الموسوعة الفقهية

المبحث الأوَّل: أنواعُ محظوراتِ التَّرفُّهِ، وما يجبُ فيها


المَطْلَب الأوَّل: أنواعُ محظوراتِ التَّرفُّهِ
تشمل محظوراتُ الترفُّهِ خَمسةَ محظوراتٍ:
المحظورُ الأوَّل: حَلْقُ الشَّعْر
المحظورُ الثَّاني: تقليمُ الأظْفارِ
المحظورُ الثَّالِث: الطِّيبُ
المحظورُ الرَّابِع: تغطيةُ الرَّأسِ
المحظور الخامس: لُبْسُ المَخيطِ
المَطْلَب الثَّاني: ما يجبُ على من ارتكَبَ شيئًا مِن محظوراتِ الترفُّهِ
مَن حَلَق أو قلَّم أظفارَه أو غطَّى رأسَه أو تطَيَّبَ أو لَبِسَ مَخِيطًا، فإنَّه يجب عليه في كلِّ ذلك فِدْيَةُ الأذى، فيُخيَّرُ بين: صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ، أو إطعامِ سِتَّةِ مساكينَ- لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ- أو ذَبْحِ شاةٍ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهِيَّةِ الأربَعَة من: الحَنَفيَّة ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (2/56). ، والمالِكِيَّة ((الكافي)) لابن عَبْدِ البَرِّ (1/389). ، والشَّافِعِيَّة ((المجموع)) للنووي (7/368)، ويُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (4/227). ، والحَنابِلَة ((الإنصاف)) للمرداوي (3/360). ، وبه قال أكثرُ الفُقَهاء قال ابنُ عبدِ البرِّ: (لم يختلفِ الفقهاء أنَّ الإطعامَ لسِتَّة مساكين، وأنَّ الصيامَ ثلاثةُ أيَّامٍ، وأنَّ النُّسُكَ شاةٌ، على ما في حديثِ كَعْبَ بنِ عُجرَة) ((الاستذكار)) (4/385). وقال ابنُ حزم: (رُوِّيَنا عن ابن عباس, وعلقمة, ومجاهد, وإبراهيم النخعي, وقتادة, وطاووس, وعطاء, كلُّهم قال في فدية الأذى: صيامُ ثلاثة أيام, أو نَسْكُ شاةٍ, أو إطعامُ سِتَّةِ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ) ((المحلى)) (7/212)، وانظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/40).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
قولُه تعالى: وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ قال الشِّنْقيطيُّ: (هذه النصوصُ الصحيحةُ الصريحةُ مُبَيِّنةٌ غايةَ البيانِ آيةَ الفِدْية، موضِّحةٌ أنَّ الصيامَ المذكور في الآية ثلاثةَ أيامٍ، وأنَّ الصدقةَ فيها ثلاثَةُ آصُعٍ بينَ سِتَّةِ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وأنَّ النُّسُك فيها ما تيسَّرَ؛ شاةٌ فما فَوْقَها، وأنَّ ذلك على سبيل التخييرِ بين الثَّلاثة، كما هو نصُّ الآيةِ، والأحاديثِ المذكورة، وهذا لا ينبغي العدولُ عنه; لدلالةِ القرآنِ والسُّنة الصحيحة عليه) ((أضواء البيان)) (5/40). [ البقرة:196]
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عبدِ اللهِ بنِ مَعْقِل، قال: جلسْتُ إلى كعْبِ بنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه، فسألتُه عن الفِدْيَة، فقال: ((نزلت فيَّ خاصَّةً، وهي لكم عامَّةٌ؛ حُمِلتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسَلَّم والقَمْلُ يتناثَرُ على وجهي، فقال: ما كنتُ أُرَى الوجَعَ بَلَغَ بك ما أَرَى- أو ما كنتُ أُرى الجَهْدَ بلغَ بك ما أَرَى- تَجِدُ شاةً؟ فقُلْتُ: لا، فقال: فصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو أطعِمْ سِتَّةَ مساكينَ؛ لكُلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ )) رواه البخاري (1816) واللفظ له، ومسلم (1201).
المَطْلَب الثَّالِث: توزيعُ صَدَقَةِ فِدْيةِ الأذى على مساكينِ الحَرَمِ
يُشْتَرَط أن توزَّعَ صدقةُ فِدْيَةِ الأذى على مساكينِ الحَرَمِ، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّة ((روضة الطالبين)) للنووي (3/156). ، والحَنابِلَة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/452،46). ، واختاره الشِّنْقيطيُّ قال الشِّنْقيطيُّ: (التحقيقُ أنَّ الهدْيَ والإطعامَ يختصُّ بهما فقراءُ الحرَمِ المكي) ((أضواء البيان)) (5/173). ، وابنُ باز قال ابنُ باز: (يُوزَّع الهدْيُ على الفقراء والمساكين المقيمين في الحرَمِ من أهل مَكَّةَ وغَيْرِهم) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (16/156). ، وابن عُثيمين قال ابنُ عُثيمين: (وأما الهدْيُ فهو: ما يُهدَى إلى الحرم، من الإبِلِ والبَقَر والغَنَم، بمعنى أن يَبْعَثَ الإنسانُ بشيءٍ من الإبل، أو البقر، أو الغنم؛ تُذبحُ في مَكَّة، وتُوزَّع على فقراء الحَرَم، أو يَبْعَثَ بدراهِمَ ويُوَكِّلَ من يشتري بها هَدْيًا من إبلٍ أو بقرٍ أو غنم، ويُذبَح في مَكَّةَ ويُوزَّع على الفقراء) ((مجموع فتاوى ورسائل ابن عُثيمين)) (25/9).
الدَّليلُ مِنَ الكِتابِ:
قولُه تعالى: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: 95]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ في حُكْمِ الهَدْيِ ما كان بدلًا عنه من الإطعامِ، فيجب أن يكون كذلك بالِغَ الكعبةِ ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/460).
المَطْلَب الرَّابِع: موضِعُ صيامِ فِدْيَةِ الأذى وصِفَتُه
الفرع الأول: موضِعُ صيامِ فِدْيَةِ الأذى
يجوز صيامُ فِدْيَةِ الأذى في أيِّ موضعٍ.
الأدلة:
أولًا: من الإجماع
نقلَ الإجماعَ على ذلك: ابن جرير قال ابنُ جرير: (وأجمَعوا على أنَّ الصِّيام مجزئٌ عن الحالِقِ رأسَه من أذًى، حيثُ صامَ من البِلاد) ((تفسير ابن جرير)) (3/83). ، والعيني قال العينيُّ: (وقد اتَّفق العلماءُ في الصوم أنَّ له أن يفعلَه حيث شاء، لا يختصُّ ذلك بمكَّةَ ولا بالحرَم) ((عمدة القاري)) (10/154). ، والشنقيطي قال الشِّنْقيطيُّ: (ولا خلاف بين أَهْل العِلْم أنَّ صيامَ الفِدْيةِ له أن يصومَه حيث شاء) ((منسك الإمام الشِّنْقيطيِّ)) (2/277).
الفرع الثاني: صيام فدية الأذى مفرَّقًا ومتتابعًا
يجوز صيامُ فِدْيَةِ الأذى مُفرَّقًا ومُتتابِعًا، باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 453). (ويجوز في الصيام التتابع والتفرق لإطلاق اسم الصوم في النص) ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/187). ، والمالكية (فيجوز له فعل ما يزيل ضرورته من تغطية رأسه أو حلقه. "ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام": ولو متفرقة؛ لأن الضرورة إنما تسقط الإثم. "أو إطعام ستة مساكين") ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (1/51). ، والشافعية (لانه صوم نزل به القرآن مطلقا فجاز متفرقا ومتتابعا كالصوم في فدية الاذى) ((المجموع)) (18/120). ("قوله: أو صوم ثلاثة أيام" أي: ولو متفرقة اهـ. برماوي) ((حاشية الجمل على شرح المنهج)) (2/537). ، والحنابلة قال المرداوي: (لا يجب التتابع في هذا الصيام بلا نزاع أعلمه للآية) ((الإنصاف)) (3/362). (قوله: "أو يصوم... إلخ" ولا يجب تتابعه هنا) ((حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات)) (2/347).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
قوله تعالى: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: 196]
وجه الدلالة:
أنه أطلق اسْم الصَّوْمِ فِي النَّصِّ فدل على جواز التَّتَابُعُ وَالتَّفَرُّقُ ((بدائع الصنائع)) للكاساني (4/141).
ثانيًا: أن الأصل عدم التتابع فالله تعالى لما أراد التتابع قال: فصيام شهرين متتابعين [المجادلة: 4]، ولما أراد الإطلاق قال: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: 196] ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (15/168).
ثالثًا: أنَّ الصيامَ لا يتعدَّى نفعُه لأحدٍ؛ لذا لا يُقتَصَر على مكانٍ بِعَينِه ((الروض المربع)) للبهوتي (1/ 182).
المَطْلَب الخامِسُ: ارتكابُ محظوراتِ فِدْيةِ الأذى عَمْدًا
لا فَرْقَ في التخييرِ في فِديَة الأذى بين من ارتَكَبَ المحظورَ بعُذرٍ، أو كان عَمْدًا، وهذا مَذْهَبُ الجُمْهورِ: المالِكِيَّة ((الكافي)) لابن عَبْدِ البَرِّ (1/389). ، والشَّافِعِيَّة ((الحاوي الكبير)) للماوردي (4/227). ، والحَنابِلَة ((الإنصاف)) للمرداوي (3/360). ؛ وذلك لأنَّ الله تعالى أوجَبَ الفِدْيةَ على من حَلَقَ رأسَه لأذًى به وهو معذورٌ، فكان ذلك تنبيهًا على وُجوبِها على غيرِ المعذورِ ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/42).
المَطْلَب السَّادِسُ: فِعْلُ المحظوراتِ نِسْيانًا أو جَهْلًا أو إكراهًا
مَن فَعَلَ شيئًا من محظوراتِ الإحرامِ ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا فلا شيءَ عليه، سواءٌ كان صيدًا أو جِماعًا أو غَيْرَهما، وسواء كان فيه إتلافٌ أو لم يكُنْ، وهو مَذْهَبُ الظَّاهِريَّةِ ((القوانين الفقهية)) لابن جزي (ص: 93)، ((المحلى)) لابن حَزْم (7/189، 214، 255 رقم 855، 876، 895). ، وطائفةٍ مِنَ السَّلَف ((المحلى)) لابن حَزْم (7/215)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/263)، ((القوانين الفقهية)) لابن جزي (ص: 93). ، واختارَه ابنُ المُنْذِر ((الإشراف)) لابن المُنْذِر (3/227). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عُثيمين: (الصحيحُ أنَّ جميعها تسقُطُ، وأنَّ المعذورَ بجهلٍ أو نسيانٍ أو إكراهٍ لا يترتَّبُ على فعْلِه شيءٌ إطلاقًا، لا في الجماعِ، ولا في الصيدِ، ولا في التقليمِ، ولا في لُبْس المَخِيط، ولا في أيِّ شيءٍ) ((الشرح الممتع)) (7/198- 200).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
1- قَوْلُه تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: 286] ، فقال الله: ((قد فعلْتُ )) رواه مسلم (126) من حديث ابن عباس رَضِيَ اللهُ عنهما.
2- قَوْلُه تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب: 5]
3- قَوْلُه تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ [النحل: 106]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ الكُفْرَ إذا كان يسقُطُ مُوجِبُه بالإكراهِ، فما دونه من بابِ أَوْلى ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/194).
4- قَوْلُه تعالى في قَتْلِ الصَّيدِ: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: 95]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ قوله: مُتَعَمِّدًا وصفٌ مناسبٌ للحُكْمِ، فوجب أن يكون معتَبَرًا؛ لأنَّ الأوصافَ التي عُلِّقَتْ بها الأحكامُ إذا تبَيَّنَ مناسَبَتُها لها، صارت علةً موجِبةً، يوجد الحُكْمُ بوجودِها، وينتفي بانتفائِها، وإلَّا لم يكن للوَصْفِ فائدةٌ ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/196).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((أين الذي سأل عن العُمْرَةِ؟ فأُتِيَ برجل، فقال: اغسِلِ الطِّيبَ الذي بك ثلاثَ مرَّاتٍ، وانزِعْ عنك الجُبَّة، واصنَعْ في عُمْرَتِك كما تصنَعُ في حجَّتِك، قلتُ لعطاءٍ: أراد الإنقاءَ حين أمره أن يغْسِلَ ثلاثَ مرَّاتٍ؟ قال: نعم )) رواه البخاري (1536).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه لم يأمُرِ الرجُلَ الذي لَبِسَ الجبَّة وتضمَّخَ بالطِّيبِ بالكفَّارة؛ وذلك بسبَبِ جَهْلِه بالحُكْم، واكتفى بأمْرِه أن ينزِعَ الجبَّة، وأن يغسِلَ عنه أثَرَ الطِّيبِ ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (4/ 206)، ((البيان في مذهب الإمام الشافعي)) للعمراني (4/197).
2- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، عَنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّم أنَّه قال: ((إنَّ اللهَ وضع عن أمَّتي الخطَأَ والنِّسيانَ وما استُكْرِهوا عليه )) أخرجه ابن ماجه (2045) واللفظ له، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (8273). حسَّنه النووي في ((المجموع)) (6/521)، وابن تيميَّة في ((مجموع الفتاوى)) (7/685)، وابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/510)، وقال ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (1/90): رجاله على شرط الصحيحين، وله شاهد من القرآن، ومن طرق أخر، وقال ابن الملقن في ((شرح البخاري)) (25/267): ثابت على شرط الشيخين.
ثالثًا: مِنَ الآثارِ
عن قَبيصَةَ بن جابرٍ الأَسديِّ: (أنَّه سمِعَ عُمَرَ بنَ الخطَّاب, ومعه عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ, وعُمَرُ يسأل رجلًا قتلَ ظبْيًا وهو مُحْرِمٌ، فقال له عمر: أعَمْدًا قتلْتَه أم خطأً؟ قال الرجلُ: لقد تعمَّدْتُ رمْيَه، وما أردْتُ قَتْلَه, فقال عُمَرُ: ما أَراك إلَّا قد أشرَكْتَ بين العَمْدِ والخطأِ; اعمِدْ إلى شاةٍ فاذْبَحْها، وتصَدَّقْ بلَحْمِها وأسْقِ أي: أعْطِ جِلْدَها مَن يتَّخِذُه سِقاءً. ((النهاية)) لابن الأثير (2/ 381). إهابَها) رواه عبدالرزاق في ((المصنف)) (8240)، والطبري في ((تفسيره)) (12588) واللفظ له، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (6804). صَحَّح إسناده أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/733).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه لو كان العمْدُ والخطأُ في ذلك سواءً عند عمر؛ لَما سأَلَه (أعَمْدًا قتلْتَه أم خطأً؟)، وكان ذلك فضولًا من السُّؤالِ لا معنى له ((المحلى)) لابن حَزْم (7/214).
رابعًا: أنَّ الكفَّارة إنَّما تَجِبُ إذا وقعت الجنايةُ بارتكابِ المحظورِ؛ لفداءِ النَّفْسِ من المخالَفَةِ وللتَّكفيرِ عن الذَّنْبِ، ومع الجَهْلِ أو النسيانِ أو الإكراهِ لا جنايةَ؛ لأنَّهم لم يتعمَّدوا المخالَفةَ فلا معنى للكفَّارة ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/198- 200).
خامسًا: أنَّ ما سِوى هذا القَولِ ظاهِرُ الفسادِ والتَّناقُضِ، فما يُرَخِّصُ به أحدُهم في حالٍ، يمنَعُه الآخَرُ ((المحلى)) لابن حَزْم (7/256).
المَطْلَب السابع: تَكرارُ المحظورِ
الفرع الأوَّل: تَكرارُ محظورٍ مِن جنسٍ واحدٍ
إذا كرَّرَ محظورًا مِن جنسٍ واحدٍ، كلُبْسِ قَميصٍ، ولُبْسِ سراويلَ، ولم يَفْدِ فإنَّه يفدي مرةً واحدةً، أمَّا إنْ فدى عن الأَوَّلِ فعليه للثَّاني فِدْيَةٌ، وهو مَذْهَبُ الحَنابِلَة ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (3/116)، ويُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/342). ، وبه قال محمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشَّيبانيُّ من الحَنَفيَّة ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (3/32) ((حاشية ابن عابدين)) (2/545) ، وهو قَوْلُ الشَّافعي في القديمِ ((المجموع)) للنووي (7/382). وعند الشَّافِعِيَّة في الأصح: إن فعل ذلك المحظورَ متواليًا من غير تخلُّلِ تكفيرٍ؛ كفاه فديةٌ واحدةٌ، إذا لم يرتكِبِ المحظورَ في مكانين، أو كان في مكانٍ واحدٍ وتخلَّلَ زمان، فإن تخلَّلَ التكفيرُ وجب للثَّاني فديةٌ، وإلَّا فقولان: في الأصَحِّ الجديد تتعدَّد الفِدْية، وفي القديم تتداخَلُ. يُنْظَر: ((المجموع)) (7/382)، ((العزيز شرح الوجيز)) (3/ 490). ، واختارَه ابنُ باز ((مجموع فتاوى ابن باز)) (17/167). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عُثيمين: (إذا كرَّرَ الإنسانُ المحظور من جنسٍ واحدٍ، ففَعَلَه أكثرَ مِن مرَّةٍ ولم يَفْدِ، فإنَّه يفدي مرةً واحدةً، لكن بشرطِ ألَّا يؤخِّرَ الفِدْيةَ؛ لئلا تتكرَّرَ عليه، بحيث يفعَلُ المحظورَ مرةً أخرى، فيعاقَب بنقيضِ قَصْدِه، لئلا يتحَيَّل على إسقاطِ الواجب، مثاله: أن يُقَلِّمَ مرتين، أو يَلْبَس مَخِيطًا مرتين، أو يَحْلِق مرَّتين، أو يباشِرَ مرَّتين أو أكثر، وهو من جنسٍ واحدٍ، فإنَّ عليه فديةً واحدة إذا لم يَفْدِ؛ قياسًا على ما إذا تعدَّدَتْ أحداثٌ من جنسٍ واحد فيكفيه وضوءٌ واحدٌ) ((الشرح الممتع)) (7/190).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
قولُه تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: 196]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ اللهَ تعالى أوجَبَ لحَلْقِ الرَّأسِ فديةً واحدةً، ولم يُفَرِّقْ بين ما وقع في دَفعةٍ أو دفعاتٍ، ثمَّ إنَّ الحَلْقَ لا يكون إلَّا شيئًا بعد شيءٍ، فهو ارتكابُ محظوراتٍ متتاليةٍ من جنسٍ واحدٍ، ومع ذلك لم يُوجِبْ فيه إلَّا فديةً واحدةً ((الفروع)) لابن مفلح (5/536)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/556).
ثانيًا: أنَّ ما تداخَلَ متتابعًا، كحَلقِ شَعَراتٍ، تداخَلَ متَفَرِّقًا، كالأحداثِ والحُدودِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (3/116).
فإنْ كَفَّرَ عن الأوَّلِ ثمَّ ارتكبَ المحظورَ فإنَّه يلزَمُه فديةٌ أخرى؛ للآتي:
أوَّلًا: أنَّه بالمحظورِ الثَّاني صادف إحرامًا؛ فوجَبَتْ فيه الفِدْيةُ، كما وجَبَت على المحظورِ الأوَّلِ، وقياسًا على الحدودِ والأيمانِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (3/116).
ثانيًا: أنَّه لَمَّا كفَّرَ للأَوَّلِ فقد التحقَ المحظورُ الأوَّلُ بالعَدَم؛ فيُعتَبَر الثَّاني محظورًا آخَرَ مُبتدَأً، كما إذا جامَعَ في يومينِ مِن شَهرِ رَمضانَ ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/189).
الفرع الثَّاني: تَكرارُ محظورٍ مِن أجناسٍ مُختلفةٍ
إذا كرَّر محظورًا من أجناسٍ مختلفة؛ كطِيبٍ، ولُبسِ مَخِيطٍ، فإنَّه يَفْدي لكلِّ محظورٍ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهِيَّةِ الأربَعَةِ: الحَنَفيَّة ((الفتاوى الهندية)) (1/244)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/194). ، والمالِكِيَّة ((التاج والإكليل)) للمواق (3/168)، ويُنظر: ((المدونة الكبرى)) لسحنون (1/408). ، والشَّافِعِيَّة يُستَثنى حالةٌ واحدة فقط، وهي ما إذا لَبِسَ ثوبًا مطيَّبًا، ففيه وجهان عندهم، الصحيحُ المنصوص أنَّ فيه فديةٌ واحدة. ((المجموع)) للنووي (7/382)، ((روضة الطالبين)) للنووي (3/172). ، والحَنابِلَة ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (3/116)، ويُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/342).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّها محظوراتٌ مختلفةُ الأجناسِ، فلم تتداخَلْ أجزاؤُها؛ كالحدودِ المختلفةِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (3/117)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/557).
ثانيًا: أنَّ السَّببَ الموجِبَ للكفَّارة الثَّانية غيرُ عَيْنِ السَّبَبِ الموجِبِ للكفَّارةِ الأولى، أشْبَه ما لو حَلَف ثم حَنِثَ وكفَّر، ثم حلَفَ وحَنِثَ ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/458).
الفرع الثَّالِث: أن يكونَ المحظورُ صَيدًا
إذا كان المحظورُ صَيدًا، فإنَّ الفِديةَ تتعَدَّدُ بتعدُّدِ الصَّيدِ ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/342)، ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (3/116). ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهِيَّةِ الأربَعَةِ: الحَنَفيَّة الواجب عند الحَنَفيَّة في جزاءِ الصَّيدِ هو القِيمَة؛ ولذا فإنَّ تعدُّدَ الكفَّارة يظهر أثرُه عندهم على القيمة، ففي الصَّيْدين قيمَتُهما، وهكذا. ((العناية شرح الهداية)) للبابرتي (3/81)، ويُنظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (3/69). ، والمالِكِيَّة ((الكافي)) لابن عَبْدِ البَرِّ (1/394)، ويُنظر: ((المدونة الكبرى)) لسحنون (1/408). ، والشَّافِعِيَّة ((روضة الطالبين)) للنووي (3/170)، ((المجموع)) للنووي (7/382). ، والحَنابِلَة ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (3/117)، ويُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/342).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: 95]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ الآيةَ تدلُّ على أنَّ مَن قتل صيدًا لَزِمَه مِثْلُه, ومَن قَتلَ أكثَرَ لَزِمَه مِثلُ ذلك ((الفروع)) لابن مفلح (5/537).
ثانيًا: أنَّه لو قَتلَ أكثَرَ معًا تعدَّدَ الجزاءُ, فمُتَفَرِّقًا أَوْلى؛ لأنَّ حالَ التفريقِ ليس أنقَصَ كسائِرِ المحظوراتِ ((الفروع)) لابن مفلح (5/537).
ثالثًا: أنَّها كفَّارةُ قَتْلٍ, كقَتْلِ الآدميِّ, أو بدَل مُتْلَفٍ, كبَدلِ مالِ الآدميِّ؛ فتتعَدَّد ((الفروع)) لابن مفلح (5/537).

انظر أيضا: