الموسوعة الفقهية

المبحث الأول: الإسلام


تمهيد
يُشتَرَطُ الإسلامُ في وجوبِ الصَّومِ، وصِحَّتِه؛ فلا يجبُ الصَّومُ على الكافِرِ، ولا يصحُّ منه إنْ أتَى به؛ نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ حزمٍ قال ابنُ حزم: (اتَّفقوا على أنَّ صيامَ نَهارِ رَمَضانَ على: الصَّحيحِ، المُقيمِ، العاقِلِ، البالِغِ الذي يعلَمُ أنَّه رمضانُ، وقد بلَغَه وجوبُ صِيامِه، وهو مُسلِمٌ). ((مراتب الإجماع)) (ص 39)، وانظر ((المحلى)) لابن حزم (6/160)، ولم يتعقَّبه ابن تيميَّة في ((نقد مراتب الإجماع)). وقال: (فمِن الفَرضِ صيامُ شَهرِ رَمَضانَ، الذي بين شعبان، وشوَّال؛ فهو فَرضٌ على كلِّ مسلمٍ، عاقلٍ، بالغٍ، صحيحٍ، مقيمٍ، حرًّا كان أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، إلَّا الحائِضَ والنُّفَساء، فلا يصومان أيامَ حَيضِهما ألبتةَ، ولا أيامَ نِفَاسِهما، ويقضيانِ صيامَ تلك الأيَّامِ، وهذا كلُّه فرضٌ متيقَّنٌ مِن جميعِ أهلِ الإسلامِ). ((المحلى بالآثار)) (4/285). ، والكاسانيُّ قال الكاسانيُّ: (فمنها الإسلامُ، فلا يجِبُ الصَّومُ على الكافِرِ في حقِّ أحكامِ الدنيا، بلا خلافٍ، حتى لا يُخاطَبَ بالقضاءِ بعدَ الإسلامِ). ((بدائع الصنائع)) (2/87). ، والزيلعيُّ قال الزيلعيُّ: (وجودُ الإيمانِ شرْطٌ لصحَّةِ سائِرِ العباداتِ، بلا خلافٍ). ((تبيين الحقائق)) (2/5). ، ومحمَّدُ ابنُ مُفلح قال ابنُ مفلح: (صومُ رَمَضانَ فرضٌ على كلِّ مسلم بالِغٍ، عاقلٍ، قادرٍ، مقيمٍ "ع" [إجماع]). ((الفروع)) (4/428). ، وإبراهيمُ ابنُ مُفلح قال برهان الدين ابن مُفلح: (ولا يجِبُ الصَّومُ إلَّا على المسلِمِ البالِغِ، العاقِلِ، القادِرِ على الصَّومِ، إجماعًا). ((المبدع)) (2/414). ، وابنُ حَجر الهيتميُّ قال ابنُ حجر الهيتميُّ: ("شَرْط" صحَّةِ (الصَّوم) من حيث الزَّمنُ قابليةُ الوَقتِ، ومن حيث الفاعلُ (الإسلام)، فلا يصحُّ صومُ كافرٍ بأيِّ كفرٍ كان، إجماعًا). ((تحفة المحتاج)) (3/413).
المطلب الأول: إسلامُ الكافِرِ الأصليِّ (غيرِ المُرتَدِّ)
الفرع الأول: حُكْمُ قَضاءِ الكافِرِ الأصليِّ- إذا أسلَمَ- ما فاتَه مِنَ الصِّيامِ الواجِبِ زَمَنَ كُفرِه
إذا أسلَمَ الكافِرُ الأصليُّ (أي غيرُ المرتَدِّ)، فلا يلزَمُه قضاءُ ما فاتَه مِنَ الصِّيامِ الواجِبِ زَمَنَ كُفرِه، وذلك في الجُملةِ.
الأدِلَّة:
أوَّلًا: من الكتاب
قولُه تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ قال النوويُّ: (فإن أسلَمَ لم يجِبْ عليه القضاءُ؛ لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ؛ ولأنَّ في إيجابِ قَضاءِ ما فات في حالِ الكُفرِ تنفيرًا عن الإسلامِ) ((المجموع)) (6/252). [الأنفال: 38]
ثانيًا: منَ السُّنَّة
1- عن عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((فلَمَّا جعل اللهُ الإسلامَ في قلبي، أتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ: ابسُطْ يمينَك فَلْأبايِعْك، فبَسَطَ يمينَه. قال عمرٌو: فقبَضْتُ يدي. قال: ما لكَ يا عمرُو؟ قلت: أردْتُ أن أشتَرِطَ. قال: تشتَرِطُ بماذا؟ قلتُ: أن يُغفَرَ لي. قال: أمَا عَلِمْتَ أنَّ الإسلامَ يَهدِمُ ما كان قَبلَه؟ )) رواه مسلم (121).
2- وقد تواتَرَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه كان لا يأمُرُ مَن أسلَمَ بقَضاءِ ما فاتَه مِن الواجباتِ ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (6/322).
ثالثًا: من الإجماعِ
نقَل الإجماعَ ووقَع الخلافُ فيما لو أسلم أثناءَ الشَّهر كما سيأتي. على ذلك: ابنُ تيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (لا يَقضي الكافِرُ إذا أسلم، ما تَرك حالَ الكُفرِ باتِّفاق العُلَماء). ((مجموع الفتاوى)) (22/46). ، وابنُ حجرٍ الهيتميُّ قال ابنُ حجر الهيتميُّ: ("ويجِبُ قضاء ما فات" مِن رمضانَ (بالإغماء)؛ لأنَّه نوعُ مرضٍ، وفارَق الصلاةَ بمشقَّة تكرُّرها، (والردَّة)؛ لأنَّه التزم الوجوبَ بالإسلامِ (دون الكُفر الأصلي)، إجماعًا، وترغيبًا في الإسلام). ((تحفة المحتاج)) (3/432). ، والشِّربينيُّ قال الشربيني: ("والرِّدَّة"، أي: يجب قضاءُ ما فات بها إذا عاد إلى الإسلامِ؛ لأنَّه التزم الوجوبَ بالإسلامِ، وقدَر على الأداءِ، فهو كالمُحدِث يجِبُ عليه أن يتطهَّرَ ويصلِّيَ، وكذا يجب على السَّكران قضاءُ ما فات به (دون الكُفْرِ الأصلي) بالإجماع؛ لِمَا في وجوبه مِن التنفيرِ عن الإسلام). ((مغني المحتاج)) (1/437).
الفرع الثاني: حُكْمُ قضاءِ الكافِرِ ما فاتَه مِن شَهرِ رَمضانَ إذا أسلَمَ أثناءَ الشَّهرِ
إذا أسلَمَ الكافِرُ أثناءَ شَهرِ رمَضانَ؛ فلا يلزَمُه قضاءُ الأيَّامِ الماضِيَةِ مِن رمضانَ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ قال القرطبي: (وقد اختلف العُلَماءُ في الكافِرِ يُسلِمُ في آخِرِ يومٍ مِن رَمَضانَ، هل يجِبُ عليه قضاءُ رمضانَ كُلَّه أو لا؟ وهل يجِبُ عليه قضاءُ اليَومِ الذي أسلَمَ فيه؟ فقال الإمام مالكٌ والجمهور: ليس عليه قضاءُ ما مضى، لأنَّه إنَّما شَهِدَ الشَّهرَ مِن حين إسلامِه) ((تفسير القرطبي)) (2/300). وقال المرداوي: (لو أسلم الكافِرُ الأصليُّ في أثناءِ الشَّهرِ لم يلزَمْه قضاءُ ما سبق منه، بلا خلافٍ عند الأئمَّةِ الأربعةِ) ((الإنصاف)) (3/282). : الحَنَفيَّة ((المبسوط)) للسرخسي (3/74)، ((الهداية)) للمرغيناني (1/127- 128). ، والمالكيَّة ((التاج والإكليل)) للمواق (2/413)، وينظر: ((الذخيرة)) للقرافي (2/495). والأصحِّ عند الشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (6/252). ، ومذهَب الحَنابِلة ((الفروع)) لابن مفلح (4/429)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (3/162). قال ابنُ قدامة: (وبهذا قال الشعبيُّ وقتادةُ، ومالكٌ والأوزاعيُّ، والشَّافعيُّ وأبو ثورٍ، وأصحابُ الرأي) ((المغني)) (3/ 162). ، وقالت به طائفةٌ مِنَ السَّلَفِ نقلَ ابنُ المنذِرِ هذا القَولَ عن: الشعبيِّ وقتادةَ، ومالكٍ والشَّافعيِّ وأبي ثورٍ، وأصحاب الرأي. ((الإشراف)) (3/137).
الأدلَّةُ:
أولًا مِنَ الكتاب
قولُه تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38]
ثانيًا: لأنَّه لا يُوجَّهُ إليه الأمرُ بالصِّيامِ حِينَها، فلم يكُنْ مِن أهلِ وُجوبِ الصِّيامِ، وعليه فلا يلزَمُه قضاؤه ((مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين)) (19/ 97).
ثالثًا: أنها عبادة انقضت في حال كفره، فلم يجب قضاؤه، كالرمضان الماضي ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (3/ 15).
الفرع الثالث: صومُ الكافِرِ لِما بَقِيَ مِن أيَّامِ شَهرِ رَمضانَ إذا أسلَمَ أثناءَه
إذا أسلَمَ الكافِرُ في أثناءِ شَهرِ رَمَضانَ، فعليه أن يصومَ ما بَقِيَ مِنَ الشَّهرِ
الدَّليل من الإجماعِ:
نقل الإجماعَ على ذلك: ابنُ قدامةَ قال ابنُ قُدامة: (وإذا أسلَمَ الكافرُ في شَهرِ رمضان، صام ما يَستقبِلُ مِن بقيَّةِ شَهرِه، أمَّا صومُ ما يَستقبِلُه مِن بقيَّةِ شَهرِه، فلا خلافَ فيه). ((المغني)) (3/162). ، والشَّوكانيُّ قال الشَّوكاني: (وجوبُ الصِّيامِ على مَن أسلَمَ في رمضانَ، ولا أعلَمُ فيه خلافًا). ((نيل الأوطار)) (4/237).
الفرع الرابع: حُكْمُ إمساكِ الكافِرِ في باقي اليومِ الذي يُسلِمُ فيه وقَضائِه
المسألة الأولى: حُكْمُ إمساكِ الكافِرِ في باقي اليومِ الذي يُسلِمُ فيه
إذا أسلمَ الكافِرُ أثناءَ يَومٍ مِنْ رَمَضانَ؛ فإنَّه يلزَمُه إمساكُ بقيَّةِ اليَومِ، وهو مذهَبُ الحَنَفيَّة ((المبسوط)) للسرخسي (3/74)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/339). ، والحنابلة ((الإنصاف)) للمرداوي (3/200)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (3/162). ، وقول للمالكية ((المنتقى)) للباجي (2/67)، ((التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب)) (2/390)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (3/327). ، ووجه للشافعية ((فتح العزيز بشرح الوجيز)) للرافعي (6/437)، (((نهاية المحتاج)) للرملي (3/188). ، وهو اختيار ابنِ تيميَّةَ ((مجموع الفتاوى)) (25/109)، ((الإنصاف)) للمرداوي (3/200). ، والشوكاني قال الشوكاني: (والحديث الثاني: فيه دليلٌ على أنَّه يجِبُ الإمساكُ على من أسلَمَ في نهار رمضانَ، ويَلحَقُ به من تكلَّفَ أو أفاق مِن الُجنون أو زال عنه عُذرُه المانِعُ مِن الصَّومِ) ((نيل الأوطار)) (4/237). ، وابنِ عُثيمين قال ابنُ عُثيمين: (يلزَمُه أن يُمسِكَ بقيَّةَ اليومِ الذي أسلَمَ فيه؛ لأنَّه صار الآن مِن أهل الوجوبِ فلَزِمَه، وهذا بخلافِ ارتفاعِ المانِعِ؛ فإنه إذا ارتفَعَ المانِعُ، لم يلزَمْ إمساكُ بقيَّةِ اليوم، مثل أن تطهُرَ المرأةُ مِن حَيضِها في أثناءِ النَّهارِ؛ فإنَّه لا يلزَمُها أن تُمسِكَ بقيَّة النهار، وكذلك لو برأ المريضُ المُفطِرُ مِن مَرَضِه في أثناء النهار، فإنَّه لا يلزَمُه الإمساكُ؛ لأنَّ هذا اليوم قد أبيحَ له فِطرُه، مع كونِه من أهل الالتزامِ، أي مسلمًا، بخلاف الذي طرأ إسلامُه في أثناءِ النَّهارِ؛ فإنَّه يلزَمُه الإمساكُ، ولا يلزَمُه القضاءُ) ((مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين)) (19/97).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتابِ
عمومُ قَولِه تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185]
وجهُ الدَّلالةِ:
 أن الكافِرَ بإسلامِه صار مِن أهلِ الشَّهادةِ للشَّهرِ، فوجَبَ عليه الإمساكُ ينظر: ((شرح مختصر الطحاوي)) للجصاص (2/447)، ((الحاوي الكبير)) للماوردي (3/462).  
ثانيًا: مِن السُّنَّةِ
عن سلمَةَ بنِ الأكوعِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((أمَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجلًا مِن أسلَمَ أنْ أذِّنْ في النَّاسِ أنَّ مَن كان أكَلَ فلْيَصُمْ بقيَّةَ يَومِه، ومَن لم يكُنْ أكَلَ فلْيَصُمْ؛ فإنَّ اليَومَ يومُ عاشوراءَ )) رواه البخاري (2007)، ومسلم (1135).
وجه الدلالة:
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَرَ الصَّحابةَ رضِيَ اللهُ عنهم بالإمساكِ نهارًا، ولم يأمُرْهم بالقضاءِ، وذلك لَمَّا أوجَبَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ صَومَ يَومِ عاشوراءَ في أوَّلِ الأمرِ.
ثالثًا: لَزِمَه الإمساكُ بقيَّةَ اليَومِ؛ لأنَّه صار من أهلِ الوُجوبِ حينَ إسلامِه فلَزِمَه الصَّومُ، فيُمسِك تشبُّهًا بالصَّائِمينَ، قضاءً لحَقِّ الوقتِ بالتشَبُّه ((مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين)) (19/97)، وينظر: ((المبسوط)) للسرخسي (3/144)، ((الهداية)) للمرغيناني (1/127).
رابعًا: أنَّه أدرَكَ جُزءًا من وقتِ العبادةِ فلَزِمَتْه، كما لو أدرَكَ جزءًا مِن وقتِ الصَّلاةِ ((المغني)) لابن قدامة (3/162).
المسألة الثانية: حُكْمُ قضاء الكافِرِ لليومِ الذي يُسلِمُ فيه
إذا أسلمَ الكافِرُ أثناءَ يَومٍ مِنْ رَمَضانَ؛ فلا يجِبُ عليه قضاؤُه، وهو مذهَبُ الحَنَفيَّة ((المبسوط)) للسرخسي (3/74)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/339). ، والمالكية ((مواهب الجليل)) للحطاب (3/327)، وينظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/242). إلا أن المالكية يستحب عندهم القضاء. ، والصَّحيحُ من مذهب الشَّافعية ((روضة الطالبين)) للنووي (2/373)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/438). ، وروايةٌ عن أحمد ((المغني)) لابن قدامة (3/162). واختاره ابنُ المنذر قال ابن المنذر: (واختلفوا في قضاءِ اليوم الذي يُسلِمُ فيه الكافرُ، فكان مالك، وأبو ثور، لا يوجِبانِ عليه قضاءً، ويستحبَّانِ لو فعَلَ ذلك. وقال الماجشون: يَكُفُّ عن الأكلِ في ذلك اليومِ ويَقضيه. وقال أحمد، وإسحاق: مِثله. قال أبو بكر: ليس عليه أن يقضِيَ ما مضى من الشَّهرِ، ولا ذلك اليومَ) ((الإشراف)) (3/138). ، وابنُ حزم قال ابن حزم: (ومن أسلَمَ بعدما تبيَّنَ الفَجرُ له، أو بلَغَ كذلك... ولا قضاءَ على مَن أسلم، أو بلغ؛ وتقضي الحائِضُ، والمُفيقُ، والقادِمُ، والنُّفَساءُ... وأمَّا من رأى القضاءَ في ذلك [اليوم] على من أسلم؟ فقولٌ لا دليلَ على صحَّتِه، ولقد كان يلزَمُ مَن رأى نيَّةً واحدةً تُجزئُ للشَّهرِ كلِّه في الصَّومِ أن يقول بهذا القَولِ، وإلَّا فهم مُتناقِضونَ) ((المحلى)) (4/383). ، وابنُ تيميَّةَ ((مجموع الفتاوى)) (25/109)، ((الإنصاف)) للمرداوي (3/200). ، وابنُ عُثيمين ((مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين)) (19/97).
الأدلَّة:
أولًا: مِن السُّنَّةِ
عن سلمَةَ بنِ الأكوعِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((أمَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجلًا مِن أسلَمَ أنْ أذِّنْ في النَّاسِ أنَّ مَن كان أكَلَ فلْيَصُمْ بقيَّةَ يَومِه، ومَن لم يكُنْ أكَلَ فلْيَصُمْ؛ فإنَّ اليَومَ يومُ عاشوراءَ )) رواه البخاري (2007)، ومسلم (1135).
وجه الدلالة:
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَرَ الصَّحابةَ رضِيَ اللهُ عنهم بالإمساكِ نهارًا، ولم يأمُرْهم بالقضاءِ، وذلك لَمَّا أوجَبَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ صَومَ يَومِ عاشوراءَ في أوَّلِ الأمرِ.
ثانيًا: لم يجِبْ عليه قضاؤُه؛ لانعدامِ أهليَّةِ العِبادةِ في أوَّلِ النَّهار؛ حيث لم يكُن من أهلِ الوجوبِ؛ ولأنَّ الصَّومَ لا يتجَزَّأ، فإذا لم يجِبِ البَعضُ لم يجِبِ الباقي، فما دام أنَّه في أوَّلِ النَّهارِ ليس أهلًا للوُجوبِ، فليس أهلًا للوُجوبِ في آخِرِه، فلا يجِبُ عليه القَضاءُ ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/339)، ((المغني)) لابن قدامة (3/ 162).
المطلب الثاني: إسلامُ الكافِرِ المُرتَدِّ
الفرع الأوَّلُ: حُكمُ قَضاءِ المُرتَدِّ للصَومِ الفائِتِ زَمَنَ رِدَّتِه إذا أسَلَم
إذا أسلَمَ المرتَدُّ، فليس عليه قضاءُ ما ترَكَه من الصَّومِ زَمَنَ رِدَّتِه، وهو مذهَبُ الجُمهورِ: الحَنَفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (5/137)، ((الفتاوى الهندية)) (1/121). ، والمالكيَّة ((الكافي)) لابن عبد البر (2/1090). ، والحَنابِلة قال المرداوي: (وإن كان مرتدًّا فالصحيحُ مِنَ المذهَبِ أنَّه يقضي ما تركَه قبل رِدَّتِه ولا يقضي ما فاتَه زَمَن رِدَّتِه) ((الإنصاف)) (1/391).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب
قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38]
فإنَّ الآيةَ تتناوَلُ كُلَّ كافِرٍ، سواءٌ كان أصليًّا أم مرتدًّا قال ابنُ تيمية: (قولُه تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ يتناوَلُ كلَّ كافرٍ) ((الفتاوى الكبرى)) (2/23).
ثانيًا: مِن السُّنَّةِ
1- عن عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ الله عنه قال: ((فلَمَّا جعل اللهُ الإسلامَ في قلبي، أتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ: ابسُطْ يمينَك فَلْأبايِعْك، فبَسَطَ يمينَه. قال عمرو: فقبَضْتُ يدي. قال: ما لكَ يا عمرُو؟ قلت: أردْتُ أن أشتَرِطَ. قال: تشتَرِطُ بماذا؟ قلتُ: أن يُغفَرَ لي. قال: أمَا عَلِمْتَ أنَّ الإسلامَ يَهدِمُ ما كان قَبلَه؟ )) رواه مسلم (121).
ثالثًا: فِعلُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم
فالصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم لم يأمُرُوا مَن أسلَمَ مِنَ المُرتدِّينَ في زمَنِ أبي بكرٍ الصِّديقِ رَضِيَ الله عنه، بقضاءِ ما تركوا مِنَ الصَّومِ، وهم أعلَمُ النَّاسِ بشريعةِ اللهِ بعد نَبِيِّهم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ((مجموع فتاوى ابن باز)) (28/223).
رابعًا: لأنَّ في إلزامِه بقضاءِ ما ترك تنفيرًا له مِنَ العودةِ إلى الإسلامِ ((مجموع فتاوى ابن باز)) (28/223).
خامسًا: لأنَّه لا يجِبُ عليه شيءٌ مِنَ العباداتِ؛ لِعَدَمِ خطابِ الكُفَّارِ بالشَّرائِعِ، فلا يقضي ما فاتَه زَمَنَ رِدَّتِه بعد إسلامِه ((البحر الرائق)) لابن نجيم (5/137).
الفرع الثاني: قضاءُ المُرتَدِّ ما عليه مِنَ الصَّومِ قبلَ رِدَّتِه إذا أسلَمَ
إذا أسلَمَ المرتَدُّ، وعليه صومٌ قَبلَ رِدَّتِه؛ فإنَّه يجِبُ عليه القَضاءُ، وهو مذهَبُ الجُمهورِ: الحَنَفيَّة ((حاشية ابن عابدين)) (4/251). ، والشَّافِعيَّة ((المجموع)) للنووي (3/5)، وينظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (3/443). ، والحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (1/278)، ((الفروع)) لابن مفلح (1/401). ؛ وذلك لأنَّه تَرَكَ الصَّومَ زَمَنَ الإسلامِ، فكان مَعصيَةً، والمعصيةُ تبقى بعد الرِّدَّةِ، ويبقى في ذِمَّتِه القضاءُ ((البحر الرائق)) لابن نجيم (5/137).
الفرع الثالث: حُكْمُ مَنِ ارتَدَّ أثناءَ صَومِه
مَنِ ارتَدَّ في أثناءِ الصَّومِ، بَطَلَ صَومُه، وعليه قضاءُ ذلك اليومِ إذا أسلَمَ؛ نصَّ على ذلك الشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (6/347). ، والحَنابِلةُ ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/308). ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك قال ابنُ قدامة: (لا نعلَمُ بين أهلِ العِلمِ خلافًا في أنَّ مَنِ ارتَدَّ عَنِ الإسلامِ في أثناءِ الصَّومِ، أنَّه يَفسُدُ صَومُه، وعليه قضاءُ ذلك اليوم، إذا عاد إلى الإسلامِ، سواءٌ أسلَمَ في أثناءِ اليومِ، أو بعدَ انقضائِه) ((المغني)) (3/24). وقال النووي: (لو حاضَت في بعضِ النَّهارِ أو ارتَدَّ؛ بطَلَ صَومُهما بلا خلافٍ) ((المجموع)) (6/347).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّ الصَّومَ عِبادةٌ مِن شَرطِها النيَّةُ، فأبطَلَتْها الرِّدَّةُ ((المغني)) لابن قدامة (3/ 133).
ثانيًا: لأنَّ المُرتَدَّ كان مِن أهلِ الوُجوبِ حين تعيَّنَ الإمساكُ؛ لذلك كانَ عليه القَضاءُ إذا أسلَمَ ((المغني)) لابن قدامة (3/36). ،كالصَّلاة يُدرِكُ جزءًا مِن وَقتِها ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/308).

انظر أيضا: