trial

موسوعة الفرق

أ- أدلتهم من الكتاب والرد عليها


استدل الخوارج على مذهبهم بقوله تعالى:
1- وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44].
ووجه استدلالهم بالآية أنهم ادعوا شمولها للفساق لأن الفاسق لم يحكم بما أنزل الله فيجب أن يكون كافرا كما هو ظاهر الآية، "وهذا نص صريح في موضع النزاع" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص722). . كما قالوا: لأن كل مرتكب للذنوب لابد وأنه قد حكم بغير ما أنزل الله فهو داخل تحت هذا الخطاب.
والرد عليهم أنا نقول لهم: إما أن يكون الشخص مستح للحكم بغير ما أنزل الله ولم يجعله له دستورا ولم يرجع إليه بالكلية؛ فهذا لا شك في كفره ولا خلاف حينئذ، وإما أن يكون الشخص غير مستحل للحكم بغير ما أنزل الله ويعترف بأن القرآن هو المرجع الوحيد للأحكام ولكنه يحكم في بعض أموره بغير ما أنزل الله فهذا لا يخرج عن دائرة الإيمان ما دام أنه غير مستحل لمخالفته الكتاب والسنة، بل يدعي أنه مسلم وأنه يطبق حكم الله ولكنه يخرج عنه أحيانا.
وفي هذا يقول ابن عباس في معنى قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ... إلخ الآية: "من جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق" ((فتح القدير)) (2/45). .
وقال أيضا: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه وإنه ليس كفر ينقل من الملة بل دون كفره" ((فتح القدير)) (2/45). .
وقال عطاء بن أبي رباح معنى قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ... هُمُ الظَّالِمُونَ ... هُمُ الْفَاسِقُونَ -: "قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" ((فتح القدير)) (2/45). .
وقد أورد الشوكاني في معناها عدة أقوال ومنها أن هذا الحكم "محمول على أن الحكم بغير ما انزل الله وقع استخفافا أو استحلالا أو جحدا" ((فتح القدير)) (2/42). .
وقد أجاب أبو جعفر بن أحمد عن استدلال الخوارج بالآية هذه بقوله: "وجوابنا أن هذا مما لا يصح لكم التعلق به؛ لأن صريح هذه الآية ينطق بأن من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر؛ لأن "ما" تقتضي العموم والاستغراق وهذا مما لا نخالفكم فيه فإنا نقول: من لم يحكم بكل ما أنزل الله فهو كافر ولكن ليست هذه حال الفاسق الذي اختلفنا فيه؛ فإنه ما من فاسق إلا وقد حكم بكثير مما أنزل الله".
ثم بين وجها آخر لمعنى الآية وهو أن تكون واردة في المستحل - كما قدمنا - قال: "فيتأول الآية على ما ذكرناه أولا من أن من لم يحكم بشيء مما أنزل الله فهو كافر، وعلى أن من لم يحكم بما أنزل الله مستحلا ورادا على الله فهو كافر" ((إبانة المناهج))  (ص164). .
ويقول القاضي عبدالجبار: "إن الآية وردت في شأن اليهود ولا شك في كفر اليهود" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص722). .
وهو قول لبعض المفسرين؛ فقد أورد الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية أربعة أقوال في المراد بهذه الصفة، ونسب كل قول إلى من قال به من السلف. وهذه الأقوال الأربعة نلخصها بإيجاز فيما يلي:
القول الأول: أن لاكفر في هذا الموضع يراد به اليهود بخصوصهم لجحدهم الكثير من الأحكام التي كانت في التوراة، كحكمهم في الزانين المحصنين وكتمانهم الرجم، وقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية على حسب هواهم، وكحكمهم في الأشراف بالقصاص وفي الأدنياء بالدية.
القول الثاني: إن الله عني بالكافرين أهل الإسلام وبالظالمين اليهود وبالفاسقين النصارى.
القول الرابع: أن معنى الكفر في الآية أي "ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، فأما الظلم والفسق فهو للمقر به" ((تفسير الطبري)) (6/252-257 ). .
وقد قصر ابن أبي الحديد حكم الآية على اليهود فقط فقال: "والجواب أن هذا مقصور على اليهود لأن ذكرهم هو المقدم في الآية" ((شرح نهج البلاغة)) (8/115). .
2- واستدل الخوارج على ما اعتقدوه من كفر مرتكب الذنب بقوله تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:14 - 16]، ووجه استدلالهم بها أن الله تعالى قد أخبر بأن هذه النار التي تتلظى هي لشقي مكذب متول عن أمر الله، فهو فاسق والفاسق في النار، وقد بين الله تعالى أن النار أعدت للكافرين، وصاحب الكبيرة الفاسق من أهل النار وإذا كان من أهل النار فهو كافر لأنها أعدت لهم لا للمؤمنين.
والجواب عن هذا: أن الله وصف هذا الذي يصلى هذه النار بأنه مكذب ومتول عن أمر الله ونهيه، ولا شك أن من كانت هذه صفته فهو كافر، ولكن هذه الصفة لا تنطبق على فاسق مصدق بآيات الله وهذا ما ننازعهم فيه، بل إن هذا الدليل هو عليهم أكثر مما هو لهم كما يرى القاضي عبدالجبار، حيث يقول جوابا عن الاستدلال بهذه الآية: "وجوابنا لا تعلق لكم بظاهر الآية؛ لأنه قال: لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: 15 ،16]، وليس هذا حال الفاسق فإذا لو كنا مستدلين بها عليكم لكان أولى" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص723 ). .
على أن العصاة وإن دخلوا النار بذنوبهم فإن دخولهم ليس بلازم لهم يقول الشوكاني في معنى قوله تعالى: لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى: "أي لا يصلاها صليا لازما على جهة الخلود إلا الأشقى وهو الكافر، وإن صليها غيره من العصاة فليس صلية كصلية" ((فتح القدير)) (5/453). .
وقد أجاب ابن أبي الحديد وجعفر بن أحمد بجواب آخر:
يقول ابن أبي الحديد: "وغير ممتنع أن يكون في الآخرة نار مخصوصة لا يصلاها إلا الذين كذبوا وتولوا، ويكون للفساق نار أخرى غيرها" ((شرح نهج البلاغة)) (8/115). .
ويقول جعفر بن أحمد: "وجوابنا أن الآية لا تدل على شيء مما ذهبوا إليه لأنه ذكر النار بلفظ التنكير، فصريح الخطاب يقتضي أن في جهنم نارا مخصوصة لا يصلاها إلا شقي مكذب، فمن أين أنه ليس هناك نار أخرى يصلاها الفاسق، وهذا الكلام لا يقتضي نفيها بل قد ثبت أن في جهنم طبقات ودركات، بعضها يختص بالكفار وبعضها يختص بالفساق. على أن الله تعالى وصف هذا الأشقى المذكور بصفة لا توجد في الفاسق وهو كونه مكذبا ومتوليا عن أمر الله، وهذه ليست حال الفاسق فإن كلامنا معهم في فاسق مصدق بآيات الله وهو موضع الخلاف. فأما المكذب فلا خلاف بيننا وبينهم في أنه كافر" ((إبانة المناهج)) في نصيحة الخوارج (ص164). .
وهذا الجواب منهم قائم على أساس ما يراه المعتزلة من وجود نار خاصة بالفاسقين، والقول في هذا أن الله يعذب الفاسق في أي مكان أراد من النار ثم يعفو إذا شاء عنه ويدخله الجنة ولا يدخله في النار، كما تقول الخوارج ومن يرى رأيهم.
وقد فسر الطبري معنى قوله تعالى: لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: 15 ،16]: "أي الذي كذب بآيات الله وأعرض عنها ولم يصدق بها" ((جامع البيان)) (3/226). . وعلى هذا فإن الفاسق ليس ممن كذب بآيات ربه وأعرض عنها ولم يصدق بها؛ فإن هذا كافر وهو ما وردت الآية فيه بخلاف الفاسق فإنه لا زال تحت كلمة الإسلام وتحت مشيئة الله تعالى.
3- واستدل الخوارج بقوله تعالى: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ [سبأ:17]، ووجه استدلالهم بالآية: أن صاحب الكبيرة لابد أن يجازى وقد أخبر تعالى أنه لا يجازى إلا الكافر، والفاسق ثبتت مجازاته عندهم فيكون كافرا بثبوت الجزاء، فلا فرق بينهما.
ومفهومهم لهذا الدليل مردود عليهم؛ إذ أنه ينتقض بأن الله يجازي الأنبياء والمؤمنين وليسوا كفارا، وبأن الآية كانت تعقيبا لبيان ذلك العقاب الذي حل بأهل سبأ وهو عقاب الاستئصال وهذا ثابت للكفار كما أوضحت الآية.
يقول ابن أبي الحديد: "والجواب أن المراد بذلك: وهل نجازي بعقاب الاستئصال إلا الكفور؛ لأن الآية وردت في قصة سبأ لكونهم استؤصلوا بالعقوبة" ((شرح نهج البلاغة)) (8/116). .
وفي هذا يقول أيضا جعفر بن أحمد: "ظاهر الآية يقتضي أن المجازاة لا تثبت إلا لمن هو كافر وقد أجمعنا على خلافه؛ فإن الأنبياء والمؤمنين يجازون وليسوا بكفار" - إلى أن قال: "فمتى قالوا إنا أثبتنا مجازاة الأنبياء والمؤمنين بدلالة أخرى، قلنا: فنحن أيضا نثبت مجازاة الفساق بدلالة أخرى، فأما هذه الآية فإنها محمولة عندنا على عقاب الاستئصال وفيه وردت، فإن الله تعالى ذكرها في آخر قصة سبأ وعقب بها حكاية حالهم وما جرى لهم وعليهم" ((إبانة المناهج)) (ص165، وانظر: ((شرح الأصول الخمسة)) (ص725). .
4- واستدلوا بقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران: 106]، ووجه استدلالهم بذلك أن مسودي الوجوه هم الكفرة، والفساق ليسوا ممن ابيضت وجوههم فيلحقون بمن اسودت وجوههم وهم الكفرة بدليل أن الله قسم المكلفين إلى قسمين: قسم ابيضت وجوههم فهم مؤمنون في الجنة، وقسم اسودت وجوههم فهم كفار في النار، خصوصا وأن الله قد نص على كفرهم وهذا ما يثبت أن الفاسق كافر.
والحقيقة أن هذه الآية لا تدل على الحصر المانع من وجود قسم آخر وذلك لما يأتي:
1- إن ذكر فريقين بخصوصهما لا يدل على الحصر ونفي ما عداهما كما يشهد لهذا آيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء [النور: 45]، فالآية لا تدل على حصر جميع المخلوقات فيها، بل قد ثبت بالمشاهدة أن فيه دواباً تمشي على أكثر من أربع، فتخصيص الآية بذكر هذين الفريقين لا ينفي وجود فريق ثالث وهم العصاة من المؤمنين، ويكون عذابهم غير عذاب الكفار الأصليين أو المرتدين المخلدين في النار.
2- إن الله تعالى ذكر في هذه الآية المرتدين بعد إيمانهم ولم يذكر بقية أصناف الكفار من يهود ونصارى ووثنيين وغير هؤلاء من أناف الكفار، فهي ليست حاصرة لأصناف الكفار، فضلا عن أن تكون حاصرة لأصناف الناس بصفة عامة في المؤمنين والكافرين فقط.
وقول جعفر بن حمد: "وجوابنا أن هذه الآية لا تدل على شيء مما ذهبوا إليه ولا تبين عن موضع الخلاف؛ لأن غاية ما فيها أنه ذكر فريقين موصوفين بصفتين، وذلك لا يقتضي نفي ما عداهما من ثالث ورابع؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداهما" - إلى أن يقول: "فبان أن تخصيص الله تعالى بهذين الفريقين بالذكر لا يقتضي نفي ما عداهما؛ فيجوز على هذا أن يكون الفسقة فريقا ثالثا يوكون حكمهم المصير إلى النار وإن لم يذكرهم في هذه الآية، بل قد ذكرهم في آيات أخر ولا يدل على كفرهم، على أن الله تعالى ما ذكر في هذه الآية من الكفار إلا المرتدين بعد الإسلام بدليل قوله تعالى: أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، ولم يذكر فيها الكافر الأصلي كالملحد والوثني واليهودي والنصراني، فإذا لم يكن تخصيصه للمرتدين بالذكر دلالة على نفي من عداهم من أهل الكفر ولا على دخولهم في جملة الكفار" ((إبانة المناهج)) (ص164، 165). .
وقال القاضي عبدالجبار مجيبا عن هذا الاستدلال ورادا على الخوارج قولهم: "ثم نقول لهم: ليس في تخصيص الله تعالى بعض مسودي الوجوه بالذكر ما يدل على أن لا مسودي الوجوه غيره، فإن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص723) وانظر ((شرح نهج البلاغة)) (8/116). .
5- واستدلوا بقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ، وقوله: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ [الآيات الحاقة 19 – 25].
ويقوم استدلالهم بهذه الآيات ونحوها على أن الله تعالى قسم الناس إلى قسمين: القسم الأول يؤتى كتابه بيمينه وهم المؤمنون، والقسم الآخر يؤتى كتابه بشماله وهم الكافرون، والفاسق لا يؤتى كتابه بيمينه بل بشماله فإذ هو كافر.
ويرد عليهم بأن الله ذكر فريقين ثم وصفهما بهذه الصفات فلا يمنع أن يكون هناك فريق آخر لم يذكره له صفة أخرى وهم الفساق، ثم إن قوله تعالى فيما بعد في شأن من أوتي كتابه بشماله: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة: 33] يدل على أنه غير مؤمن وهذا لا شك في كفره، ولا خلاف، وإنما الخلاف في الفاسق المؤمن بالله والذي يعترف بأن الله سبحانه سيجازيه على أعماله ولا يجحد تحريمها وإنما غلبت عليه شهوته، وهذا ما لم تذكره الآية انظر: ((شرح الأصول الخمسة)) (ص725،724)، وانظر: ((إبانة المناهج)) (ص165). ، وهو تحت المشيئة.
6- واستدلوا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ [التغابن: 2] على أن الله تعالى حصر الناس في هذين القسمين إما مؤمن أو كافر، وقد امتدح المؤمنين وذم الكفار، والفساق ليسوا من القسم الممدوح وهم المؤمنون، فإذا هم من القسم الآخر المذموم وهم الكفار، ولأن الفاسق ليس بمؤمن فيكون كافرا.
ويرد عليهم:
1- بما تقدم في قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ من أن التخصيص لا ينفي ما عدا المخصص وإثبات الصنفين لا يدل على نفي الثالث.
2- أن الآية واردة على سبيل التبعيض بمن أي أن بعضكم كافر وبعضكم مؤمن، وهذا لا شك في وقوعه إلا أن أهل الكبائر لم يذكروا هنا كما يدعي الخوارج.
يقول جعفر بن أحمد: "وهذا لا يمنع من أن يكون بعض منهم فاسقا، ألا تر أنه لو ذكره عقب قوله: وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ لم يكن مناقضا في الكلام. ولو كان تخصيصه لمن ذكره يدل على نفي من عداه لكان متى ذكر الفاسق مناقضا، وهذا مما لا شك في فساده" ((إبانة المناهج)) (ص165، و((شرح نهج البلاغة)) (8/118). .
ويقول الملطي في بيان احتجاجهم بالآية مع قوله تعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: 5] وقوله: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 3]، وما رد من أمثال هذه الآيات إنهم يقولون: "لم يجعل الله بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة، ومن كفر وحبط عمله فهو مشرك والإيمان رأس الأعمال وأول الفرائض في عمل، ومن ترك ما أمره الله به فقد حبط عمله وإيمانه ومن حبط عمله فهو بلا إيمان والذي لا إيمان له مشرك كافر" ((التنبيه والرد)) (ص52). .
وقد رد عليهم الملطي بأن الفاسق له منزلة بين الإيمان والكفر، واستدل بآية القذف وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 4]، ثم قال: "فهم فساق لا مؤمنون ولا كافرون – وهو رأي المعتزلة – كما قال الله عز وجل وأجمعت عليه الأمة، مجمعة على اسم الفسق لأهل الكبائر" ((التنبيه والرد)) (ص53). .
ونود هنا أن ننبه إلى أننا إذا كنا قد رددنا على احتجاج الخوارج بالآيات السابقة بأنها لا تمنع وجود قسم ثالث وهم الفاسقون؛ فنحن لا نقول بقول من نقلنا عنهم في رد الاحتجاج بهذه الآيات بأن هؤلاء الفاسقين في منزلة بين المنزلتين؛ منزلتي الإيمان والكفر، فذلك أصل المعتزلة لا نقول به، وإنما نقول بأن هؤلاء الفاسقين فريق غير كاملي الإيمان، فهم مؤمنون غير كاملي الإيمان، بل يقال لأحدهم: إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأنهم من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.
7- ومما استدلوا به على تكفير مرتكبي الكبائر أن تارك الحج – وهو مرتكب للكبيرة بتركه الحج – وقد سماه الله كافرا فقال تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: 97].
ووجه استدلالهم بهذه الآية أنهم قالوا إن الله تعالى قد نص على أن تارك الحج كافر، وهذا الاستدلال لا يسلم لهم وذلك لأن الآية مجملة فيها احتمال أنه يريد تارك الحج، وفيها احتمال أنه يريد تارك اعتقاد وجوبه لأن الله تعالى لم يذكر الترك، فلم يقل: "ولله على الناس حج البيت ومن تركه فقد كفر"، وإنما بين أن الحج واجب على المستطيع، ثم أثبت أن من كفر بالله فالله غني عنه. أويكون المراد به ترك الحج مستحلا لتركه فهو كافر وهذا لا شك في كفره. وهذا ما أجاب به كثير من العلماء عن هذه الشبهة من شبه الخوارج في تكفير أهل الذنوب.
يقول جعفر بن أحمد: "هذه الآية لا تدل على ما راموه لأنه لا ذكر فيها لترك الحج ولا لذكر تاركه، وإنما ذكر الله تعالى فيها أن من كفر فإن الله غني عنه وبين فيها وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلاً، فإن أوجبوا تعليق آخر الآية بأولها ودأبوا على ذلك لم يضرنا تسليمه، فإن المذكور في أول الآية هو وجوب الحج لأن لفظة "على" موضوعة للإيجاب، ولا شك أن من لم يعترف بوجوب الحج ولم يقر بلزومه فهو كافر، وهذه ليست حال الفاسق، فإن الخلاف واقع بيننا وبينهم في فاسق أقر بوجوب الحج ولم يفعله. وليس في هذا ذكر حكم هذا" انظر: ((إبانة المناهج)) (ص166، ((شرح الأصول الخمسة)) (ص722، ((شرح نهج البلاغة)) (8/114). .
وقد أجاب الطبري عن معنى الآية بقوله: "يعني بذلك جل ثناؤه: ومن جحد ما ألزمه الله من فرض حج بيته فأنكره وكفر به؛ فإن الله غني عنه وعن حجه وعمله وعن سائر خلقه من الجن والإنس". وقد ذكر أقوالا أخرى إلا أن هذا القول هو أجمعها ((جامع البيان)) (4/19). .
ويقول الأستاذ أبو زهرة في الرد على الخوارج في استدلالهم بهذه الآية: "وآية الحج ليس الكفر وصفا لمن لم يحج، إنما الكفر فيها لمن أنكر فريضة الحج".
وقال في تفنيد تلك الأدلة التي استدل بها الخوارج: "وكل هذه الدلائل تمسك بظواهر النصوص، وأكثرها كان الحديث فيه عن مشركي مكة فهي أوصاف لهم" ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/73). .


انظر أيضا: