trial

الموسوعة الفقهية

المطلب الثامن: نعيُ المَيِّت


الفرع الأوَّلُ: حُكمُ نَعْيِ الميِّت
يُكْرَه نعيُ الميِّتِ [7395] النَّعْيُ: هو إذاعةُ موتِ الميت، والإخبارُ به، ونَدْبُه. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (5/85)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/447) قال الزيلعيُّ: (كانوا يَبعثونَ إلى القبائِلِ يَنعَوْنَ مع ضجيجٍ وبكاءٍ وعويلٍ وتعديدٍ، وهو مكروهٌ بالإجماع). ((تبيين الحقائق)) (1/240). ولا بأسَ بالنعيِ في الصُّحُف والجرائد ونحوهما قبل أن يُصَلَّى على الميِّتِ، إذا كان من أَجْلِ الصَّلاةِ عليه، كما نعى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم النجاشيَّ حين مَوْتِه، وأمَرَ الصَّحابة أن يخرجوا للمُصَلَّى، فصلَّى بهم. وأمَّا بعد موتِه والصَّلاةِ عليه؛ فلا حاجة إلى ذلك، خاصَّةً وأنَّ مِن أهل العِلْمِ مَن عَدَّه في هذه الحالة مِنَ النَّعي ِالمنهِيِّ عنه. يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (17/344). وهذا باتِّفاقِ المذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحَنفيَّة [7396] وقيَّدَ الحنفيَّةُ الكراهة بما إذا كان مع تنويهٍ بذِكْرِه وتفخيمٍ له؛ قال ابن عابدين: (وكره بعضهم أن ينادى عليه في الأزقة والأسواق لأنه يشبه نعي الجاهلية والأصح أنه لا يكره إذا لم يكن معه تنويه بذكره وتفخيم) ((حاشية ابن عابدين)) (2/239)، وينظر: ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/ 240)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهُمام (2/127). ، والمالِكيَّة [7397] قيَّد المالكيَّةُ الكراهةَ بالنداءِ في المساجدِ وأبوابها، أمَّا ما كان إعلامًا بموت الميِّت من غير نداءٍ؛ فذلك جائزٌ. يُنظر: ((التاج والإكليل)) للمواق (2/241)، ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/139)، ((الشرح الصغير)) للدردير (1/570). ، والشَّافعيَّة [7398] وقيَّده الشافعيَّة بما إذا كان نداءً بذِكْر مفاخِرِ ومآثِرِ الميِّتِ. قال الشربيني: («بخلافِ نَعْيِ الجاهليَّة» وهو بسكون العينِ، وبكسْرِها مع تشديدِ الياءِ: مصدرُ نعاه؛ ومعناه- كما في المجموع-: النداءُ بذِكْرِ مفاخِرِ المَيِّت ومآثِرِه؛ فإنَّه يُكرَه للنهيِ عنه؛ كما صحَّحه الترمذيُّ، والمراد نعيُ الجاهلية لا مجرَّد الإعلامِ بالموت؛ فإن قُصِدَ الإعلامُ بموتِه لِمَن لم يَعْلَمْ لم يُكْرَه، وإن قَصَد به الإخبارَ لكثرةِ المصلِّينَ عليه فهو مستحَبٌّ). ((مغني المحتاج)) (1/357). وقال النووي: (ويُكرهَ نعيُه بنعيِ الجاهلية ولا بأس بالإعلامِ بموته للصَّلاة عليه وغيرها). ((روضة الطالبين)) (2/98). ، والحَنابِلَة [7399] ((الإنصاف)) للمرداوي (2/329)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/343). لكن قالوا: لا بأسَ أن يُعْلِمَ به أقاربَه وإخوانَه من غير نداءٍ. ينظر: ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/85). .
الدَّليلُ مِنَ السُّنَّة:
عن حُذيفةَ بنِ اليمانِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، قال: ((إذا مِتُّ فلا تُؤذِنوا بي؛ إنِّي أخافُ أن يكون نَعْيًا؛ فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يَنْهَى عن النَّعْيِ )) [7400] أخرجه الترمذي (986)، وابن ماجه (1476)، وأحمد (23502). قال الترمذيُّ: حسن صحيح، وصحَّحه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (2/373)، وحَسَّنَ إسنادَه ابنُ حجر في ((فتح الباري)) (3/140)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (986). .
الفرع الثاني: الإعلامُ بموتِ الميِّتِ من غيرِ نداءٍ
لا يُكرَه الإعلامُ بموتِ الميِّتِ من غيرِ نداءٍ [7401] قال ابن حجرٍ: (النَّعي ليس ممنوعًا كلُّه، وإنَّما نهى عما كان أهلُ الجاهلية يصنعونه؛ فكانوا يرسلون من يُعْلِنُ بخبر موت المَيِّت على أبوابِ الدُّور والأسواقِ، وقال ابن المرابط: مرادُه أنَّ النعيَ الذي هو إعلامُ النَّاسِ بموتِ قَريبِهم مباحٌ، وإن كان فيه إدخالُ الكَرْبِ والمصائِبِ على أهله، لكنْ في تلك المفسدةِ مصالِحُ جمَّة؛ لِمَا يترتَّبُ على معرفةِ ذلك مِنَ المبادرَةِ لشهودِ جنازته، وتهيئةِ أمْرِه، والصلاةِ عليه، والدُّعاءِ له والاستغفارِ، وتنفيذِ وصاياه، وما يترتَّب على ذلك مِنَ الأحكام). ((فتح الباري)) (3/117). ، وهذا باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ: الحَنفيَّة [7402] ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/240). ويُنظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/127). ، والمالِكيَّة [7403] ((التاج والإكليل)) للمواق (2/241). ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/139)، ((الشرح الصغير)) للدردير (1/570). ، والشَّافعيَّة [7404] ((روضة الطالبين)) للنووي (2/98)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/357). ، والحَنابِلَة [7405] وقيَّدَ الحنابلةُ جوازَ الإعلامِ بأقارِبِ المَيِّتِ وإخوانِه. ((الإقناع)) للحجاوي (1/212)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/85). ، وحُكِيَ فيه الإجماعُ [7406] قال ابن رشد الجد: (وأمَّا الإِذْنُ بها، والإعلامُ من غير نداءٍ، فذلك جائزٌ بإجماعٍ). ((البيان والتحصيل)) (2/218). وقال ابنُ الحاج: (وأمَّا الإيذانُ بها والإعلامُ مِن غَيرِ نداءٍ، فذلك جائزٌ بإجماع) ((المدخل)) (2/221). وقال الموَّاق: (وأمَّا الأذانُ والإعلامُ مِن غير نداءٍ؛ فذلك جائزٌ بإجماع). ((التاج والإكليل)) (2/241). وقال الخرشي: (الإعلامُ بها-أي بالميتِ- من غيرِ نداءٍ؛ فذلك جائزٌ بإجماع) ((شرح مختصر خليل)) (2/139). لكن قال ابن عبد البَرِّ: (رُوِيَ عن ابن مسعودٍ أنه قال: لا تُؤذِنوا بي أحدًا؛ فإني أخشى أن يكونَ كنَعْيِ الجاهليَّةِ. وعن سعيد بن المسيب أنَّه قال: إذا أنا مِتُّ فلا تقولوا للنَّاس مات سعيدٌ، حَسْبي من يُبلِّغُني إلى ربي. وروي ذلك عن ابن مسعود، قال: حسبي من يبلِّغُني إلى حُفرتي، وعن علقمةَ أنَّه قال: لا تؤذِنوا بي أحدًا؛ فإن ذلك من النَّعيِ، والنَّعيُ من أمرِ الجاهليَّةِ، ورُوِيَ عن طائفةٍ مِن السلفِ مثلُ ذلك، قد ذكرتهم والأخبارَ عنهم في التمهيد، ورُوِيَ عن ابن عونٍ قال: قلت لإبراهيم: أكان النعيُ يُكرَهُ؟ قال: نعم، قال: وكان النعيُ أنَّ الرَّجلُ يركَبُ الدابَّةَ، فيطوفُ ويقولُ: أنعِي فُلانًا. قال ابن عون: وذَكَرْنا عند ابن سيرينَ أنَّ شُريحًا قال: لا تُؤذِنوا لجِنازتي أحدًا، فقال: إنَّ شَريحًا كان يكتفي بذِكْرِه) ((الاستذكار)) (3/26). وقال القرطبي: (وإعلامُ إخوانِه الصُّلَحاءِ بِمَوتِه. وكَرِهَه قومٌ وقالوا: هو مِن النَّعيِ) ((تفسير القرطبي)) (4/298). .
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
1- عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم نعى النَّجاشيَّ في اليومِ الذي مات فيه؛ خَرَجَ إلى المُصلَّى، فصَفَّ بهم، وكَبَّرَ أربعًا )) [7407] أخرجه البخاري (1245) واللفظ له، ومسلم (951). .
2- عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ رجلًا أسودَ- أو امرأةً سوداءَ- كان يقمُّ [7408] يقُمُّ: أي: يجمعُ القُمامَةَ، وهي الكُناسَة. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (1/553). المسجِدَ فمات، فسألَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عنه، فقالوا: مات، قال: أفلا كُنْتُم آذنْتُموني به، دُلُّوني على قبره- أو قال قبرِها- فأتى قبْرَها فصلَّى عليها )) [7409] أخرجه البخاري (458) واللفظ له، ومسلم (956). .
ثانيًا: من الإجماع
نقل الإجماعَ على ذلك: ابنُ رُشدٍ الجَد [7410] قال ابن رشد الجد: (وأمَّا الإِذْنُ بها، والإعلامُ من غير نداءٍ، فذلك جائزٌ بإجماعٍ). ((البيان والتحصيل)) (2/218). ، والموَّاق [7411] قال المواق: (وأمَّا الأذانُ والإعلامُ مِن غير نداءٍ؛ فذلك جائزٌ بإجماع). ((التاج والإكليل)) (2/241). ، والخرشي [7412] قال الخرشي: (الإعلامُ بها-أي بالميتِ- من غيرِ نداءٍ؛ فذلك جائزٌ بإجماع) ((شرح مختصر خليل)) (2/139). .
لِمَا يترتَّبُ على معرفة ذلك مِنَ المبادرةِ لشهودِ جِنازَتِه، وتهيئةِ أمرِه، والصَّلاةِ عليه، والدُّعاءِ له والاستغفارِ، وتنفيذِ وصاياه [7413] ((فتح الباري)) لابن حجر (3/117). .

انظر أيضا: