر من أن الأحاديث التي وردت في استحقاق قريش الخلافة جاءت على ثلاثة أوجه وهي:
1- وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثاً: ما حكموا فعدلوا، واسترحموا فرحموا، وعاهدوا فوفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله)) رواه أحمد (4/421) (19797)، وأبو يعلى (6/323). من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه. قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (3/187): رواته ثقات. وقال العراقي في ((محجة القرب)) (188): صحيح. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/196): رجاله رجال الصحيح خلا سكين بن عبد العزيز وهو ثقة. وحسنه ابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/478). وقال الألباني في ((صحيح الترغيب)) (2189): صحيح لغيره. . قال ابن حجر: وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم.
2- وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذيتهم لقوله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر قريش إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب)) رواه أحمد (1/458) (4380)، وأبو يعلى (8/438). من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/195): رجال أحمد رجال الصحيح ، ورجال أبي يعلى ثقات. وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (1552): وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. . يقول ابن حجر: " وليس في هذا أيضاً تصريح بخروج الأمر عنهم وإن كان فيه إشعار به ".
3- الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم لقوله صلى الله عليه وسلم: ((استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زارعين أشقياء)) رواه أحمد (5/277) (22442)، والطبراني في ((الأوسط)) (8/15) وفي ((الصغير)) (1/134). من حديث ثوبان رضي الله عنه. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/195): رواه الطبراني في ((الصغير)) ، و((الأوسط)) ورجال الصغير ثقات. وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (13/125): رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا وله شاهد. وضعفه الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (1643). .
وهذا الحديث صريح في جواز الخروج عليهم عندما ينطبق عليهم حكمه وهو عدم استقامتهم ؛ إذ أنهم حينئذ كغيرهم من أهل الضلال عندما انتفى عنهم موجب تقديمهم وهو لزوم شرع الله ولا يلتفت إلى نسبهم.
ولعل هذا هو ما يمكن أن يكون المدار الذي تجتمع عليه الأحاديث بحيث يقال إنهم أولى بالإمامة من غيرهم إذا كانوا صالحين، وإن كان في المجتمع غيرهم من أهل الصلاح، وأما إذا لم يكونوا كذلك وكان غيرهم أصلح منهم وجب تولية الصالح حيث لم يأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بتولية غير الصالحين من قريش أو من غيرهم.
والأمر بين في هذا لولا أن الخوارج غلب عليهم الحقد واتباع ما تهوي أنفسهم فأنفوا من الرجوع إلى ما تقتضيه الأحاديث من أولوية قريش إذا كانوا صالحين وحكموا بالأولوية لغير قريش.
ولا ينبغي جحد فضل قريش وميزتهم على غيرهم عند صلاحهم، فقد وردت أحاديث كثيرة في بيان ذلك ويكفيهم فضلاً اختيار الله لرسوله منهم.
ويشهد لما ذهبنا إليه في مدى اشتراط القرشية في الإمام ما انتهى إليه اجتهاد الشيخ أبي زهرة رحمه الله في هذا الأمر، فقد جمع بين الأحاديث التي توجب طاعة ولي الأمر مهما كان جنسه وإن كان عبداً حبشياً، وبين قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن هذا الأمر في قريش)) رواه البخاري (3500). . وغيره من الأحاديث - بأن "النصوص في مجموعها لا تستلزم أن تكون الإمامة في قريش وأنه لا تصح ولاية غيرهم، بل إن ولاية غيرهم صحيحة بلا شك، ويكون حديث ((الأمر في قريش)) من قبيل الإخبار بالغيب كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الخلافة بعدي ثلاثون ثم تصير ملكاً عضوضاً)) رواه أبو داود (4646)، والترمذي (2226)، وأحمد (5/221) (21978)، والبيهقي (8/159). من حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الترمذي: هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جهمان ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جهمان. وقال ابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (1/113): محفوظ من حديث سفينة. وحسنه ابن حجر في ((هداية الرواة)) (5/92) – كما أشار لذلك في المقدمة -. وصححه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (459). ، أو يكون من قبيل الأفضلية لا الصحة)) ((تاريخ المذاهب)) ( 1/ 91 ). .الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص408


انظر أيضا: