الموسوعة الفقهية

المَبحثُ الثاني: النَّقصُ في الوصيَّةِ عن الثلُثِ


يُستحَبُّ النَّقصُ في الوصيَّةِ عن الثُّلُثِ مُطلقًا، سواءٌ كان الورَثةُ أغنياءَ أمْ فُقراءَ، وذلك باتِّفاقِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحنَفيَّةِ [34] ((الهداية)) للمَرْغِيناني (4/515)، ((الفتاوى الهندية)) (6/90). ، والمالكيَّةِ [35] ((الكافي)) لابن قُدامةَ (2/1023). ، والشَّافعيَّةِ [36] ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (7/21)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (3/47). ، والحنابلةِ [37] نصَّ الحنابلةُ على أنَّه يُستحَبُّ الوصيَّةُ بالخُمسِ، والخُمسُ أقلُّ مِن الثُّلثِ. ((الإنصاف)) للمَرْداوي (7/143)، ((منتهى الإرادات)) لابن النجَّار (3/437).
الأدِلَّةُ:
أولًا: مِن السُّنةِ
عن عامرِ بنِ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، عن أبيهِ رضِيَ اللهُ عنه قال: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَعودُني عامَ حجَّةِ الوداعِ مِن وجَعٍ اشتدَّ بي، فقلتُ: إنِّي قد بلَغَ بي مِنَ الوَجعِ وأنا ذو مالٍ، ولا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ؛ أفأتصدَّقُ بثُلُثَيِ مالي؟ قال: لا. فقلتُ: بالشَّطرِ؟ فقال: لا، ثمَّ قال: الثُّلُثُ، والثلُثُ كبيرٌ -أو كثيرٌ-؛ إنَّك أنْ تَذَرَ ورَثتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أنْ تذَرَهم عالَةً يَتكفَّفونَ الناسَ...)) [38] أخرجه البخاري (1295) واللفظُ له، ومسلم (1628).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
في قولِه: ((والثُّلثُ كثيرٌ)) استِحبابُ أنْ يكونَ العطاءُ أقلَّ مِن ثُلُثِ مالِه [39] ((سُبُل السلام)) للصَّنْعاني (2/154)، ((شرح رياض الصالحين)) لابن عُثيمين (1/56).
ثانيًا: مِن الآثارِ
عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((لو غَضَّ الناسُ إلى الرُّبُعِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: الثُّلثُ، والثلُثُ كثيرٌ -أو كبيرٌ- )) [40] أخرجه البخاري (٣٧٤٣) واللفظُ له، ومسلم (١٦٢٩).
فمعنَى قولِه: (لو غضَّ الناسُ إلى الرُّبُعِ): لو نَقَصُوا مِن الثُّلثِ إلى الرُّبعِ في الوَصيَّةِ كان أَوْلى، أو كان أحَبَّ إلَيَّ [41] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (5/370)، ((إرشاد الساري)) للقَسْطَلَّاني (5/6).
ثالثًا: لأنَّ في التَّنقيصِ صِلةَ القَريبِ بتَرْكِ ما لهُ عليهِم، بخِلافِ استِكمالِ الثُّلُثِ؛ لأنَّه استيفاءُ تَمامِ حقِّه، فلا صِلةَ ولا مِنَّةَ [42] ((الهداية)) للمَرْغِيناني (4/515).

انظر أيضا: