الموسوعة الفقهية

المبحث الخامس: أحكامٌ متفرِّقةٌ


المطلب الأول: قضاءُ المُسافِرِ الأيَّامَ التي أفطَرَها
إذا أفطَرَ المسافِرُ وجب عليه قضاءُ ما أفطَرَه مِن أيَّامٍ.
الأدِلَّة:
أوَّلًا: من الكتاب
قوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184]
في قوله سبحانه: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ دليلٌ على وُجوبِ القَضاءِ عليه إذا أفطَرَ.
ثانيًا: من الإجماع
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ حَزمٍ قال ابنُ حزم: (واتَّفقوا أنَّ مَن أفطَرَ في سفرٍ أو مرضٍ، فعليه قضاءُ أيَّام عَدَد ما أفطَرَ، ما لم يأْتِ عليه رمضانُ آخَرُ). ((مراتب الإجماع)) (ص40)، ولم يتعقَّبه ابن تيميَّة في ((نقد مراتب الإجماع)). ، وابنُ رُشدٍ قال ابنُ رشد: (وأمَّا حُكمُ المسافِرِ إذا أفطَرَ، فهو القضاءُ باتِّفاق، وكذلك المريضُ؛ لِقَوله تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). ((بداية المجتهد)) (1/298). ، وابنُ قُدامةَ قال ابنُ قُدامة: (ويلزم المسافرَ والحائضَ والمريضَ القضاءُ، إذا أفطروا، بغير خِلافٍ). ((المغني)) (3/146). ، وابنُ حجر الهيتميُّ قال ابنُ حجر الهيتميُّ: ("وإذا أفطَر المسافرُ والمريض قضَيَا"؛ للآية، (وكذا الحائض) والنُّفَساء إجماعًا). ((تحفة المحتاج)) (3/432).
المطلب الثاني: حُكمُ فِطْرِ المُسافِرِ إذا دخل عليه شهرُ رَمَضانَ في سَفَرِه
إذا دخل على المسافِرِ شهرُ رَمَضانَ وهو في سفَرِه، فله الفِطْرُ.
الدليل من الإجماع:
نقل الإجماعَ على ذلك ابنُ حَزمٍ قال ابنُ حزم: (واتَّفقوا أنَّ مَن سافر السَّفَرَ الذي ذكَرْنا في كتاب الصَّلاةِ أنَّه إن قَصَر فيه أدَّى ما عليه، فأهَلَّ هِلالُ رَمَضانَ وهو في سَفَرِه ذلك؛ فإنَّه إن أفطر فيه؛ فلا إثمَ عليه) ((مراتب الإجماع)) لابن حزم (ص: 40)، ولم يتعقَّبه ابن تيميَّة في ((نقد مراتب الإجماع)). ، وابنُ قُدامةَ قال ابنُ قدامة: (فلا نعلَمُ بين أهل العِلمِ خلافًا في إباحةِ الفِطرِ له، أي: مَن دخل عليه شهرُ رَمَضانَ في السَّفَرِ.) ((المغني)) (3/116).
المطلب الثالث: إذا سافر أثناءَ الشَّهرِ ليلًا 
إذا سافر أثناءَ الشَّهرِ، وخرج مِن بلدَتِه قبل الفَجرِ، فله الفِطرُ في صبيحةِ اللَّيلةِ التي يخرُجُ فيها وما بَعدَها؛ باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّة قال السرخسي: (إذا أنشأ السَّفَرَ في رمضانَ، فله أن يترخَّصَ بالفِطرِ، وكان عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ كانا يقولانِ ذلك لِمَن أهَلَّ الهلالُ وهو مسافِرٌ، فأمَّا من أنشأ السَّفَرَ في رمضان، فليس له أن يُفطِرَ، والحديثُ الذي رَوَينا حُجَّةٌ) ((المبسوط)) (3/85)، وينظر: ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/303)، ((الاختيار لتعليل المختار)) لعبدالله الموصلي (1/134)، ((درر الحكام)) (1/203). ، والمالكيَّة   ((التاج والإكليل)) للمواق (2/444)، وينظر: ((شرح مختصر خليل للخرشي)) (2/260)، ((المنتقى)) للباجي (2/51). ، والشَّافِعيَّة ((المجموع)) للنووي (6/261)، وينظر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/423). ، والحَنابِلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/312)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (3/117)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (3/18). ، وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ قال ابن قدامة: (أن يسافر في أثناء الشَّهرِ ليلًا، فله الفِطرُ في صبيحةِ اللَّيلةِ التي يخرج فيها، وما بعدها. في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ) ((المغني)) (3/117). ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك قال النووي: (أن يبدأَ السَّفَرَ بالليلِ ويفارِقَ عُمرانَ البَلَدِ قبل الفَجرِ، فله الفِطرُ؛ بلا خلافٍ) ((المجموع)) (6/261)، وقال الباجي: (فإن خرج قبل الفَجرِ فلا خِلافَ أنَّه يجوزُ له الفِطرُ) ((المنتقى شرح الموطأ)) (2/ 51).
الدَّليل من الكتاب:
قولُه تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184]
وجه الدلالة:
أنَّه مُسافِرٌ، فأُبيح له الفِطرُ كما لو سافَرَ قبل الشَّهرِ، والآيةُ تناولتِ الأمرَ بالصَّومِ لِمَن شهِدَ الشَّهرَ كلَّه، وهذا لم يَشهَدْه كلَّه (( المغني)) لابن قدامة (3/117).
المطلب الرابع: حكمُ فِطرِ المُسافِرِ إذا سافَرَ أثناءَ نَهارِ رَمَضان
إذا سافَرَ أثناءَ نَهارِ رمَضانَ، وخرج من بلَدِه، فله أن يُفطِرَ، وهو مذهَبُ الحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي ( 3/205). ، وقَولُ المُزنيِّ من الشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي ( 6/261). ، وقولُ طائفةٍ مِنَ السَّلَفِ وهو قول عمرو بن شرحبيل والشعبي وإسحاق وداود أنه إذا سافر أثناء نهار رمضان فله أن يفطر. ((الإشراف)) لابن المنذر (3/144)، (المغني)) لابن قدامة (3/117). ، واختارَه ابنُ المُنذِر قال ابنُ المنذر: (واختلفوا في الوَقتِ الذي يُفطِرُ فيه الخارِجُ إلى السَّفَرِ، فقالت طائفة: يُفطِرُ مِن يَومِه إذا خرج مسافرًا، هذا قول عمرو بن شرحبيل، والشعبى. وقال أحمد: يُفطِرُ إذا برز عن البيوت...قال أبو بكر: قول أحمدَ صَحيحٌ) ((الإشراف)) (3/144)، ((المغني)) لابن قدامة (3/117). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عُثيمين: (والصَّحيحُ أنَّ له أن يُفطِرَ إذا سافَرَ في أثناءِ اليَومِ) ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (6/346). وقال: (ولكن هل يُشتَرَط أن يُفارِقَ قَريَتَه، إذا عزم على السَّفَرِ وارتَحَل، فهل له أن يُفطِرَ؟ الجواب: في هذا أيضًا قولان عن السَّلَف: ذهب بعضُ أهلِ العِلمِ إلى جوازِ الفِطرِ إذا تأهَّبَ للسَّفَرِ ولم يَبقَ عليه إلَّا أن يركَبَ... فالصَّحيحُ أنَّه لا يُفطِرُ حتى يفارِقَ القرية، ولذلك لا يجوزُ أن يقصُرَ الصَّلاةَ حتى يخرُجَ مِنَ البَلَدِ؛ فكذلك لا يجوزُ أن يُفطِرَ حتى يخرُجَ مِنَ البَلَدِ) ((الشرح الممتع)) (6/347).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: من الكتاب
عمومُ قَولِه تعالى: وَمَنْ كَانَ مرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 185]
وجه الدلالة:
1- أنَّ مَن كان مريضًا أو على سَفَرٍ فأفطَرَ، فعِدَّةٌ مِن أيَّامٍ أُخَرَ، وهذا قد صار على سَفَرٍ؛ فيصدُقُ عليه أنَّه مِمَّن رُخِّصَ له بالفِطرِ، فيُفطِر ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (6/345).
2- كما أنَّ السَّفَر أحدُ الأمرَينِ المنصوصِ عليهما في إباحةِ الفِطرِ بهما، فكما يُبيحُ المَرَضُ الفِطرَ أثناءَ النَّهارِ، فكذلك السَّفَرُ ((المغني)) لابن قدامة (3/117).
المطلب الخامس: حُكمُ إمساكِ بقيَّةِ اليومِ إذا قَدِمَ المُسافِرُ أثناءَ النَّهارِ مُفطرًا
إذا قَدِمَ المسافِرُ أثناءَ النَّهارِ مُفطرًا، فقد اختلف أهلُ العِلمِ في إمساكِه بقيَّةَ اليومِ، على قولين:
القول الأول: لا يجِبُ عليه إمساكُ بقيَّةِ النَّهار ولاينبغي له أن يُعلِن أكْلَه ولا شُربَه؛ لخفاء سبب الفِطر؛ كيلا يُساءَ به الظنُّ، أو يُقتدَى به. ((الأم)) للشافعي (2/111). ، وهو مذهب المالكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (3/301)، وينظر: ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (1/43). ، والشَّافِعيَّة ((المجموع)) للنووي (6/262). ، وروايةٌ عند الحَنابِلة ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (3/15). ، وهو اختيارُ ابنِ عُثيمين ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (6/335-336).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّه لا دليلَ على وُجوبِ الإمساكِ.
ثانيًا: أنَّه لا يستفيدُ مِن هذا الإمساكِ شيئًا لوُجوبِ القَضاءِ عليه ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (6/335).
ثالثًا: لأنَّ حُرمةَ الزَّمَنِ قد زالَتْ بفِطْرِه المُباحِ له أوَّلَ النَّهارِ ظاهرًا وباطنًا، فإذا أفطَرَ كان له أن يستديمَه إلى آخِرِ النَّهارِ، كما لو دام العُذرُ ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (6/335).
القول الثاني: يلزَمُه الإمساكُ، وهو مذهب الحَنَفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/311)، وينظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/363). ، والحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (3/200 - 201). ، ووجهٌ عند الشَّافِعيَّة ((روضة الطالبين)) للنووي (2/372). وطائفةٍ مِنَ السَّلَفِ قال ابنُ قدامة: (وهو قول أبي حنيفة, والثوري, والأوزاعي, والحسن بن صالح, والعنبري) ((المغني)) (3/ 145، 146). ، وهو اختيارُ ابنِ باز قال ابنُ باز: (المسافِرُ إذا قَدِمَ في أثناءِ النَّهارِ في رمضان إلى بلده؛ فإنَّ عليه الإمساكَ في أصحِّ قَولَيِ العُلَماءِ؛ لِزَوالِ حُكمِ السَّفَرِ) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/193).
وذلك لأنَّ المُسافِرَ صار من أهلِ الوُجوبِ حين قُدومِه؛ فيُمسِكُ تشبهًا بالصَّائِمين، وقضاءً لحقِّ الوقتِ ((درر الحكام)) لملا خسرو (1/205).
المطلب السادس: حُكمُ فِطرِ المسافِرِ إذا كان سَفَرُه بوسائِلِ النَّقلِ المُريحةِ
يُباحُ الإفطارُ للمُسافِرِ، ولو كان سَفَرُه بوسائِلِ النَّقلِ المريحة، سواءٌ وجَدَ مشقَّةً أو لم يجِدْها.
الدَّليل من الإجماعِ:
نقل الإجماعَ على ذلك: ابنُ تيميَّة قال ابنُ تيمية: (ويجوزُ الفِطرُ للمُسافِرِ باتِّفاقِ الأمَّةِ، سواءٌ كان قادرًا على الصِّيامِ أو عاجزًا، وسواءٌ شَقَّ عليه الصَّومُ أو لم يشُقَّ؛ بحيث لو كان مسافرًا في الظِّلِّ والماءِ ومعه مَن يَخدمُه جاز له الفِطرُ والقَصرُ)) ((مجموع الفتاوى)) (25/210) وانظر ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/235).

انظر أيضا: