الموسوعة الفقهية

المبحث الثَّاني: دخول وقت الصَّلاة المُتيمَّم لها


اختلف أهلُ العِلمِ في اشتراط دخولِ وقتِ الصَّلاة للتيمُّمِ، على قولينِ:
القول الأوّل: يُشتَرَطُ دخولُ الوقت للتيمُّم، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: المالكيَّة ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (1/222)، وينظر: ((بداية المجتهد)) لابن رشد (1/67)، ((القوانين الفقهية)) لابن جزي (ص: 30). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (2/239)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (1/315). ، والحنابلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/168)، وينظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (1/233). ، وحُكيَ فيه الإجماعُ قال ابن عبدِ البَرِّ: (أجمعوا أنَّه لا يتيمَّمُ قبل دخولِ الوَقتِ). ((التمهيد)) (19/295)، ((الاستذكار)) (1/317). وقال النوويُّ- عن مسألة: أنَّ التيمُّم لمكتوبةٍ لا يصحُّ إلَّا بعد دخولِ وَقتِها-: (قال الدارميُّ: قال أبو سعيد الإصطخريُّ: لا نناظِرُ الحنفيَّة في هذه المسألة؛ لأنَّهم خرَقوا الإجماعَ فيها). ((المجموع)) (2/243).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من الكتاب
قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [المائدة: 6]
وجه الدَّلالة:
 أنَّ الآية تدلُّ على أنَّه لا يثبُتُ أنَّه غيرُ واجدٍ للماءِ إلَّا إذا دخل وقتُ الصَّلاة، وطلَبَ الماءَ ولم يجِدْه، فعند ذلك يُشرَع التيمُّم ((المغني)) لابن قدامة (1/174).
ثانيًا: مِن السُّنَّةِ
عن جابرِ بنِ عبدِ الله الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وجُعِلَتْ لي الأرضُ طيِّبةً؛ طَهورًا ومسجِدًا، فأيُّما رجلٍ أدركَتْه الصَّلاةُ، صلَّى حيث كان )) رواه البخاري (438)، ومسلم (521) واللفظ له.
وجه الدَّلالة:
أنَّ الحديثَ يُفيدُ أنَّ التيمُّمَ لا يكون إذا أدركتْه الصَّلاة، وهي لا تدرِكُه إلَّا بدخولِ الوَقتِ يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (9/3675).
القول الثاني: لا يُشترَطُ دخولُ الوقتِ للتيمُّم، وهو مذهَبُ الحنفيَّة ((تبيين الحقائق للزيلعي وحاشية الشلبي)) (1/42)، ((الفتاوى الهندية)) (1/30). ، والظَّاهريَّة ((التمهيد)) لابن عبدالبر (19/295)، ((المحلى)) لابن حزم (1/359)، ((بداية المجتهد)) لابن رشد (1/67). ، وروايةٌ عن أحمد قال شمس الدين ابن قدامة: (رُوي عن أحمد أنَّه قال: القياسُ أنَّ التيمُّم بمنزلة الطَّهارة، حتَّى يجد الماءَ أو يُحدِث، فعلى هذا يجوزُ قبل دخول الوقت). ((الشرح الكبير)) (1/234)، ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (21/352). ، وبه قالت طائفةٌ من السَّلف قال ابن تيميَّة: (مذهب أبي حنيفة أنَّه يتيمَّمُ قبل الوقت، ويبقى بعد الوقت، ويُصلِّي به ما شاء كالماء، وهو قول سعيد بن المسيَّب، والحسن البصريِّ، والزهريِّ، والثوريِّ، وغيرِهم، وهو إحدى الرِّوايتين عن أحمد بن حنبل) ((مجموع الفتاوى)) (21/352، 353)، وينظر: ((بداية المجتهد)) لابن رشد (1/67). ، واختاره ابنُ تيميَّة قال ابن تيميَّة: (يجوز في أظهَرِ قولَيِ العُلَماء أن يصلِّيَ بالتيمُّم كما يصلِّي بالوضوء، فيصلِّي به الفرضَ والنَّفل، ويتيمَّمُ قبل الوقت، وهذا مَذهَبُ أبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، ولا ينقض التيمُّمَ إلَّا ما ينقض الوضوءَ، والقدرةُ على استعمالِ الماء). ((جامع المسائل)) لابن تيميَّة- عزير شمس (4/328). (... وقيل: بل التيمُّمُ يقوم مقامَ الماء مطلقًا؛ يستبيحُ به كما يُستباحُ بالماء، ويتيمَّم قبل الوقت كما يتوضَّأ قبل الوقتِ، ويبقَى بعد الوقت كما تبقى طهارةُ الماء بعده... وهذا قولُ كثيرٍ من أهل العلم، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمدَ في الرِّواية الثانية، وقال أحمد: هذا هو القِياس. وهذا القول هو الصَّحيح، وعليه يدلُّ الكِتاب والسُّنة والاعتبارُ؛ فإنَّ الله جعل التيمُّم مطهِّرًا كما جعل الماءَ مطهِّرًا) ((مجموع الفتاوى)) (21/436). ، والشوكانيُّ قال الشَّوكانيُّ: (ذهب أبو حنيفة وأصحابُه إلى أنَّه يجزئُ قبل الوقت كالوضوء، وهذا هو الظَّاهِرُ، ولم يَرِدْ ما يدلُّ على عدم الإجزاء). ((نيل الأوطار)) (1/261).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من الكتاب
قول الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة: 6]
وجه الدَّلالة:
أنَّ التيمُّمَ طهارةُ بدلٍ عن طهارةِ الماء، والبدَلُ يأخُذ أحكام المُبْدَل، وإن لم يكُن مماثلًا له في صِفَتِه، ولا يُشتَرَط في الوضوءِ والغُسلِ أن يكون بعد دخولِ الوقتِ، فكذلك بدَلُه التيمُّم قال ابن تيميَّة: (التيمُّم يُفارِقُ صفة الوضوءِ مِن وجوه، ولكنَّ حُكمَه حُكمُ الوضوء؛ لأنَّه بدلٌ منه؛ فيجب أن يقومَ مقامَه كسائِرِ الأبدال، فهذا مقتضى النَّصِّ والقياسِ). ((مجموع الفتاوى)) (21/355).
ثانيًا: أنَّ النُّصوصَ الواردةَ في التيمُّم لم تَفصِل بين وقتٍ ووقت، والمطلق يَجري على إطلاقِه، كما يَجري العامُّ على عمومِه، ومَن قيَّده بالوقتِ، فقد خالف النَّصَّ ((تبيين الحقائق للزيلعي وحاشية الشلبي)) (1/42).

انظر أيضا: