الموسوعة الفقهية

المبحث الرَّابِع: الطِّيبُ


المَطْلَب الأوَّل: حُكْمُ الطِّيبِ للمُحْرِم
الطِّيبُ مِن محظوراتِ الإحرامِ في البَدَنِ والثَّوْبِ.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، عَنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّم أنَّه قال فيما يجتَنِبُه المُحْرِمُ: ((ولا ثوبًا مَسَّه الزعفرانٌ ولا وَرْسٌ الوَرْس: نباتٌ يكون باليمنِ، صبغتُه ما بين الصُّفرة والحُمْرة، ورائحَتُه طَيِّبةٌ. ((الاستذكار)) لابن عَبْدِ البَرِّ (4/19). )) رواه البخاري (366) واللفظ له، ومسلم (1177).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه نهى المُحْرِمَ عن الزَّعفرانِ، والزَّعفرانُ فيه تنبيهٌ على الكافورِ والمِسْكِ وما في معناهما مِنَ الطِّيبِ؛ لأنَّه إذا مَنَعَ مِن أَدْوَنِ الطِّيبِ، فأعلاه بالمَنْعِ أَوْلى ((الحاوي الكبير)) للماوردي (4/99).
2- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما بينا رجُلٌ واقِفٌ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَرفةَ، إذ وقَعَ عن راحِلَتِه فوَقَصَتْه- أو قال: فأوقَصَتْه- فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اغسِلُوه بماءٍ وسِدرٍ، وكفِّنوه في ثَوبينِ، ولا تُمِسُّوه طيبًا، ولا تُخَمِّروا رأسَه، ولا تحَنِّطوه؛ فإنَّ الله يبعَثُه يومَ القيامةِ مُلَبِّيًا )) رواه البخاري (1850) واللفظ له، ومسلم (1206).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه لَمَّا مُنِعَ الميتُ مِنَ الطِّيبِ لإحرامِه؛ فالحيُّ أَوْلى ((مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين)) (24/275).
3- عن يَعْلى بنِ أمَيَّةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((بينما النبيُّ صلَّى الله عليه وسَلَّم بالجِعْرانَةِ الجِعْرانَة: موضعٌ قريبٌ من مَكَّةَ، وهي في الحِلِّ، وميقاتٌ للإحرامِ، وهي بتسكينِ العينِ والتخفيفِ، وقد تُكْسَرُ العين، وتُشَدَّدُ الراءُ. ((النهاية)) لابن الأثير (1/ 276). ، ومعه نفَرٌ من أصحابِه، جاءه رجلٌ، فقال: يا رَسولَ الله، كيف ترى في رجلٍ أحرمَ بعُمْرَةٍ، وهو مُتَضَمِّخٌ التضمُّخ: التلطُّخُ بالطِّيبِ وغَيْرِه، والإِكثارُ منه حتى كأنَّما يقطُرُ. ((لسان العرب)) لابن منظور (3/ 36). بطيبٍ؟ فسكت النبيُّ صلَّى الله عليه وسَلَّم ساعةً، فجاءه الوحيُ، فأشار عمَرُ رَضِيَ الله عنه إلى يَعلَى، فجاء يَعلَى، وعلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ثوبٌ قد أظَلَّ به فأدخَلَ رأسَه، فإذا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ مُحمَرُّ الوَجهِ وهو يغُطُّ، ثم سُرِّي عنه، فقال: أين الذي سألَ عن العُمْرَةِ؟ فأُتِي برجُلٍ، فقال: اغسِلِ الطِّيبَ الذي بك ثلاثَ مرَّاتٍ، وانزِعْ عنك الجُبَّة، واصْنَعْ في عُمْرَتِك كما تصنَعُ في حَجَّتِك )) رواه البخاري (1536)، ومسلم (1180). قلتُ لعطاءٍ: أراد الإنقاءَ حين أمَرَه أن يَغسِلَ ثلاثَ مرَّاتٍ؟ قال: نعم.
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ المُنْذِر قال ابنُ المُنْذِر: (أجمعوا على أنَّ المُحْرِمَ ممنوعٌ من: الجماعِ، وقتلِ الصَّيدِ، والطِّيبِ) ((الإجماع)) (ص: 52). ، وابنُ حَزْمٍ قال ابنُ حزم: (اتفقوا أنَّه يجتنبُ استعمالَ الطِّيب والزَّعفران والوَرْس والثِّياب المَوَرَّسة والمُزَعْفَرة) ((مراتب الإجماع)) (ص: 42). ، وابنُ عَبْدِ البَرِّ قال ابنُ عبدِ البرِّ: (الثوبُ المصبوغُ بالوَرْسِ والزَّعفرانِ؛ فلا خلاف بين العلماء أنَّ لباسَ ذلك لا يجوزُ للمُحْرِم) ((الاستذكار)) (4/19). ، وابنُ قُدامة قال شمس الدين ابن قُدامة: (أجمعَ أَهْلُ العِلْم على أنَّ المُحْرِمَ ممنوعٌ من الطِّيبِ) ((الشرح الكبير)) (3/279). ، والنَّوَوِيُّ قال النووي: (يَحرُم على الرَّجلُ والمرأة استعمالُ الطِّيبِ، وهذا مُجمَعٌ عليه) ((شرح النووي على مسلم)) (8/75)، ويُنْظَر: ((المجموع)) (7/270).
المَطْلَب الثَّاني: الحِكْمةُ مِن تحريمِ الطِّيبِ على المُحْرِم
مِن حِكَمِ تحريمِ الطِّيبِ على المُحْرِم ((شرح النووي على مسلم)) (8/74)، ((إعلام الموقعين)) لابن القَيِّمِ (3/170)، ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/138). :
1- أنَّه يُبعِدُ المُحْرِمَ عن الترفُّهِ وزينةِ الدُّنيا وملاذِّها، ويجتمِعُ همُّه لمقاصِدِ الآخرةِ.
2- أنَّ الطِّيبَ مِن دواعي الوَطْءِ وأسبابِ تحريكِ الشَّهوةِ، فتحريمُه من بابِ سدِّ الذريعةِ؛ واللهُ تعالى يقول: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: 197]
المَطْلَب الثَّالِث: الفِدْيةُ في الطِّيبِ
إذا تطيَّبَ المحْرِمُ عمدًا فعليه الفِدْيةُ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهِيَّةِ الأربَعَةِ: الحَنَفيَّة ((حاشية ابن عابدين)) (2/544). ، والمالِكِيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/ 228)، ويُنظر: ((الذخيرة)) للقرافي (3/311). ، والشَّافِعِيَّة ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/532). ، والحَنابِلَة ((الإنصاف)) للمرداوي (3/332). ؛ وذلك قياسًا على الفِدْيةِ في حَلْقِ الرأسِ ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/171).
المَطْلَب الرَّابِع: هل يُشتَرَطُ في الفِدْية تطييبُ العُضوِ كاملًا؟
لا يُشتَرَط في لزومِ الفِدْية بالطِّيبِ أن يُطَيَّبَ العُضوُ كامِلًا، وهو مَذْهَبُ الجُمْهورِ مِنَ المالِكِيَّة ((الذخيرة)) للقرافي (3/311). ، والشَّافِعِيَّة ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/520). ، والحَنابِلَة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/429).
الأدلَّة:
أوَّلًا: عمومُ الأدلَّة في الفِدْيةِ، التي لم تُفَرِّقْ بين القليلِ والكثيرِ، ولا بين تطييبِ العُضْوِ كاملًا أو بَعضِه ((البيان في مذهب الإمام الشافعي)) للعمراني (4/ 212).
ثانيًا: أنَّه معنًى حصل به الاستمتاعُ بالمحظورِ، فاعتُبِرَ بمجَرَّدِ الفِعلِ كالوَطءِ ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/344).
ثالثًا: أنَّ التطَيُّبَ عادةً لا يكونُ لعُضوٍ كاملٍ ((الذخيرة)) للقرافي (3/311)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/344).
المَطْلَب الرَّابِع: حُكْمُ استعمالِ البَخورِ
حُكْمُ البَخورِ هو حُكْمُ استعمالِ الطِّيبِ، وهذا مَذْهَبُ الجُمْهورِ مِنَ المالِكِيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/220). ، والشَّافِعِيَّة قال النووي: (ومذهَبُنا أنَّه لا فَرْقَ بين أن يتبخَّر أو يجعَلَه في بَدَنِه أو ثوبِه، وسواءٌ كان الثوبُ مِمَّا ينفُضُ الطِّيبَ أم لم يكن، قال العبدري: وبه قال أكثرُ العلماء) ((المجموع)) (7/281). ، والحَنابِلَة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/429)، ويُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/280). ؛ وذلك لأنَّه يَصْدُقُ على من تبخَّرَ أنَّه تطيَّبَ؛ فالعودُ الذي يُتبخَّرُ به طِيبٌ ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/280)، ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/ 508).

انظر أيضا: