الموسوعة الفقهية

المبحث الخامس: ما يُشْترطُ وما لا يُشْترطُ في زكاةِ الخُلَطاء


المطلب الأوَّل: كونُ الخَليطين أهلًا للزَّكاة
يُشتَرَطُ أن يكون الخليطانِ مِن أهل الزَّكاة، أي: يكونا حُرَّينِ مُسلِمَينِ؛ نصَّ على هذا الجمهورُ: المالكيَّة ((منح الجليل)) لعليش (2/ 17)، ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/157). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (5/432-434). ، والحَنابِلَة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/ 196)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/456). ؛ وذلك لأنَّ مخالطةَ مَن ليس مِن أهلِ الزَّكاةِ كالمعدوم قال ابنُ عُثيمين: (لو اختلط مسلمٌ، ومَن ليس من أهلِ الزَّكاة- كالكافر- خُلطةَ أوصافٍ، فالزَّكاةُ على المسلِم في نصيبِه إذا بلغ نِصابًا؛ لأنَّ مخالطةَ مَن ليس من أهلِ الزَّكاة كالمعدوم) ((الشرح الممتع)) (6/66).
المطلب الثاني: مضيُّ حولٍ كاملٍ على الخُلطةِ
يُشتَرَطُ أن يمضِيَ حوْلٌ كامِلٌ على الخُلطةِ، وهذا مذهَبُ الشافعيَّة ((روضة الطالبين)) للنووي (2/171)، ((المجموع)) للنووي (5/432). ، والحَنابِلَة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/196)، ويُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (2/534). ، وبه أفتتِ اللَّجنةُ الدَّائمة في فتاوى اللَّجنة الدَّائمة: (أن يستمرَّ الاختلاطُ حولًا كاملًا، فلا تُؤخَذُ الخُلطة فيما دون الحَوْلِ، إجماعًا). ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة – المجموعة الثانية)) (8/14). ، وبه قال ابنُ عُثيمين قال ابنُ عُثيمين: (يُشتَرَط في الخلطة أن تكون كلَّ الحَوْلِ أو أكثَرَه، كالسَّوم) ((الشرح الممتع)) (6/64). ؛ وذلك لأنَّ الخُلطةَ معنًى يتعلَّقُ به إيجابُ الزَّكاة، فاعتُبِرَت في جميعِ الحَوْلِ كالنِّصاب ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (2/534)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/196).
المطلب الثالث: هل تُشَتَرط نيَّةُ الخُلطة؟
اختلف أهلُ العِلم في اشتراطِ نيَّةِ الخُلطةِ على قولين:
القول الأوّل: لا تُشتَرَط نيَّةُ الخُلطة، وهذا مذهَبُ الشافعيَّة على الأصحِّ ((المجموع)) للنووي (5/434، 436)، ويُنظر: ((البيان)) للعمراني (3/212). ، والحَنابِلَة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/198)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/456). ، وبه قال أشهَبُ من المالكيَّة ((الذخيرة)) للقرافي (3/130).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ الخُلطةَ إنما تؤثِّرُ مِن جهة خفَّةِ المَؤُونة باتِّحادِ المَرافِق، واقتسامِ المَؤُونة، وذلك لا يختلِفُ بالقَصدِ وعَدَمِه ((المجموع)) للنووي (5/434)، ((حاشيتا قليوبي وعميرة)) (2/15).
ثانيًا: أنَّ المقصودَ بالخُلطةِ مِنَ الارتفاقِ، يحصُلُ بدون النيَّة، فلم يتغيَّرْ وجودُها معه، كما لا تتغيَّرُ نيَّةُ السَّومِ في الإسامةِ، ولا نيَّةُ السَّقيِ في الزَّرع والثِّمار، ولا نيَّة مُضيِّ الحَوْلِ فيما يُشتَرَط الحَوْلُ فيه ((الذخيرة)) للقرافي (3/130)، ((المغني)) لابن قدامة (2/456).
ثالثًا: أنَّ النيَّةَ لازمةٌ لوجودِ الخُلطةِ، فلا معنَى لاشتراطِها ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/157).
القول الثاني: تُشتَرَط نيَّةُ الخُلطةِ، وهذا مذهَبُ المالكيَّة قرَّر بعضُ المالكيَّة أنَّه لا حاجة لاشتراطِ النيَّة؛ لأنَّ المرادَ بنيَّةِ الخُلطة عدمُ نيَّةِ الفِرارِ بالخُلطة، وبذلك يكون الخلافُ بينهم وبين الجمهورِ لفظيًّا. ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (2/777)، ((الشرح الكبير)) للشيخ الدردير و((حاشية الدسوقي)) (1/439). ، وقولٌ للشافعيَّة ((البيان في مذهب الإمام الشافعي)) للعمراني (3/212)، ((المجموع)) للنووي (5/434، 436). ، وبه قال القاضي أبو يعلَى مِنَ الحَنابِلَة ((المغني)) لابن قدامة (2/456).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ الخُلطةَ معنًى يغيِّرُ موجِبَ الحُكم، فيفتقِرُ إلى النيَّةِ، كالاقتداءِ في الصَّلاةِ ((الذخيرة)) للقرافي (3/130)، ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (1/505).
ثانيًا: أنَّ الخُلطةَ تُغيِّرُ أمرَ الزَّكاةِ بالتَّكثيرِ أو التَّقليل، ولا ينبغي أن يُكَثَّرَ مِن غيرِ قَصدِه ورضاه، ولا أن يُقَلَّلَ إذا لم يقصِدْه، محافظةً على حقِّ الفُقَراءِ ((حاشيتا قليوبي وعميرة)) (2/15).
المطلب الرابع: ما يُعتَبَر في الخُلطة
ممَّا يُعتبَرُ في الخُلطة: الاشتراكُ في المَراحِ المَرَاح: هو الموضِعُ الذي تَروحُ إليه الماشية وتجتمِعُ فيه للانصرافِ إلى المبيت، وقيل: هو الموضِعُ الذي تَقيلُ فيه. ((المنتقى شرح الموطأ)) لأبي الوليد الباجي (2/137). ، والمَشرَبِ الخُلطة في المشرب: أن يسقِيَ الجَميعَ بدَلْوٍ واحد، أو الاشتراكُ في الماء، إمَّا أن يكون موضِعُه مملوكًا، أو تكون المنفعةُ فيه مُشتَرَكة. ((التاج والإكليل)) للمواق (2/267) ، والفَحلِ الفحل: هو الفَحلُ الذي يضرِبُ الماشيةَ، أي ينزو عليها. ((المنتقى شرح الموطأ)) لأبي الوليد الباجي (2/137). ، وهذا في الجُملةِ مَذهَبُ الجمهورِ: المالكيَّة المعاني المعتبَرَة عند المالكيَّة في الخُلطة: الراعي، والفَحْل، والمَرَاح، والدَّلْو، والمَبيتُ. ((التاج والإكليل)) للمواق (2/267)، ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (2/777). ، والشافعيَّة المعاني المعتبَرة عند الشافعيَّة في الخلطة: المشرب، والمسرح، والمراح، وموضع الحلْب، والراعي، والفحل. ((المجموع)) للنووي (5/432)، ((تحفة المحتاج)) لابن حجر للهيتمي و((حواشي الشرواني والعبادي)) (3/230). ، والحَنابِلَة المعاني المعتبَرة عند الحَنابِلَة في الخُلطة: أن يكون مرعاهم ومَسرَحُهم ومَبِيتُهم ومَحلَبُهم وفَحلُهم واحدًا. ((الفروع)) لابن مفلح (4/ 38)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/454)، ((العدة شرح العمدة)) لبهاء الدين المقدسي (ص: 142). ؛ وذلك لأنَّها إذا اشترَكَت في هذه الأوصافِ، صارت كأنَّها لرَجُلٍ واحدٍ ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (6/64)، ((المجموع)) للنووي (5/434).
المطلب الخامس: كونُ المالِ المخَتِلط نِصابًا
لا يُشتَرَط أن يبلُغَ المالُ المُختَلِطُ لكلِّ واحدٍ نِصابًا، إذا بلغ مجموعُه بعد الخُلطةِ نِصابًا، وهذا مذهَبُ الشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (5/432)، ((روضة الطالبين)) للنووي (2/170). ، والحَنابِلَة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/196)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/454). ، وبه قال بعضُ السَّلَفِ قال ابنُ قدامة: ( وسواءٌ تَساوَيَا في الشَّرِكة، أو اختلفَا، مثل أن يكون لرَجُلٍ شاةٌ، ولآخَرَ تِسعةٌ وثلاثون، أو يكون لأربعينَ رجلًا أربعونَ شاة، لكلِّ واحدٍ منهم شاة؛ نصَّ عليهما أحمد، وهذا قول عطاء والأوزاعيِّ والشافعيِّ، والليث وإسحاق). ((المغني)) (2/454). قال القرطبي: (قال الربيع والليث وجمعٌ من العلماءِ منهم الشافعيُّ: إذا كان في جميعِها ما تجِبُ فيه الزَّكاة أُخِذَت منهم الزَّكاة). ((تفسير القرطبي)) (15/179). ، واختاره داودُ الظَّاهريُّ قال النوويُّ: (وبمذهَبِنا في تأثيرِ الخُلطتين قال عطاء بنُ أبي رباح والأوزاعيُّ، والليث وأحمد، وإسحاق وداود). ((المجموع)) (5/433). ، والشنقيطيُّ قال الشنقيطيُّ: (اختلف القائلون بتأثيرها في الزَّكاة على مَن تؤثِّرُ: فقال أحمد، والشافعيُّ: تؤثِّر على جميع الخُلَطاء؛ مَن يملكون نِصابًا، ومن لا يملِك... ولعلَّ من النصوص المقدَّمة يكون الراجِحُ مذهبَ أحمد والشافعيِّ في قضية الخُلطة. والله تعالى أعلم). ((أضواء البيان)) (8/278، 279). ، وبه أفتتِ اللَّجنةُ الدَّائمةُ قالت اللَّجنة الدَّائمة: (الخُلطة المذكورة في السؤال تُوجِبُ الزَّكاة في هذه الأغنام، إذا بلغت بمجموعِها نِصابًا، وكانت سائمةً في جميع الحَوْلِ أو أكثَرِه، وعلى كلِّ واحدٍ مِنَ الزَّكاة بقدْرِ مالِه مِنَ الأغنام، منسوبًا إلى المجموعِ، فلو كان لإنسانٍ شاة، ولآخَرَ تسعٌ وثلاثون شاةً، فعلى الأوَّل ربُعُ عُشرِ شاةٍ، وباقيها على الآخَرِ). (( فتاوى اللَّجنة الدَّائمة – المجموعة الثانية)) (8/42). ؛ وذلك لأنَّ الخُلطةَ تُصَيِّرُ الأموالَ كَمالٍ واحدٍ ((الذخيرة)) للقرافي (3/128).

انظر أيضا: